هيمنة دونالد ترامب والسبيل إلى الفوضى المقنّعة

خالد خليفة
نُشر: 12/01/26 18:16

يشهد النظام الدولي الراهن تحولات جذرية تعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر اضطراباً وأقل استقراراً. ففي ظل قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1989، بل تعمل على تفكيكه وإعادة تشكيله وفق منطق القوة العارمة وتقاسم النفوذ بين القوى العظمى. وتعتبر هذه المقاربة الجديدة فاتحة لنظام دولي مختلف، تكون فيه فنزويلا البداية، وقد لا تكون إيران نهايته.
وتعتمد السياسة الأمريكية الجديدة على مبدأ واضح بان للولايات المتحدة الحق في التدخل أو الهجوم على أي دولة في العالم إذا اعتُبر ذلك ضرورياً لحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وهذا هو المبدأ، الذي عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ويتبناه دونالد ترامب عملياً، والذي ينسف أسس القانون الدولي وسيادة الدول، ويحوّل العالم إلى ساحات نفوذ مفتوحة. بحيث لم يعد الاحتلال العسكري المباشر هو الأداة الأساسية، بل بات الحصار، والضغط السياسي، والتهديد، والاختطاف السياسي، والعقوبات أدوات بديلة تؤدي الغرض نفسه.
وفي هذا السياق، تبرز أمريكا اللاتينية بوصفها “الساحة الخلفية” الأولى للولايات المتحدة. فالتصعيد ضد فنزويلا، وما رافقه من استهداف مباشر للرئيس نيكولاس مادورو ومحاولات عزله أو اختطافه سياسياً، يشكّل نموذجاً أولياً لما يمكن أن يتكرر في دول أخرى مثل كوبا أو كولومبيا، أو أي دولة تقترب من روسيا أو الصين. ان هذه السياسة لا تهدف فقط إلى إسقاط أنظمة، بل إلى توجيه رسالة ردع شاملة مفادها أن أي خروج عن الإرادة والطاعة السياسية الأمريكية سيُقابل ويواجه بالقوة.
ولا يقتصر هذا التوجه على أمريكا اللاتينية. فالتهديدات المتكررة تجاه غرينلاند، التابعة للدنمارك منذ 500 عام وعضو الناتو، تكشف عمق التحول في التفكير الأمريكي. فواشنطن لم تعد ترى في تحالفاتها التقليدية خطوطاً حمراء، بل أوراق تفاوض يمكن تجاوزها واستبدالها إذا تعارضت مع مصالحها. وقد أحدث هذا السلوك تصعيدا واضحا داخل المعسكر الغربي، وفتح خلافات حادة مع دول أوروبية، لا سيما فرنسا، التي تتهم الولايات المتحدة بدعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً في حربها على غزة، وبالتغاضي عن سياسات توصف أوروبياً بأنها إبادة جماعية.
وفي الشرق الأوسط، تبدو الصورة أكثر خطورة. فالسياسة الأمريكية الجديدة، المتحالفة عضوياً مع إسرائيل، لا تسعى فقط إلى إدارة الصراعات، بل إلى إعادة هندسة المنطقة. ويقف الملف الإيراني في قلب هذه الرؤية، حيث يُطرح خيار توجيه ضربة شاملة لإيران أو الدفع نحو تغيير نظامها. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر هائلة، إذ إن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، يطال المصالح الأمريكية في الخليج، ويقوّض أي فرص لاستمرار اتفاقات وقف إطلاق النار في غزة أو مع حزب الله، أو حتى استقرار الوضع في سوريا.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة قدّمت تنازلات ضمنية لروسيا، عبر التغاضي عن تمددها في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما يمنح الرئيس فلاديمير بوتين هامشاً أوسع لضم مناطق جديدة أو فرض نفوذه بالقوة. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث في أوروبا عام 1939، حين بدأت ألمانيا النازية بضم الدول المجاورة، مثل النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا، وسط تردد دولي انتهى بحرب عالمية مدمرة.
غير أن الفارق الجوهري اليوم هو أن العالم لا يُدار من قوة واحدة، بل من ثلاث قوى كبرى: الولايات المتحدة وروسيا والصين. ويشكل هذا “التقاسم” الغير معلن للنفوذ قد يبدو واقعاً بمنظور الدول العظمى الثلاث، ولكنه يحمل في طياته بذور فوضى طويلة الأمد. فالدول الصغيرة والشعوب هي التي ستدفع الثمن، سواء عبر الحروب بالوكالة أو الانهيارات الاقتصادية أو فقدان السيادة.
وما يقوده دونالد ترامب ليس مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل مسار نحو نظام دولي جديد غير مستقر، قائم على القوة لا القواعد والقوانين، وعلى الردع لا الشراكة. ويمكن لهذا النظام ان ينجح مرحلياً في فرض الوقائع، لكنه، كما أثبتت تجارب القرن العشرين، يحمل في داخله عوامل انفجاره الذاتي، ويهدد العالم بفوضى غير خلاقة قد تستمر سنوات طويلة، وربما عقوداً

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة