صفحة من ذاكرتي - الخربشة الثالثة
كنت جالساً أمامها ..لا تفصلني عنها سوى طاولة صغيرة تحمل كوبين ممتلئين بعصير الليمون الطازج وُضعت بينهما منفضة سجائر تحوي بعض الاعقاب المدفونة حديثاً !!
كنت جالساً أمامها ..لا تفصلني عنها سوى طاولة صغيرة تحمل كوبين ممتلئين بعصير الليمون الطازج وُضعت بينهما منفضة سجائر تحوي بعض الاعقاب المدفونة حديثاً !!
كانت مرتبكة ..
تحمل في ملامحها خريفاً يثور ويهدأ ويتراقص على انغام حروفها ..
وكنت أنا ..
اهديها حواسي باهتمام كامل ..
محاولا تجاهل عواصف العواطف التي تشعلها كلماتها في دمي , حتى لا أزيد ارتباكها اكثر ..
"أتصدق يا مصطفى ..
هي لم تضمني يوما !!
لم تحتويني ..
لم تسألني عن حالي ..
او عن المي ..
لم تستفزها لحظات خلوتي ..
او لحظات انشغالي !!
لقد كانت امرأة عارية من كل عاطفه !!
لم تعرف في حياتها شيئا غير عملها كمديرة لمدرسة الحي !!
وكل ما هو خارج حدود مدرستها هو بالتالي خارج روتينها ..
حتى وان كان هذا الشيء هو "نحن" !!
...
وهكذا عشنا ..
انا ..
اخواتي الثلاث ..
وأبي المسافر ابدا !!
تحت سلطتها هي "مديرة المدرسة" التي لا تتقن ادارة امومتها .. " !..
حَمَلت كوب العصير الموجود امامها ورشفت من محتواه القليل , ثم تابعت بالارتباك المربك نفسه :
"عندما رأيتهما ..
لم افهم تماما ما يحدث ..
لم افسر شفاههما المتشابكة تفسيرا يتعدى مفهومي الطاهر لمعنى القبله ..
ولهذا ..
استغربت جدا من نظرتهما الغاضبة نحوي ..
استغربت تلعثمها .. وارتباكها ..
وفاجأتني سيجارتة التي اشعلها وسط دخان الشتائم المنهال على القَدَر الذي جعلني اصعد الدرج المؤدي لغريزتهما !!
لم اكن أعي فظاعة ما رأيت !!
فقد كانت قدرتي على التحليل والفهم تفتقر الى النضج ..
فكيف ستفهم طفلة لا تزال تعتقد ببراءة ان للأصابع في كفيها وظيفة واحدة لا تتعدى ان تدل سائليها عن سنواتها السبع اللواتي قضتهن خارج رحم امها أن ذلك المشهد الذي شاهدته لتوها هو من أقبح ما قدمته وتقدمه "سينما" الحياه !! ,, وبأن ذلك الشاب الذي كبر في ربوع منزلهم بصفته ابن عمها الاكبر كان يلوث كل صلات الرحم ومعاني الامومة بشفاهه الغليظه !!
لقد كانت ثورة النظرات المعلنة في وجهي لحظتها كفيلة بأن تمنحني سبباً للهرولة نحو الشارع .. !
فعدتُ للعب ..
وخوفي العظيم من ذلك العقاب الذي تجهزه "المديرة" للتلميذة الوقحة التي دخلت مكتب اللاأخلاق دون استئذان يسيطر علي !...
دقائق عشر مرّت ..
ورأيته يخرج ..
حاملا بين اصابعه سيجارةً حديثة الحرق !!
ركب سيارته وغادر بسرعه ..>
لم يأت الي ليقبلني كعادته بعد كل زيارة لمنزلنا ..!
ولم يمنحني بعض المال لأبتاع سكاكراً كما اعتاد ان يفعل !!
لقد اكتفى بالهروب ..
واكتفيت انا بمراقبته يهرب !!
وبعد رحيله بوقت قصير ..
سمعت صوت "مديرتي" تناديني ..
لم يكن صوتا غاضبا ,, او مستعجلا !!
بل انه كان عادياً لدرجة انه سبب لي تعرقا من كل خلاياي ..
وتسارعا عنيفا في نبضات القلب !!
تركت الشارع .. وعدوت نحو البيت " !
هنا ..
عادت لارتشاف العصير مرة اخرى ..
استغرقت رشفتها مدة اطول من سابقتها بقليل ..
ثم رفعت نظرها نحوي وقالت بألم :
"مش قادره أكمّل حكي .. !! "
وسالت على وجنتيها دمعه كانت تعدني بالهطول على تراب ملامحها منذ بداية جلستنا !!
.jpg)
حاولت وبكل لطف ان لا ازيد آلامها بالحاحي ,, رغم فضولي (الموعود بالكتابة) أن تستمر بحديثها .
اقتربت منها ..
ورَبتّ بأدب بالغ على كتفها وانا ارجوها ان تهدأ وتمسح أثار تلك الدموع من على وجهها !!
عدتُ لمقعدي ..
واخرجت – مرغماً – سيجارة جديدة لأقتلها على شرف الموقف !!
احتلنا الصمت مدة ..
وبقيت ارقبها بخبث من خلف دخان سيجارتي بينما كانت هي منشغلة بتعديل جلستها .. وملامحها !!
نظرت الي ..
ابتسمت لي بحياء ..وتابعت.. :" عندما دخلت ..
لم تكن تحمل "عصا المكنسه" التي اعتادت ان "تربيني" بها كلما كنت أخرق قانونا .. او تقليد !!
بل انها كانت تجلس على الكنبة الكبيرة الموجودة في غرفة جلوسنا بكل وقار..
لا ازال اذكر حتى اللحظه تلك الابتسامة التي كانت ترتديها ..
وكيف انها تحركت من مكانها وأتت إلي !!
تلك التي لا تقترب !!
اقتربت مني .. طوقتني بذراعيها .. وضمتني !!
تلك التي لا تعرف دربا يسلك للحنان .. ضمتني !!
تلك التي لم تسألني يوما عن حالي .. اقتربت مني فعلا ..
وضمتني !!
قبّلت خداي ..
ولامست شعري !!
كنت في عالم العجائب وقتها ..
تغتالني علامات الاستفهام ..
وتحيط بي ذراعيها رفقة ألف علامة من علامات التعجُّب !!
حتى ايقظتني بهمسها :
"صح يمّا مش راح تقولي لحدا عن اللي شفتيه اليوم !! ,, هادا سر بيناتنا .. وانتي صرتي بنت كبيره وبتعرفي تخبي الاسرار , صح؟؟ "
لم اجد تعليقا على سؤالها سوى ان اوافقها على حفظ سرها الصغير !!
وحتى هذه الساعه لم أفشي سر دنوّها الا امامك !!
حتى زوجي الذي أحب .. لم اخبره !!
لم اجد طريقة لطيفة لأعلن خبر "خيانة امي" امامه ..
لربما انني قد خفت من ان تعتريه لحظة بداوة شرقية ويهجرني !!
ولتَعلم ..
ان ضمة امي تلك لا تزال حتى اليوم اسوأ كابوس يجتاح نومي !!
واقسى ذكرى تحتل يقظتي !!
أكتُب أنت ..
أكتُب كل ما ذكرت !!
علك تصنع من عقدتي شعرا ..
او تحوّل كابوسي الى قصة قصيرة تمتع قارئيها , وتعظهم !!
وارجوك ان تسمح لي بالرحيل الآن ..
فلم يعد بامكاني البقاء اكثر ..
ولم يعد في جعبتي ما احدثك عنه !!
لذا اسمح لي ان اهرب منك ..
لأتركك مع اوراقك .. وقصتي .. !!وما ان غادرتني .. وطاولتي ..
حتى اغرقتني سيول من الاسئله ..
ترى كيف استطاعت هذه الشُجاعه ان تكون انسانة تفوق بروعتها الروعه بينما يتغلغل بين اضلعها الما اكبر من الالم ؟!!
وكيف اعتقدت أنا بحماقتي أن مشكلاتي الغبية تعتبر , حسب مقاييس الكون , مشكلات ؟!
وكيف بمقدور أم ان تصنع من قذارة خيانتها عُقَداً وآلاما تهديها لأبنائها على شكل عناق !!؟
لا حول ولا قوة .. الا بالله .. انتهت الخربشه !!