ليست هذه القصيدة نصًا يُقرأ على هامش الفجيعة، ولا مرثية عابرة تُسكّن الألم ثم تنسحب، بل هي بيان وجودي وأخلاقي يُكتب من قلب المواجهة، من النقطة التي يُعاد فيها تعريف الإنسان بعد أن جرى اغتياله مرتين: مرة بالرصاصة، ومرة باللغة التي حاولت تبرير الرصاصة. في «أنا الإنسان… لا الجريمة»، لا تكتب عائشة يونس عن الموت، بل عن فضيحة القتل حين يُفهم، ويُشرح، ويُروَّض.
منذ العنوان، نحن أمام قطيعة لا لبس فيها:
لا استعارة، لا مواربة، لا مجاز يخفف الوقع.
أنا الإنسان — هذه جملة تعريف،
لا الجريمة — وهذه جملة نفي، ومحاكمة، وإدانة.
العنوان ليس بوابة للنص، بل حكمه الأخلاقي الأعلى. إنه ينزع عن الجريمة أي محاولة للالتباس، ويعيد للضحية مكانها الطبيعي: مركز المعنى، لا هامشه.
⸻
استعادة الإنسان من براثن السردية القاتلة
تبدأ القصيدة من حيث لا يبدأ الإعلام، ولا تبدأ البيانات، ولا تبدأ التقارير الأمنية. تبدأ من الإنسان قبل أن يُختزل:
الاسم الذي نودي بحب،
الوجه الذي حفظته المرايا،
الصوت الذي ضحك،
والحياة التي لم تكن فائضة، لكنها كانت حقًا.
هذا الاستهلال ليس عاطفيًا، بل تفكيكًا واعيًا لمنطق الإلغاء. فالعنف لا يبدأ بالرصاصة، بل حين يُسلب الإنسان قصته، وحين تُمحى تفاصيله لصالح وصفٍ عام، مريح، وبارد. القصيدة تستعيد هذه التفاصيل لا لتجمّل الضحية، بل لتقول ما هو أعمق:
الإنسان لا يحتاج إلى تبرير ليعيش.
⸻
الوجود كحق… لا كامتياز
في قلب النص، تقف جملة واحدة كحجر زاوية:
لم أرتكب خطيئة وجودي.
هنا تبلغ القصيدة ذروة وعيها الفلسفي. فالكاتبة تواجه ثقافة كاملة تعامل الوجود بوصفه مشروطًا:
إن كنت فقيرًا، فوجودك عبء.
إن كنت مختلفًا، فوجودك خطر.
إن كنت ضعيفًا، فوجودك قابل للإزالة.
القصيدة تقلب هذا المنطق رأسًا على عقب، وتعلن بوضوح:
الوجود ليس تهمة، والحياة لا تحتاج إذنًا، والإنسان لا يُعدم لأنه أخطأ.
⸻
الجريمة التي لا تنتهي عند الجسد
القتل في هذا النص ليس حدثًا لحظيًا، بل فعلًا ممتدًا في الزمن. الرصاصة لا تتوقف عند الجسد، بل تعبره لتستقر في:
• قلب أمٍّ سيصير القلق طقسها اليومي
• أبٍ كان يظن أن العالم ما زال يتسع لأبنائه
• أختٍ ستكتشف أن الفقد يمكن أن يكون هوية
• وطفل… الطفل الذي يتحول إلى سؤال مفتوح لا إجابة له
الطفل هنا ليس أداة استدرار شفقة، بل بنية أخلاقية كاملة. حين تقول الشاعرة إن الرصاصة استقرت في طفولته، فهي تعلن أن الجريمة الحقيقية هي اغتيال المستقبل. فكل طفل يُسرق أبوه، يُسرق معه الإحساس بالأمان، والإيمان بالعالم، والثقة بالعدالة.
⸻
محاكمة القاتل… بوصفه إنسانًا
القصيدة لا تكتفي بلعن القاتل، بل تفعل ما هو أخطر: تسائله.
تسحبه من موقع الوحش إلى موقع الإنسان الذي اختار أن يقتل.
هل النوم يزورك؟
هل يتركك الدم وشأنه؟
هذه الأسئلة لا تطلب اعترافًا، بل تكشف هشاشة القوة الزائفة. فالقاتل هنا ليس سيدًا، بل كائنًا محاصرًا بفعله، مطاردًا بدمٍ لا ينام. والقصيدة، إذ تضعه أمام ضميره، تفضح الوهم الأكبر:
أن القتل يمنح سلطة، بينما هو في الحقيقة إفلاس أخلاقي كامل.
⸻
الذروة: إدانة الصمت
في القسم الأخير، تنتقل القصيدة من الفرد إلى الجماعة، من القاتل إلى المجتمع. هنا، يتحول النص إلى لائحة اتهام جماعية:
• للذين صدّقوا الرواية الأسهل
• للذين برّروا لأن المواجهة مكلفة
• للذين صمتوا وسمّوا صمتهم حكمة
• للذين احتموا بالدين لتبرير العجز
ولا بارك الله في خوف يُسمى حكمة.
هذه الجملة ليست دعاءً، بل كسرًا لأقدس الأقنعة. فالصمت، حين يُلبس لباس العقل أو الدين، يصبح شريكًا مباشرًا في الجريمة. والقصيدة هنا لا تطلب دمًا مقابل دم، بل تطلب ما هو أصعب:
تسمية الظلم باسمه.
⸻
لغة تُحاكم القارئ
لغة النص واضحة، مباشرة، لكنها غير بريئة. التكرار مقصود، والأسئلة متلاحقة، والإيقاع متوتر. كل ذلك ليس ضعفًا أسلوبيًا، بل استراتيجية محاصرة. القارئ لا يبقى متفرجًا، بل يُستدعى إلى قلب النص، إلى موقع الشاهد، بل إلى موقع المتهم أحيانًا.
⸻
خاتمة
«أنا الإنسان… لا الجريمة» ليست قصيدة عن ضحية واحدة، بل عن انكسار المعنى حين يُصبح القتل مقبولًا، والصمت فضيلة، والإنسان رقمًا.
إنه نص يصرخ بما لا يُراد له أن يُقال:
أن الدم لا يُمحى بالبيانات،
ولا يُغسَل بالنوايا،
ولا يُدفن بالصمت.
هي قصيدة تقول بوضوح لا يحتمل التأويل:
حين يُقتل الإنسان ولا نسمّي قتله ظلمًا، نكون قد خسرنا إنسانيتنا قبل أن نخسره
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency