الأكثر قراءةهذا الأسبوع
آخر تعديل: الجمعة 14 / يونيو 17:02

"وحدة الساحات" بالمفهوم والسلوك الإسرائيلي

ساهر غزاوي
نُشر: 23/05/24 20:52

فلسطينيًا، برز مصطلح "وحدة الساحات" بعد معركة "سيف القدس" (التسمية الفلسطينية) و "حارس الأسوار" (التسمية الإسرائيلية) التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في غزة يوم العاشر من أيار/ مايو 2021، ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى والقدس ومحاولة إزالة حي الشيخ جرّاح في القدس. وهي الحرب الأولى فلسطينيًا، التي تُقرر المقاومة الفلسطينية فيها المبادرة إلى الحرب، وتحدد ساعة الصفر لانطلاقها. 
لقد تجلى مفهوم "وحدة الساحات" وقتئذٍ في انتفاضة شعبية نصرة للقدس والمسجد الأقصى وحّدت ساحات فلسطين التاريخية ورسّخت فكرة محو وشطب الخط الأخضر في وعي فلسطينيي الداخل، وهي بالدرجة الأولى وحدة شعورية تعزز صمود الشعب الفلسطيني وحالة من الوعي تُجسد حالة الدفاع عن القضية المركزية والثوابت الوطنية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لكل ساحة ظروفها وخصوصيتها وأدواتها المشروعة.  بيد أنَّ هبّة القدس والأقصى عام 2000 (الانتفاضة الثانية)، هي من أعادت الالتحام للشعب الفلسطيني (وحدت الساحات) بعد اتفاقية أوسلو (1993) التي عملت على تفريق الساحات الفلسطينية وأحدثت شرخًا وانقسامًا سياسيًا عميقًا في الساحة الفلسطينية وبين مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل (أراضي 1948) والخارج (الشتات) والأراضي المحتلة (الضفة وغزة).
وفي الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية، المدعومة من أمريكا والغرب، الإبادة الجماعية التي تشنها على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، فإنّ مصطلح "وحدة الساحات" وفقًا للمفهوم والسلوك الإسرائيلي، يتمثل في التصعيد الإسرائيلي في الساحات الفلسطينية الأخرى التي تُشنُ فيها أيضًا حرب حقيقية بشكلٍ لا يقل خطورة عما يجري في غزة ويُستهدف فيها حاضر الفلسطيني ومستقبله كما استهدف ماضيه من قبل. 
الضفة الغربية
مع بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كثَّف الجيش الإسرائيلي عمليات الاقتحام والاعتقال والقتل والتدمير، وكثف عمليات هدم المنازل في الضفة الغربية المحتلة. ولا يوجد أدنى شك أن إسرائيل تشن حربًا حقيقية على الفلسطينيين في مناطق الضفة مع عدم الإعلان عنها صراحة. فمنذ السابع من أكتوبر زادت حدة الاستيطان، وتم إنشاء 9 بؤر استيطانية جديدة، وجرى تقطيع أوصال الضفة المتشظية أصلًا. وقد وثقت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد نحو (520) فلسطينيًا في الضفة الغربية والقدس برصاص الاحتلال منذ 7 أكتوبر، بالإضافة إلى (4000) مُصاب. كما أنه لم يقتصر الأمر على نهب الممتلكات في قطاع غزة، فالضفة الغربية شهدت أيضًا سرقات الجيش الإسرائيلي لممتلكات المواطنين، سواء من الأموال والذهب وحتى سيارات خاصة وممتلكات أخرى، إلى جانب تصعيد المستوطنين من اعتداءاتهم على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. 
فيما اعتقل من الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس بعد 7 أكتوبر 2023 حتى تاريخ 20/5/2024، 8800 فلسطينيا بينهم 293 فتاة وامرأة و620 طفلًا.
الداخل الفلسطيني
بموازاة الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة وتوسيع العمليات العسكرية في الضفة منذ 7 أكتوبر، فإن السلطات الإسرائيلية تمارس سياسات عقابية وسلوكيات سلطوية تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل، وعلى كافة الأصعدة. ولا شك أن ساحة الداخل الفلسطيني في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر سعيًا إلى تحطيم قيّم هذا المجتمع وسلخه عن هويته الوطنية، وعزله عن الشعب الفلسطيني. 
ولا يزال حمّام الدم نتيجة جرائم القتل المنظمة يجري في المجتمع الفلسطيني في الداخل، ولا تزال تُسجل أرقام مقلقة ومرعبة لضحايا عرب قتلوا بأيد عربية متعاونة مع جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك)، إلى جانب ضحايا قتلوا برصاص الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية نتيجة سياسة "الإعدام الميداني". مع أهمية الإشارة إلى أن المجتمع الفلسطيني في الداخل في المرتبة الثالثة بالجريمة بعد كولومبيا والمكسيك، وفقًا للمجموعات السكانية وفي مقارنة دولية، إذ تشير النتيجة المتعلقة بالمجتمع الفلسطيني في الداخل إلى 11.11 جريمة لكل 100 ألف شخص، علمًا أن معدل الجريمة في إسرائيل كلها، للعرب واليهود، لعام 2019 وقف عند 1.56 لكل 100 ألف شخص.
وبلغ عدد ضحايا فلسطيني الداخل بعد 7 أكتوبر 2023 حتى تاريخ 22/5/2024 نتيجة السياسات الإسرائيلية العقابية: 115 في جرائم قتل و16 في جرائم إعدام ميداني.  
كذلك فإن مجاز هدم البيوت وتشريد أهليها ومصادرة الأراضي التي كانت ولا تزال جزءًا من السياسات الإسرائيلية العقابية تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل، مستمرة بعد 7 أكتوبر كما كانت قبله، بل إن وتيرة عمليات هدم البيوت زادت في معظم المناطق العربية، من شمال البلاد إلى جنوبها، وما مجزرة هدم 47 منزلًا في وادي الخليل في النقب مؤخرًا عنا ببعيد، إلى جانب الهدم في قرية يركا وإلى جانب مواصلة هدم قرية العراقيب. 
بناء على ما سبق، فإن تل أبيب تحاول محاربة وتفكيك مصطلح "وحدة الساحات" بالمفهوم والسلوك الفلسطيني، من خلال مفهومها وسلوكها العدواني تجاه هذا المصطلح ومعانيه، عبر استراتيجيات استباقية عنيفة تهدف إلى تحقيق قوة ردع مانعة من الانزلاق إلى ما تخشاه وما تعد له العدة. وتهدف إلى الحفاظ على وتيرة منخفضة قدر الإمكان من ردود فعل الفلسطينيين في جميع الساحات بموازاة حربها المدمرة على قطاع غزة. بالإضافة إلى أن سياسة التصعيد الإسرائيلي في كل الساحات الفلسطينية تسعى لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ومحو ماضيهم، وحاضرهم ومستقبلهم.

مقالات متعلقة