"سادنُ الروح"- حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي

رانية مرجية
نُشر: 09/01/26 22:23

منذ عنوانه، يضع كتاب «سادن الروح» قارءَه أمام إشارة دلالية كثيفة: فالسادن ليس مالكًا ولا صانعًا، بل حارسًا، خادمًا لمعنى أسمى منه. هكذا يعلن الأستاذ فهيم أبو ركن منذ العتبة الأولى أن ما بين أيدينا ليس سردًا ترفيهيًا، بل نصّ حراسةٍ للجوهر الإنساني، ومحاولة للإمساك بتلك المنطقة الهشّة التي تتصارع فيها الحرية مع القدر، والعقل مع الإغواء، والاختيار مع الألم.

مسرح الأفكار بدل حكاية الأحداث

لا يتقدّم «سادن الروح» كرواية تقليدية، بل كـمسرح فكري تُستدعى إليه شخصيات رمزية: سقراط، الشيطان، الملائكة، الملك، والإنسان المتردد بين أسمائهم. هذه الشخصيات لا تتحرك داخل زمنٍ محدد أو مكانٍ ملموس، بل داخل وعي الإنسان نفسه. الحدث الحقيقي هنا ليس ما يقع، بل ما يُفكَّر فيه، وما يُتَّخذ من قرارات.

بهذا الاختيار، يضع الكاتب قارءَه في موقع الشريك لا المتلقي؛ فالقارئ لا “يتابع” القصة، بل يُستدرج إلى داخلها.

سقراط: ضمير السؤال المستمر

يحضر سقراط في «سادن الروح» لا بوصفه شخصية تاريخية، بل كـضميرٍ يقِظ، كصوت العقل الذي يرفض الخضوع للصمت المريح. هو السؤال الذي لا يهدأ، حتى حين يكون السؤال مُكلفًا. وفي مواجهته مع السلطة العليا، لا يبدو النص معاديًا للإيمان، بل ناقدًا لفكرة الطاعة غير الواعية.

السؤال الذي يطرحه النص بجرأة هو:
هل الفضيلة طاعة أم وعي؟
وهل يمكن للإيمان أن يكون حيًّا بلا مساءلة؟

الشيطان: إغواء اللغة لا قبح الفعل

أحد أكثر عناصر الكتاب قوة هو تقديم الشيطان بوصفه بلاغةً لا وحشًا. الشر هنا لا يصرخ، بل يهمس. لا يفرض نفسه، بل يقترح. وهذا تأويل بالغ الذكاء، لأن أخطر أشكال الشر في عالمنا المعاصر لا تأتي في صورة صدام، بل في صورة “خيار منطقي”.
غير أن هذا الحضور الكثيف للشرح على لسان الشيطان، في بعض المقاطع، قد يُضعف التوتر الدرامي، حين يتحوّل الرمز إلى مفسّر مباشر. كان يمكن للصمت أو للاختزال أن يضيف عمقًا أكبر دون أن يُفقد الفكرة وضوحها، ولكن يبدو أن الكاتب بتكثيف الشرح عبّر عن دوام وجود الشيطان في حيز حياتنا ومحاولاته الجادّة المتكررة للإغواء، ولتزيين الشر الذي يخدع الكثير من الناس بإبعادهم عن الفضيلة وهي المعرفة، وتزيين الرذيلة وهي الجهل؛ فالفاضل - كما يقول سقراط - هو العالم بما هو خير، والجاهل هو من يرتكب الشر لعدم معرفته.

الإنسان بين المثال والواقع
يراهن «سادن الروح» على مسؤولية الإنسان الأخلاقية وقدرته الدائمة على الاختيار، وهو رهان أخلاقي نبيل. إلا أن النص، في سعيه للدفاع عن حرية الإرادة، يمر أحيانًا سريعًا على ثقل الظروف الإنسانية: القهر، الفقر، الخوف، والاضطرار.
لو مُنحت هذه المناطق الهشّة مساحة أوسع، لأصبح السؤال الأخلاقي أكثر إيلامًا، وأكثر التصاقًا بواقع الإنسان العادي، لا الإنسان المثالي فقط.

لغة مشحونة… بين القوة والضغط
يكتب فهيم أبو ركن بلغة عالية الإيقاع، تعتمد التكرار والتوكيد والنداء، ما يمنح النص حرارة وجدانية واضحة. هذه اللغة تنجح في شدّ القارئ، لكنها في بعض المواضع تضغط على الفكرة بدل أن تفسح لها المجال كي تتنفس.
عندما يهدأ الإيقاع، يبرز العمق الفلسفي للنص بجلاء؛ وحين يعلو، يقترب العمل من البيان الأخلاقي. وبين هذين المستويين يتشكل توتر النص وجماله معًا.

خاتمة
«سادن الروح» ليس كتاب إجابات، بل كتاب اختبار. اختبار لمدى استعداد القارئ لأن يرى نفسه في مرآة السؤال، لا في طمأنينة اليقين الجاهز. إنه عمل يدعو إلى اليقظة، ويُذكّر بأن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الخطأ، بل التخلّي عن السؤال.

في زمن تتكاثر فيه الأصوات الجاهزة، يقدّم فهيم أبو ركن نصًا يطالب القارئ بالشجاعة: شجاعة التفكير، وشجاعة الاختيار، وشجاعة تحمّل تبعات الوعي.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة