فكيف ستخفي اشتعال المشيب؟
إعداد الشيخ محمود وتد عضو حركة الدعوة والإصلاح
ليس المشيب مجردَ شعيراتٍ بيضاءَ تزحف على الرأس، ولا هو علامةُ ضعفٍ أو أفول، بل هو نداءٌ صامت، ورسالةُ وقتٍ يقول لصاحبه: إن الطريق يمضي، وإن العمر لا يعود إلى الوراء. قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾سورة مريم،آية 4.
فشبَّه الشيب بالاشتعال، لأن نوره ظاهر، ولأن خبره لا يُخفى، ولأن حضوره إعلانٌ أن مرحلةً قد انقضت وأخرى بدأت.
فكيف سيُخفي الإنسان اشتعال المشيب؟
أبالألوان؟ أم بالإنكار؟ أم باللهو عن الحقيقة؟
إن المشيب لا يُخفى بصبغة، ولا يُسكَت بتجاهل، وإنما يُجابَه بالاستعداد، ويُستقبَل بالحكمة، ويُكرَّم بالطاعة والعمل الصالح.
وهنا يطلّ علينا شهر شعبان، هذا الشهر الذي يغفل الناس عنه، كما أخبر النبي ﷺ:
«ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
يغفل الناس عنه لأنه بين موسمين عظيمين: رجب بما فيه من رهبة، ورمضان بما فيه من هيبة ونفحات. لكنه في ميزان العارفين شهرُ التحضير، وشهرُ التهيئة، وشهرُ من فهم رسالة الزمن قبل أن يُفاجَأ بانقضائه.
شعبان يشبه المشيب؛
كلاهما رسالةُ انتقال،
وكلاهما جسرٌ بين مرحلتين،
وكلاهما اختبار وعيٍ لا اختبار زمن.
من أدرك معنى المشيب أدرك معنى شعبان. فكما أن المشيب ليس نهاية الحياة بل بداية نُضجها، فإن شعبان ليس شهرًا عابرًا بل هو مفتاح رمضان. من دخل شعبان غافلًا، دخل رمضان مثقلًا، ومن دخل شعبان واعيًا، دخل رمضان حاضر القلب، قوي العزم.
إن اشتعال المشيب لا يُخفى، لكن يمكن تحويله من حسرة إلى بشارة، ومن ندمٍ إلى عزم. وكذلك شعبان؛ إما أن يكون شاهدًا عليك، أو شاهدًا لك. فيه تُراجع نفسك قبل أن تُحاسَب، وتُصلِح خلل قلبك قبل أن تقف بين يدي الله في شهر الصيام.
شعبان هو شهر السؤال الصادق:
أين أنا من القرآن قبل رمضان؟
أين أنا من الصلاة قبل التراويح؟
أين أنا من الذنوب الخفية التي أؤجل توبتها كل عام؟
وكأن شعبان يقول لك:
قبل أن يشتعل رأسك شيبًا أكثر،
وقبل أن تُرفَع صحيفتك بما فيها،
وقبل أن يأتي رمضان وأنت كما أنت… قِف.
ليس الاستعداد لرمضان بالزينة ولا بالطعام، بل باستقامة المسار. ليس بكثرة الخطط، بل بصدق التوبة. وليس بكثرة الشعارات، بل بثبات العمل.
ومن الحكمة أن يُخفي الإنسان اشتعال المشيب لا بستر لونه، بل بزيادة نوره.
يزيد نور المشيب حين يزيد نور القلب.
ويزداد جمال الشيب حين تزداد الطاعة.
وتُمحى قسوته حين يُمحى الذنب.
فيا من أقبل عليك شعبان، لا تكن ممن غفلوا، ولا تكن ممن قالوا: "سنبدأ في رمضان". ابدأ الآن، فإن الله يفتح الأبواب في شعبان لمن صدق. اجعل صيامك تدريبًا، وقيامك تمهيدًا، وقرآنك صلةً لا موسمية.
وفي النهاية، سيشتعل المشيب… شئنا أم أبينا،
لكن السعيد من جعله اشتعال هداية لا اشتعال غفلة،
وجعل من شعبان جسرَ عبورٍ إلى رمضان،
لا محطةَ نومٍ قبل فوات الأوان.
فكيف ستخفي اشتعال المشيب؟
بالعودة إلى الله… قبل أن لا يبقى في العمر متسع للعودة.
وختامًا أترككم مع هذه الأبيات من الشعر التي منها اقتبست عنوان مقالتي: «فكيف ستخفي اشتعال المشيب» لعلها تقرع أبواب قلوبنا وتوقظنا من غفلاتنا.
تؤمّلُ أنك يومًا تتوب
وتشكو الذنوبَ وأنتَ الذنوب
وفي كل يومٍ تبوء بذنبٍ
وعيبٍ يُضاف لباقي العيوب
تؤمّل أنك تحيا طويلًا
وشمسك مالت وحان الغروب
أتخفي السنينَ مع الأربعين
فكيف ستخفي اشتعالَ المشيب؟
بقلبك تبدو ندوب الجراحِ
وهيهاتَ يا صاحِ تخفى الندوب
أتهجرُ دربَ الهدى والصلاحِ
وترحل في مُهلكات الدروب؟!
فسِر للكتاب بدرب الصِّحاب
وذق بالمتاب رحيقَ الطيوب
تؤجّل توبَك دوماً! ولستَ
تؤجل يوماً لقاء الذنوب
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency