قبل أسبوع، قصدني صديق يحمل في قلبه ثِقل خيبةٍ عميقة. قال لي إنه غير راضٍ عمّا حدث معه، ثم سرد قصة سنواتٍ طويلةٍ من العطاء والدعم والمساندة لشخصٍ آمن به، ومكّنه، ووقف إلى جانبه في أصعب محطات حياته. غير أنّ هذا الشخص، بدل أن يحفظ الجميل، تنكّر له، ولم يكتفِ بعدم الوفاء، بل أساء إليه.
كان صديقي يتحدث بمرارة، وكأن جرحه لم يكن في الخسارة بحد ذاتها، بل في انكسار الثقة. استحضر مقولة والده التي اعتاد أن يرددها:
«اتّقِ شرّ من أحسنتَ إليه»،
وقالها وكأنها حقيقة قاسية فرضتها التجربة.
تفهّمت ألمه، وشاركتُه الشعور، لكنني حاولت أن أضع أمامه معنى أوسع وأعمق. قلت له: كن كـ شجرة النخيل؛ ثابتة في جذورها، عالية في عطائها. حتى إن رماها الناس بالحجارة، فإنها لا تُسقط أذى، بل تُسقط تمرًا. فالقيمة ليست في ردّ الفعل، بل في الجوهر الذي لا يتغير.
وذكّرته بقصة الرجل الذي أعطى صديقه حصانه أمانة، فخانه وسرقه. وحين واجهه قال له:
«أنا لستُ حزينًا على الحصان، لكنك بفعلك هذا تقطع المروءة بين الناس».
فالخسارة الحقيقية لا تكون في الممتلكات، بل حين تُكسر القيم، وتُهدر المروءة، ويُهزّ أساس الثقة بين البشر.
قلت له إن موقفًا واحدًا، مهما كان قاسيًا، لا ينبغي أن يهزم الإنسان من الداخل، ولا أن يغيّر نظرته إلى الناس. فسلوك شخص لا تعني فساد الجميع، وجحود فرد لا يلغي وجود الطيبين. إن تصرّف الآخرون بسوء، فذلك امتحان لأخلاقهم، لا مبرر للتخلي عن أخلاقنا–
إن الإحسان، في جوهره، ليس صفقةً مشروطة بالردّ، بل قيمة نابعة من الإنسان نفسه. فمن أحسن ليُكافأ، قد يُصاب بخيبة، أمّا من أحسن لأنه يؤمن بالإحسان، فلن يخسر نفسه أبدًا.
وفي الفهم الديني، فإن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين، وإن ضاع عند الناس:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أما فلسفيًا، فالأخلاق لا تُقاس بردود أفعال الآخرين، بل بثباتنا حين يُختبر مبدؤنا. أن تبقى طيبًا في عالمٍ قد يخذلك، ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية. وأن تستمر في الإحسان رغم الجحود، هو انتصار للقيم على الخيبة.
فليكن إحساننا اختيارًا واعيًا، لا سذاجة، وليكن إيماننا بالناس حكمة، لا إنكارًا للواقع. نُحسن لأننا نؤمن أن الخير هو الطريق الأسمى للإنسان، ولأننا نرفض أن نصبح نسخةً من خيباتنا.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency