29° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

جاري ليبرمان/ بقلم: رجا زعاترة

كان ذلك في إحدى ليالي الخريف الأخير. ريح خفيفة هزت أوراق الأشجار وراء موقف السيارات أسفل العمارة. ركنت سيارتي في مكانها المعتاد. إنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا الملصق الأزرق على سيارة جارنا الروسي: "يسرائيل بيتنو".خرجت من سيارتي وأغلقتها. نعم. عيناي لم تخطئا. فجاري ميرشكوف من أنصار أفيغدور ليبرمان. وهو ساكن جديد نسبيًا في العمارة، بالكاد مضى على انتقاله إلى هنا ثلاث أو أربع سنوات. ليس له أولاد. أو لعل له أولادًا لا يسكنون معه ومع زوجته ذات الشعر الأحمر والقوام الذي لا يشجّع على التناسل، في الطابق الخامس.

م ا موقع العرب وصحيفة كل العرب- الناصرة قصة نُشر: 28/02/2009 الساعة 11:25
حجم الخط
جاري ليبرمان/ بقلم: رجا زعاترة
جاري ليبرمان/ بقلم: رجا زعاترة · تصوير: كل العرب

كان ذلك في إحدى ليالي الخريف الأخير. ريح خفيفة هزت أوراق الأشجار وراء موقف السيارات أسفل العمارة. ركنت سيارتي في مكانها المعتاد. إنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا الملصق الأزرق على سيارة جارنا الروسي: "يسرائيل بيتنو".خرجت من سيارتي وأغلقتها. نعم. عيناي لم تخطئا. فجاري ميرشكوف من أنصار أفيغدور ليبرمان. وهو ساكن جديد نسبيًا في العمارة، بالكاد مضى على انتقاله إلى هنا ثلاث أو أربع سنوات. ليس له أولاد. أو لعل له أولادًا لا يسكنون معه ومع زوجته ذات الشعر الأحمر والقوام الذي لا يشجّع على التناسل، في الطابق الخامس.



كان ارتطامي الوحيد به، قبل تلك الليلة، قيامه العام الماضي بركن سيارته مكان سيارتي، وقيامي بترك ثلاث رسائل، متصاعدة الحدّة، على مسّاحة زجاج سيارته، تطالبه بعدم ركنها هنا مرّة أخرى. وهذا ما حصل بعد الرسالة الثالثة، التي شرحت له فيها أن هذا الموقف مذكور في أوراق الطابو الخاصة بشقتنا. تنفّست الصعداء وأعجبتُ بيقظتي التي لولاها لظل ميرشكوف يركن مكاني، ولما تمكّنتُ من رؤية هذا الملصق على مؤخرة سيارته.
لم أبال كثيرًا. ففي عمارتنا، ذات الغالبية اليهودية، تعدّدية حزبية يقتدى بها. جارتنا راحيل مثلا، والتي توفيت قبل الانتخابات الأخيرة ببضعة شهور، كانت دائمًا من "الأصوات العائمة". كانت، رحمها الله، تستشعر الفائز في الانتخابات وتقرّر التصويت له في اللحظة الأخيرة. وغالبًا ما كان الموج يقذفها إلى شواطئ "الليكود".
أما مسعود، من الطابق الأول، فهو تونسيّ الأصل ومتديّن، له خمس بنات، إحداهن تسكن في مستوطنة في الضفة، ولكل منهن أربعة أو خمسة أطفال. كان مسعود، فيما مضى، يصوت لـ"يهدوت هتواره"، لكنه انتقل مؤخرًا إلى "شاس"، مع أن إحدى بناته تزوّجت مدقق حسابات متديّنًا أشكنازيًا، وأنجبت منه خمسة ذكور شفوا غليل جدّهم أبا البنات. كم كنا نضحك، أخي وأنا، حين كنا نراهما في فترة الخطوبة، يتبادلان القبل المتلهّفة في المصعد أو مطلع الدرج.
ميرشكوف قطعًا لا يعرف أيًا من بنات مسعود. والأرجح أن مسعود، بدوره، لا يطيق ميرشكوف ولا كل الأجواء الروسية التي تغزو العمارة في السنوات الأخيرة. ففي الفجر، حين يخرج إلى الصلاة في الكنيس، يتفادى مسعود المرور بجانب الجيران الروس الذين يصطحبون كلابهم إلى أداء فرائضهم التبويلية. وقد أثار ضجة كبيرة في العمارة يوم وجد قرب سيارته واقيًا مطاطيًا مستعملا، اتهم به "الزانية من الطابق السابع". أضف إلى ذلك أنّ العائلة السّوية بالنسبة لمسعود عبارة عن ذكر وأنثى، حولهما سربٌ من الأطفال. أما العائلات المؤلفة من فردين وكلب فلا تدخل دماغه أبدًا.
في الشتاء اختار السكان لجنة جديدة للعمارة. وانتُخب ميرشكوف عضوًا فيها. وكان أول قرار اتخذته اللجنة الجديدة رفع الرسوم الشهرية إلى 120 شيكلا، بسبب "الترميمات المخططة" في العمارة. ومع الوقت لاحظت أن إعلانات اللجنة صارت تكتب باللغتين، العبرية والروسية. وبدأت تراودني أفكار غريبة: هل سيقترح ميرشكوف جباية مبلغ إضافي من السكان العرب؟ هل سيَمنع العرب من استخدام المصعد؟ هل سيحصل على مفتاح بوابة السطح ويزيل الصحون التي تجلب الفضائيات العربية؟ هل سيركّب كاميرات مراقبة ويجبرني على أداء تحية الذهاب والإياب لعلم إسرائيلي كبير يضعونه في مدخل العمارة؟
وفيما لو، لا قدّر الله، فرضًا، نظريًا فقط، فيما لو صدر قرار بترحيل العرب؛ وكنت أنا، في ساعة اتخاذ القرار، في البيت، فماذا سيحدث؟ لقد أصبح الخطر أقرب. أصبح، تحديدًا، على بعد ثلاثة طوابق لا غير.. بضعة أمتار لا أكثر. لو صدر قرار كهذا، سيكون في إمكان ميرشكوف الوصول إليّ خلال نصف دقيقة على الأكثر. ماذا سأفعل؟ وماذا سيفعل جيراننا الرومانيون في الشقة الملاصقة؟ وإذا وقعت الواقعة، واقتادوني، ونجحت في إطلاق صرخة استغاثة، فهل سيسمعني مسعود؟ وماذا سيفعل؟
أتطلع من شباك غرفتي إلى الشارع الذي أسكن فيه منذ ولدت. أتطلع بشكل أفقي. أحاول تخيُّل مدى ما أمامي لكن خط النظر يرتطم بعمارات تحجب الجبل والبحر. أشعر فجأة أن هذا الفضاء الذي أنظر إليه منذ ثلاثين عامًا ليس ملكي، بأني لست آمنًا فيه؛ وبأنّ مجرّد وجودي، وهو أكثر الأمور طبيعية بالنسبة لي هنا في الطابق الثاني، لا يبدو طبيعيًا من الطابق الخامس.
أقرّر، قبل أن أنام، أنني لن أرحل. فحتى لو قتلني ميرشكوف على باب بيتي أو في غرفتي أو خلال استحمامي، سيكون من الأفضل أن أموت هنا، قرب هذا الجبل وهذا البحر الذين سأصحو عليهما غدًا، حيًا أو ميتًا.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد