يشكّل انتخاب رئيس جديد للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية محطة سياسية وتنظيمية مفصلية، لا يجوز التعامل معها كإجراء إداري أو تناوب روتيني على موقع قيادي. فالمجتمع العربي في هذه البلاد يواجه اليوم مرحلة هي الأخطر منذ عقود، تتسم بتراكم الأزمات الداخلية، وتراجع مكانة التمثيل السياسي العربي، إلى جانب محاولات منهجية لتفكيك الهوية الجماعية وتحويل المواطنين العرب إلى أفراد معزولين بلا مشروع وطني جامع.
لقد لعبت لجنة المتابعة العليا، على مدار سنوات طويلة، دورًا مركزيًا في الحفاظ على الإطار الجامع للجماهير العربية، خصوصًا في فترة رئاسة مؤسسي اللجنة، والتي تميّزت بالحفاظ على استمرارية اللجنة ومكانتها الوطنية في ظروف سياسية شديدة التعقيد. غير أن الحفاظ على الاستمرارية، رغم أهميته، لم يعد كافيًا في المرحلة الراهنة. فنحن بحاجة إلى انتقال واضح من إدارة الأزمات إلى قيادة التغيير، ومن العمل التقليدي إلى عمل سياسي حديث، مهني، ومؤسسي.
فقد بات من المؤكد ان الواقع السياسي اليوم يختلف جذريًا عمّا كان عليه في السابق. فالدولة لم تعد ترى في المواطنين العرب في هذه البلاد شركاء محتملين، بل باتت تتعامل معهم من منطلق أمني–سياسي، وتسعى إلى ربط الحقوق بالولاء، والخدمة العسكرية أو “الوطنية”، وتقليص الحيز الديمقراطي. ان هذا التحول يفرض على لجنة المتابعة تطوير أدواتها، وخطابها، وآليات تأثيرها.
وتعاني لجنة المتابعة اليوم من ضعف بنيوي مزمن يتمثل في غياب جهاز مهني دائم يضم باحثين، ومخططين، وخبراء في الإعلام، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والعمل القانوني. فالاعتماد على العمل التطوعي أو الموسمي لم يعد ملائمًا لحجم التحديات.
فغياب الشفافية، وضعف التواصل المنتظم مع الجمهور، وعدم وضوح الإنجازات والعقبات، كلها عوامل ساهمت في تراجع ثقة الجمهور بلجنة المتابعة، رغم إيمانه بأهميتها الرمزية والوطنية.
وتعمل لجنة المتابعة غالبًا بردّ الفعل، بدل العمل وفق رؤية استراتيجية واضحة، ذات أهداف محددة، وجدول زمني، وأدوات قياس ومتابعة.
وعليه يجب على لجنة المتابعة بالرئاسة الجديدة للدكتور جمال زحالقة ان تتحول من إطار تنسيقي فضفاض إلى مؤسسة قيادية وطنية، تقود مشروعًا سياسيًا–مدنيًا واضح المعالم للجماهير العربية، وتعمل كمرجعية عليا في القضايا المصيرية.
ومن الضروري إقامة جهاز مهني دائم تابع للجنة المتابعة، يعمل بتنسيق كامل مع رئيسها، ويضم:
خبيرًا استراتيجيًا للتخطيط بعيد المدى
خبيرًا في العلاقات الدولية وبناء الشبكات الخارجية
طاقمًا إعلاميًا محترفًا
خبراء في الاقتصاد، والتخطيط، والعمل القانوني
ولا يمكن مطالبة رئيس لجنة المتابعة العليا بالنجاح دون منحه الأدوات اللازمة. كتوفير مكتب مستقل ومجهّز
وتخصيص ميزانية واضحة
إقرار راتب شهري معلن يضمن التفرغ الكامل والاستقلالية
منحه صلاحيات تنفيذية حقيقية
على لجنة المتابعة أن تخاطب الجمهور بوضوح:
ماذا أنجزت؟ ماذا لم تُنجز؟ ولماذا؟
ما هي العقبات السياسية والقانونية والمالية؟
الشفافية شرط أساسي لإعادة بناء الثقة.
وعليه يُقترح تنظيم مؤتمر قومي عربي سنوي، يكون منصة وطنية جامعة لتقييم الواقع، وصياغة السياسات، ومراجعة الأداء، بمشاركة الأحزاب، والنواب، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، والأكاديميين، والشباب.
إضافة الى ذلك يجب بلورة إطار قانوني يتيح للجنة المتابعة:
جمع مساهمات مالية من الأحزاب والسلطات المحلية كلّ حسب قدرته
وتلقي تبرعات من الداخل والخارج، من الجاليات العربية والفلسطينية والمجتمع الدولي.
كما يمكن للجنة المتابعة أن تتحول إلى لوبي سياسي–اقتصادي–حقوقي فاعل، يعمل محليًا ودوليًا للدفاع عن حقوق الجماهير العربية، تمامًا كما تفعل جماعات ضغط أخرى بفعالية عالية.
إن لجنة المتابعة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي:
إما أن تبقى إطارًا رمزيًا محدود التأثير، أو أن تتحول إلى مؤسسة قيادية حديثة، قادرة على مواجهة التحديات، وصياغة مشروع جماعي، واستعادة ثقة الجمهور.
فالوقت ليس في صالحنا. ان الانتخابات تقترب، والسياسات تتجه نحو مزيد من التطرف. المسؤولية اليوم تقع على عاتق رئيس لجنة المتابعة، والأحزاب، والنواب، ورؤساء السلطات المحلية، وكل من يؤمن بضرورة العمل الجماعي.
فإعادة البناء لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency