أترابي… من يعطل العقول لن يبني وطنًا
أترابي… من يعطل العقول لن يبني وطنًا
أترابي… من يعطل العقول لن يبني وطنًا
الشيخ د.كامل ريان
حين يتحوّل “الأنا” إلى صنمٍ صغيرٍ في داخلنا، يبدأ في ابتلاع كل شيء حوله دون أن نشعر. أكتب اليوم إلى أترابي، إلى أبناء جيلي الذين عايشوا التحولات الكبرى، وذاقوا مرارة الإقصاء أحيانًا وحلاوة الحضور أحيانًا أخرى، ثم استقرّ بعضهم على قناعة خطيرة مفادها أنه مركز المجتمع، بل مركز العالم، وأن الناس تدور في فلكه طلبًا للرضا أو خشيةً من الغضب. هذا العتاب ليس بدافع خصومة شخصية، بل بدافع خوفٍ صادق على جيلٍ كان يُفترض أن يكون أكثر نضجًا من أن يقع في فخ “الأنا” القاتل. لقد قلت يومًا لأحدهم، وسأسميه مجازًا “حكيم أترابي”، إن الفرق بيني وبينه ليس في الحاضر؛ فنحن الاثنان نحمل حاضرًا جميلًا، وتجارب ثرية، وحضورًا عامًا. لكنه ما زال يبحث عن مستقبلٍ أجمل ولو كان الثمن أن يدوس كل شيء في طريقه، أما أنا فأبحث في الماضي، أفتش في محطاته، أدرسه وأوثّقه وأعرضه بأمانة، لا لأصنع تمثالًا لنفسي، بل لأترك للأجيال القادمة مادةً للفهم، وعبرةً للتعلّم، ومساحةً للنقد. الطموح ليس جريمة، بل هو محرّك الحياة، لكن حين يتحول الطموح إلى تضخّم في الذات، يصبح أداة هدم لا بناء. ما يثيرني حقًا ليس اختلاف الرؤى، بل حالة الاستخفاف بعقول الناس؛ أن يُربط الناس بشخص لا بفكرة، أن يُختزل المشروع في اسم، وأن تتحول العلاقة من شراكةٍ واعية إلى ولاءٍ أعمى. كيف يقبل إنسانٌ جرّب الحياة وخبر تقلّباتها أن يُعطّل عقله بإرادته؟ كيف نقبل أن تتحول الحكايات الشخصية إلى مسلّمات، وأن تُروى “الخراريف” كأنها حقائق مطلقة، وأن يُعامل صاحبها كأنه المنقذ من الضلال أو كأنه معصوم عن الخطأ؟ إن أخطر ما يمكن أن يصيب جيلًا عايش النضالات والانكسارات هو أن يسلّم مفاتيح وعيه لشخصٍ واحد، فيطلب من أتباعه أن يفعلوا الشيء ذاته، فيتراكم الجمود جيلاً بعد جيل. نحن لا نعيش في زمن أنبياء، ولا في زمن أوصياء على العقول، بل في زمن يحتاج إلى النقد أكثر من التصفيق، وإلى الجرأة أكثر من المجاملة، وإلى المسؤولية أكثر من الشعارات. مجتمعنا يغرق في الدماء، وشلالات الدم تسيل في الشوارع بلا توقف، والبيوت تكتظ بالخوف، والأمهات يبتلعن الدموع، والشباب يسقطون واحدًا تلو الآخر، بينما بعض أترابي ما زالوا ملتصقين بإناهُم، يختلفون على المواقع والصور والخطابات، ويتصارعون على من يكون في المقدمة، وكأن المجتمع تفصيل صغير في سيرتهم الذاتية. أي مفارقةٍ هذه؟ مجتمع يموت من تضخم “الأنا”، بينما قادته يتباهون بارتفاعها. القائد الحقيقي لا يقاس بعدد المصفقين حوله، بل بعدد العقول التي حرّرها. لا يقاس بقدرته على تحشيد الولاء، بل بقدرته على تحمّل المسؤولية حين تقع الأخطاء. ليس من يزرع التبعية، بل من يصنع شركاء قادرين على أن يختلفوا معه دون خوف. أما الذي يبني مجده على تعطيل التفكير، فإنه يبني بيتًا من وهم، سرعان ما يسقط على رؤوس الجميع. إن أخطر ما نفعله اليوم أن نُصرّ على أن نكون “المركز” بينما الأطراف تحترق، وأن ننشغل بتثبيت صورتنا بينما صورة المجتمع تتشقق، وأن نتحدث عن مشاريع مستقبلية كبرى فيما الحاضر ينزف بين أيدينا. الفرق بين من يعيش لأجل ذاته ومن يعيش لأجل أمته ليس في حجم الإنجاز الظاهر، بل في اتجاه البوصلة الداخلية؛ الأول يسأل: كيف أكبر أنا؟ والثاني يسأل: كيف يكبر المعنى من بعدي؟ الأول يخشى أن يشاركه أحد الضوء، والثاني يفرح إذا أضاء غيره أكثر منه. جيلنا تجاوز مرحلة إثبات الذات، ولم يعد مقبولًا أن نتصرّف بعقلية الباحث عن تصفيقٍ دائم. التجربة التي لا تولّد تواضعًا تتحول إلى عبء، والمكانة التي لا تُنتج مراجعة ذاتية تتحول إلى صنم. لسنا معصومين، ولسنا أوصياء، ولسنا مركز الكون. نحن حلقة في سلسلة طويلة، إن أحسنّا أداء دورنا سارت السلسلة متماسكة، وإن أصررنا على تضخيم ذواتنا انكسرت من أضعف حلقاتها. نصيحتي الأخوية لأبناء أترابي: راجعوا ذواتكم قبل أن يراجعكم التاريخ، واسمحوا للعقول من حولكم أن تفكر لا أن تبايع، وازرعوا شركاء لا أتباعًا، وتذكروا أن أعظم إرث يمكن أن نتركه ليس اسمًا يتردد، بل وعيًا يستمر، فالمجتمع الذي يموت من “الأنا” لن ينقذه إلا تواضع العقل وشجاعة الاعتراف بأننا بشر نُصيب ونُخطئ، وأن قيمتنا الحقيقية تُقاس بقدر ما نرفع غيرنا لا بقدر ما نعلو عليهم.