نعي فاضل- المرحوم عبدالله وجيه شلبي

عبد الوهاب أسعد
نُشر: 23/01/26 18:08

أكبرتُ يومك أن يكون رثاءً؛ فالخالدون عهدتهم أحياء. ما كنتُ أحسب، قبل دفنك بالثرى، أن الكواكب في التراب تغور.

انتهى إلينا نبأٌ شغل القلب وروعه، وقسّم الفكر ووزّعه، ووجب الإزعاج واقتضاه. وما أُبالي، وخيرُ القول أصدقه: إنها لوعةٌ غلبتني، وروعةٌ فاجأتني، فما رأيتُ إلا وكفّي تنمّق في الصحيفة أسطرًا.

الله يعلم أني كَمِد، لا أستطيع بثّ ما أجد، وبتُّ مرتديًا أشجاني، مؤتزرًا أحزاني.

رحم الله أبا عمر.

قد لبستَ شرفًا لا تطمح الأيام إلى خلعه، وتقمّصتَ من الفضل جلبابًا لا تتطلع الأيام إلى نزعه، وانتهى إليك المجد فوقف، وعرف الجود مكانك فانحاز إليك وعطف. وهل أنت إلا يدٌ أدماها سوارها، وجبينٌ عضّ به إكليله؟

ومن أولى منك بكل حمدٍ يفِد إليك إمداده إرسالًا؟ فالعزّ يفخر بكم موصولًا، وأنتم لفروعه السامية أصول. فإن ذهب أثرك فقد بقي ذكرك، وحملتَ معك جذوةً من نارٍ باستمرار؛ إن لُمست فنارُ إبراهيم، أو أُونست فنارُ الكليم.

جديرٌ أن تكون في خفايا المسائل ابنَ جلاها، وطلاعَ ثناياها. عركتك رحى التجارب عركَ الثفال، وحلب الدهر أشطره على تصاريف الأحوال. مشهورُ الشأن والقدر؛ إن نظموا عِقدًا كنتَ فيه الواسطة، فأفعالك الحميدة بدأت بكل ريعٍ منارًا، وجعلتَ لك في كل مكرمةٍ سماتٍ وآثارًا.

ثم أيقنتُ أني حيث انتهى بي القول منسوبٌ إلى العجز، مقصّرٌ عن الغاية، فانصرفتُ عن الثناء عليك إلى الدعاء إليك:
لا زالت صلواتُ الله دائمةً عليك، لا تُحصى بتعداد، رحمةً باقيةً تشرق شمسها إذا الشمس كُوّرت، وتعبق نفحاتُ نشرها إذا الصحف نُشرت؛ صلاةً لا ينفذ لها أمد، ولا يفنى لها عدد، ما شبّ بارقٌ وخمد.

داعيًا لكم في الليل إذا يغشى، ومن الذكر الجميل في النهار إذا تجلّى. فمصابكم جلل، والعزاء قليل، فلا وجه لأسفٍ وحزنٍ على ما لا يصحّ فيه الاستدراك. أما وقد حال القدر دون الوطر، فالأقدار عنوان، وما لصروف الدهر عصيان، ولريب الحوادث تسليمٌ وإذعان، وللدهر في صروفه حُوَلٌ وأطوار.

فالدنيا ما مضى منها حلم، وما بقي منها أماني، وكلُّ من فيها يجري إلى ما يدري. وإنا لنغفل، والأيام في الطلب، ولكل قلبٍ لوعةٌ وثبور، والدنيا كلها إلى شتات، وكل حيٍّ إلى ممات.

وبكتاب الله وسنة نبيه ﷺ عندنا حسن اقتداء؛ نضرب به عن كل رثاءٍ صفحًا، وكل ضيقةٍ فإلى رجاء، وكل غمرةٍ إلى انجلاء. جعل الله ثواب ما رُزئتم به أجرًا، وأعقبكم عليه صبرًا، وأحقّ ما صُبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيلًا.

رحم الله أبا عمر، سقى الله عهده، وأسكن الرحمة ثراه ولحده، وقدّس مثواه، وجعل الجنة مأواه.
اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته يوم تكشف الهنات والسوءات. ونحتسبه عند الله حديقةَ مكارمٍ صُوّحت، وصحيفةَ محاسنَ دُرست، وغصنًا ذوى، وشهابًا خبا.

عظّم الله أجركم، وشرح صدركم، وجعل لكم من مضايق الأمور مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا. طوبى لمن ذكر الميعاد، وعمل ليوم الحساب، وقنع بالعفاف؛ فخير الزاد التقوى.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة