18° الناصرة $دولار أمريكي 3.19 ₪€يورو 3.59 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

الطبق الثاني

لم تكن المدينة تنام. كانت تطفئ مصابيحها بيتًا بيتًا، وتترك نافذة واحدة مضاءة في كل حي، كأنها تخشى أن تستيقظ فلا تجد ما يدلّها على نفسها.

ر م رانية مرجية قصة نُشر: 06/11/2026 الساعة 18:06
حجم الخط
الطبق الثاني
الطبق الثاني

لم تكن المدينة تنام. كانت تطفئ مصابيحها بيتًا بيتًا، وتترك نافذة واحدة مضاءة في كل حي، كأنها تخشى أن تستيقظ فلا تجد ما يدلّها على نفسها.

وصل الرجل والمرأة إلى البيت قبيل الفجر.

لم يكن في الطريق ما يفسّر وصولهما إليه. لا سيارة أجرة، ولا شارع يتذكرانه، ولا عابر يستطيعان سؤاله. ومع ذلك، ما إن وقفت المرأة أمام الباب حتى قالت:

— هنا كنت تخبئ المفاتيح.

نظر الرجل إلى الشق قرب المقبض.

— كنت أضعها في الدرج.

— بل كنت تخبئها هنا، ثم تتهمني بأنني أضيّعها.

قال ذلك مبتسمًا، لكنها لم تبتسم. كانت تحاول أن تتذكر أين رأته من قبل، ثم بدا أنها تخلّت عن المحاولة.

دخلت قبله.

كان يعرف هذا التردد في خطواتها. منذ عامين، بدأت الأشياء تنفلت من ذاكرتها على نحو لم يستطع أحد التنبؤ به. في البداية، كانت تتوقف أمام أسماء الشوارع. بعد ذلك، صارت تسأل عن أسماء الأدوات التي تستعملها كل يوم. ثم جاءت الأيام التي كانت تضع فيها فنجانين على الطاولة، قبل أن تسأله لمن الفنجان الثاني.

لم يكن المرض يأخذ منها كل شيء دفعة واحدة. كان يترك لها ما يكفي لتلاحظ النقص.

أما هو، فكان يجمع ما يتساقط من ذاكرتها. يكتب أسماء أصدقائها، ومواعيدها، والحكايات التي اعتادت أن ترويها. دوّن في دفتر أسود كيف التقيا، ومتى تشاجرا للمرة الأولى، وأين اشتريا خاتمها الفضي. حتى الأشياء التي لا تستحق التدوين صارت عنده أدلة على أن حياتهما حدثت فعلًا.

لم تكن تعرف بأمر الدفتر.

في الغرفة نافذتان متقابلتان. الأولى تطل على مدينة خالية، والثانية تعكس الغرفة من دون أن يظهر فيها شيء.

وقفت المرأة أمام الزجاج الثاني، ثم رفعت يدها إلى وجهها.

— وجهي غير موجود.

اقترب الرجل.

— ربما لأن الضوء ضعيف.

— لا. أرى الستارة والكرسي، ولا أرى نفسي.

لم يقترب أكثر. كان يخشى أن يرى في الزجاج ما لم يستطع رؤيته في وجهها.

على الطاولة وعاء صغير فيه ملح داكن تتخلله حبيبات فضية. لم يتذكرا أنه كان هناك قبل لحظات.

قالت:

— هل أحضرته؟

— لا.

— إذن لا تلمسه.

وقبل أن يسألها عن السبب، طُرق الباب ثلاث مرات.

فتح الرجل. كان خلفه رجل قصير يرتدي معطفًا واسعًا، تفوح منه رائحة أعشاب رطبة. لم يحمل حقيبة ولا عصًا، بل مصباحًا زجاجيًا صغيرًا بدا فتيله مبللًا.

قال الغريب:

— تأخرتما.

سأله الرجل:

— هل تعرفنا؟

— أعرف ما جئتما لتتركاه.

لم يعجب المرأة جوابه.

— نحن لم نأتِ لترك شيء.

نظر إليها الغريب، ثم شق طريقه إلى الداخل.

— هذا ما يقوله الناس دائمًا في البداية.

جلس قرب الطاولة. لم يطلب منهما الجلوس، ولم يسألهما عن اسميهما. أخذ حبة من الملح الأسود ووضعها على كفه.

قال:

— من منكما يريد أن ينسى؟

أجاب الرجل بسرعة:

— لا أحد.

لكن المرأة كانت تنظر إليه.

— لماذا أجبت بدلًا مني؟

لم يجد جوابًا.

أعاد الغريب الحبة إلى الوعاء. انفتح سطحها على مشهد صغير: مطبخ ضيق، ستارة بلون قشر الرمان، وامرأة تجلس أمام ورقة بيضاء. كانت تكتب ببطء، ثم تشطب كلمة وتعيد كتابتها.

اقتربت المرأة من الوعاء.

— هذا بيتنا القديم.

ظهر الرجل في المشهد، يحمل كوب ماء. وضعه قربها، ثم وقف خلف الكرسي يقرأ ما تكتب.

قالت المرأة:

— كنت أكتب كثيرًا في تلك الفترة.

— كنت تكتبين قوائم المشتريات، قال الرجل.

— لم تكن كلها قوائم.

— أعرف.

ظهرت الورقة بوضوح. كان عليها سطر واحد:

«إذا نسيت اسمه، فلا تلقّنه لي. دعني أبحث عنه بنفسي».

سحبت المرأة يدها.

— متى كتبت هذا؟

لم يجب الرجل.

— هل كنت تعرف؟

قال الغريب:

— وصلت الورقة إلى هذا البيت قبلكما.

التفتت إليه:

— لا أريد ألغازًا. أريد أن أعرف ماذا حدث.

نظر الرجل إلى النافذة الأولى. كان يستطيع أن يكذب مرة أخرى، لكن شيئًا في المشهد جعله يدرك أن كذبته لن تبقى معه وحده هذه المرة.

قال:

— جئت إلى هنا قبل أيام.

— وحدك؟

أومأ.

— لماذا؟

— طلبت أن يمحوا اسمي من ذاكرتك.

لم تتحرك. نظرت إلى الوعاء، ثم إلى يده التي بقيت معلقة قربه.

— طلبت أن تنساني؟

— طلبت أن تنسي اسمي. لم أستطع أن أطلب أكثر من ذلك.

— وما الفرق؟

— كنت أظن أنني إذا خرجت من ذاكرتك قبل أن تنسيني، فلن تضطري يومًا إلى أن تنظري إليّ وتسألي من أكون.

قالت:

— فاخترت أن يحدث ذلك من دون أن أعرف؟

— لم أحتمل الانتظار.

— وأنا كنت أنتظر معك.

لم يرد.

كانت تتذكر الآن شيئًا آخر: مساءً جلسا فيه في المطبخ، بعد أن نسيت اسم الشارع الذي يسكنان فيه. ضحك يومها حين أخبرته أنها عادت إلى البيت باتباع رائحة المخبز. ثم بكى في الحمام، معتقدًا أنها لم تسمع.

قالت:

— كنت أعرف أنك خائف.

رفع رأسه.

— رأيتك في الحمام تلك الليلة. لم أدخل. تركت لك وقتًا كي تجفف وجهك.

— لماذا لم تقولي شيئًا؟

— لأنني لم أكن أعرف ماذا أقول. كنت أخاف أيضًا، لكنني لم أرد أن يصبح خوفي مسؤوليتك وحدك.

جلس على الكرسي. للمرة الأولى بدا كأنه لا يعرف أين يضع يديه.

قال:

— كنت أراك تنسين الأشياء التي صنعت حياتنا. لم أعرف كيف أبقى في المكان نفسه وأشاهد ذلك.

— وأنا لم أكن أريد منك أن تشاهدني كأنني انتهيت.

مدت يدها إلى كفه. كان في سبابته أثر جرح قديم.

— هذا من السكين، أليس كذلك؟

— نعم.

— لأنك أصررت على تقطيع الخبز.

— وقلتِ إنني لا أصلح حتى لتقطيع رغيف.

ضحك. لم تكن ضحكة طويلة، لكنها أعادت إلى الغرفة شيئًا من دفئها.

تأملت الجرح. مررت إصبعها فوقه، ثم سحبت يدها.

— لا أتذكر كل ما حدث بيننا. لكنني أتذكر أنك كنت تقطع الخبز بطريقة سيئة، وتصر على أن المشكلة في السكين.

ثم قالت:

— لا أريد أن تساعدني على نسيانك. أريد أن تساعدني على ألا أخاف كلما نسيت.

نظر إليها طويلًا.

قال الغريب:

— لم يبقَ إلا أن تختارا.

سأل الرجل:

— ماذا يعني ذلك؟

أشار إلى الوعاء.

— إن أخذت من الملح، اكتمل ما بدأته. لن يبقى اسمك في ذاكرتها، ولا ما يربطها بك. وإن تركته، فستواصل ذاكرتها طريقها. لا أعرف ما الذي ستحتفظ به، ولا ما الذي سيفلت منها.

قال الرجل:

— هل تستطيع أن تضمن أنها لن تتألم؟

— لا.

— وهل تستطيع أن تعيد إليها ما فقدته؟

— لا.

التفت الرجل إلى المرأة، كأنه ينتظر منها أن تطلب منه أن يختار عنها، كما فعل طوال الشهور الماضية.

لكنها لم تفعل.

اقتربت من الوعاء، وأخذت حبة من الملح. وضعتها في راحة يدها. كانت باردة، ثم بدأت تترك على جلدها أثرًا فضيًا.

قال الرجل:

— لا تفعلي.

أغلقت أصابعها عليها.

— هذه المرة سأقرر بنفسي.

— قد تنسينني.

— أعرف.

— قد يأتي يوم لا تعرفين فيه من أكون.

— وقد يأتي يوم لا أعرف فيه أين وضعت نظارتي، أو لماذا دخلت المطبخ. لا أستطيع أن أعيش وأنا أعتذر مقدمًا عن كل ما لم يحدث بعد.

نظر إلى يدها المغلقة.

قال بصوت منخفض:

— وماذا أفعل إذا سألتِني عن اسمي؟

فتحت كفها. كانت حبة الملح قد ذابت، ولم يبقَ منها سوى خط رفيع على جلدها.

— قل لي اسمك. لا تجعلني أشعر أنني ارتكبت خطأ.

— وإذا لم أتعرف إليك؟

— عندها سأعرّفك بنفسي.

لم تكن جملة انتصار. قالتها كما لو أنها تتحدث عن موعد عادي، أو عن أمر يمكن أن يحدث في صباح قريب.

أعاد الغريب المصباح إلى الطاولة. لم يشتعل الفتيل، لكن النافذة الثانية بدأت تضيء. تراجع انعكاس الغرفة ببطء، واختفت حواف الكرسي، ثم الطاولة. وللمرة الأولى، لم تعد المرأة تبحث عن وجهها في الزجاج.

أمسك الرجل يدها.

— هل انتهى الأمر؟

نظرت إلى أصابعه الملتفة حول أصابعها.

— لا أعرف.

— أريد أن أبقى معك.

— إذن ابقَ. لكن لا تطلب مني أن أعدك بأنني سأتذكرك.

حاول أن يجيب، غير أن الضوء وصل إلى وجهها. لم تختفِ دفعة واحدة؛ بدأت ملامحها تخفت، كما تخفت صورة قديمة كلما أعاد المرء النظر إليها. بقي صوتها لحظة بعد أن غاب وجهها:

— لا تكتب عني كل شيء.

ثم لم يعد في الغرفة أحد.

استيقظ الرجل في بيته مع أول النهار.

كانت الستارة بلون قشر الرمان في مكانها، والكوب ذو الحافة المشروخة على الطاولة. فتح النافذة. جاءته رائحة الخبز من المخبز القريب، فانتبه إلى أنه لم يشترِ خبزًا منذ أيام.

وجد الدفتر الأسود إلى جوار سريره.

قلب صفحاته. كانت ممتلئة بخطّه: تواريخ، وأسماء، وملاحظات عن الأشياء التي نسيتها المرأة. في آخر صفحة وجد العبارة التي ظهرت في البيت الغريب:

«لا تكتب عني كل شيء».

تأملها طويلًا، ثم أغلق الدفتر.

لم يضعه في الدرج، ولم يمزق صفحاته. تركه على الطاولة، بجوار فنجانين، ثم أخرج رغيفًا من كيس الورق.

قطع منه قطعة، ووضعها في الطبق الثاني.

جلس وانتظر حتى بردت.

وحين لم يأتِ أحد، لم يرفع الطبق.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد