18° الناصرة $دولار أمريكي 3.12 ₪€يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

ثمة ما يستحق وقفة جادة

بصرف النظر عن نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية وتفاصيلها، وعن الارتفاع غير المسبوق في نسبة التصويت العربي هذه المرة، لأسباب عديدة، من بينها نجاح الحشد العاطفي وجعل إسقاط الحكومة الحالية هدفًا رئيسيًا للقوائم العربية، وبصرف النظر عن تسويق هذه الانتخابات باعتبارها "مصيرية" و"معركة وجود"، وعن الخطاب الذي سبقها بأشهر وأسابيع، حتى بات الرد على كل اعتداء أو انتهاك يُختزل في عبارة: "سيكون ردنا في صناديق الاقتراع يوم 27/10/2026"، وبصرف النظر عن محاولات حجب حقيقة انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واليمين المتطرف، وكأن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وغيرهم ليسوا من إفرازات هذا التحول... بصرف النظر عن ذلك كله، ثمة ما يستحق وقفة جادة، وهو المستوى المتدني الذي انحدر إليه النقاش حول الكنيست في أوساط المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.

س غ ساهر غزاوي مقالات نُشر: 29/10/2026 الساعة 23:20
حجم الخط
ثمة ما يستحق وقفة جادة
ثمة ما يستحق وقفة جادة

بصرف النظر عن نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية وتفاصيلها، وعن الارتفاع غير المسبوق في نسبة التصويت العربي هذه المرة، لأسباب عديدة، من بينها نجاح الحشد العاطفي وجعل إسقاط الحكومة الحالية هدفًا رئيسيًا للقوائم العربية، وبصرف النظر عن تسويق هذه الانتخابات باعتبارها "مصيرية" و"معركة وجود"، وعن الخطاب الذي سبقها بأشهر وأسابيع، حتى بات الرد على كل اعتداء أو انتهاك يُختزل في عبارة: "سيكون ردنا في صناديق الاقتراع يوم 27/10/2026"، وبصرف النظر عن محاولات حجب حقيقة انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واليمين المتطرف، وكأن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وغيرهم ليسوا من إفرازات هذا التحول... بصرف النظر عن ذلك كله، ثمة ما يستحق وقفة جادة، وهو المستوى المتدني الذي انحدر إليه النقاش حول الكنيست في أوساط المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.


فالمشكلة تتجاوز الخلاف حول جدوى المشاركة أو المقاطعة، لتصل إلى طريقة إدارة هذا الخلاف، وما رافقها من استخدام أقذع الأوصاف والعبارات بحق رموز وقيادات، والتطاول عليهم بصورة غير مسبوقة، بل ومحاولات إسكات أصواتهم وإقصائهم عن النقاش العام وحرمانهم من حق التعبير عن آرائهم ومواقفهم. وكأن حُمّى الانتخابات وسُعارها، اللذين أصابا قطاعًا غير قليل من أبناء مجتمعنا، يمنحان أصحابهما رخصة للإساءة والتجريح، ويعفيانهم من مسؤولية ما يقولون وينشرون. ولا أستثني هنا بعض أصوات المقاطعين التي انجرفت بدورها إلى هذا المستوى من الخطاب، فالتمسك بموقف سياسي، أيًّا كان، لا يبرر الإساءة إلى المخالفين أو الانتقاص منهم.
ولا بد، في هذا السياق، من الوقوف عند دور الإعلام المحلي وانحيازه الواسع إلى مسار المشاركة في الكنيست، وإلى جانبه الإعلام الإسرائيلي، الناطق بالعربية أساسًا، والناطق بالعبرية أيضًا. وقد بدا لافتًا أن تستضيف القنوات العبرية أحد مرشحي القوائم العربية مساءً، ثم تستضيفه الإذاعات العربية صباح اليوم التالي، ليشرح تصريحاته في تلك القنوات ويبررها.
وفي مقابل هذا الحضور الواسع لدعاة المشاركة، جرى التضييق على أصوات المقاطعة أو تجاهلها، باستثناء منابر قليلة أتاحت لها التعبير عن موقفها. وحتى بعض المنابر التي منحت المقاطعين مساحة، فعلت ذلك على استحياء، وبدا الأمر أقرب إلى إبقاء خيط من التواصل معهم لما بعد الانتخابات، منه إلى إقرار حقهم في الحضور والمشاركة في النقاش العام.
وهكذا، لم يجد دعاة المقاطعة للتعبير عن موقفهم سوى بضعة أصوات ومنصات متواضعة الإمكانات، في مواجهة إمبراطورية إعلامية ضخمة، تحظى بالتمويل من جهات في الشرق والغرب، ومن بعض الدول الخليجية. ومع ذلك، لم تسلم هذه الأصوات المحدودة من الهجوم، إذ وُجهت إليها اتهامات بتلقي التمويل، في مفارقة تتجاهل حجم الموارد المتاحة للطرف الآخر، وتستكثر على المقاطعين حتى منابرهم المتواضعة... وكما يُقال: "حاسدين الأعمى على عماه".
فماذا يعني أن تسخر منابر إعلامية محلية، من إذاعات وقنوات ومواقع إلكترونية ومنصات تواصل اجتماعي، جلّ جهدها للترويج للانتخابات والقوائم العربية ومرشحيها، بينما تتعامل مع صوت المقاطعة باعتباره صوتًا "نشازًا" خارجًا عن إجماع مفترض؟ بل إن بعضها لم يكتفِ بالتجاهل، وإنما شارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مهاجمة المقاطعين ورموزهم، وفتح المجال للنيل منهم وتحميلهم أوزار المشهد السياسي كله، رغم وصفهم بأنهم أقلية قياسًا إلى مؤيدي المشاركة. فكيف يُستهان بوزنهم حين يعبّرون عن موقفهم، ثم يُضخم أثرهم حين يراد تحميلهم مسؤولية النتائج؟
ولا بد أيضًا من التوقف عند أصوات فلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، تلاقت، للأسف، مع بعض الأصوات في الداخل، في الضغط على دعاة المقاطعة ورموزها لتغيير موقفهم وخطابهم تجاه الكنيست، بل ودفعهم إلى الانخراط في مساره. ومن حق الجميع مناقشة موقف المقاطعة ونقده، لكن هذا الحق لا يجيز ممارسة الوصاية على أصحابه، أو التشهير بهم، أو التشكيك في وعيهم ووطنيتهم، أو تجاهل مواقفهم الواضحة والصريحة لمجرد رفضهم المشاركة.
والحملة على قيادات المشروع الإسلامي في الداخل الفلسطيني، الرافض للمشاركة في الكنيست الإسرائيلي، ليست جديدة، كما أن تصدر جهات عربية وفلسطينية لها ليس أمرًا مستجدًا. فقد شهدنا سابقًا حملات استهدفت هذا المشروع وفكرته وخطابه ومواقفه ورموزه، على خلفية مواقف سياسية وانتقادات لسياسات بعض الأنظمة العربية وممارساتها، وتجاوزت حدود النقد إلى التجريح والتشويه.
وعشية انتخابات الكنيست الإسرائيلي، تجددت الحملة في جولة أشد شراسة، تداخلت فيها المنشورات الهجومية مع مواد يُشتبه في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاجها أو التلاعب بها، بما يسهم في تشويه صورة المشروع ورموزه وتحريف مواقفهم. وهنا، يصبح السؤال متعلقًا بقدرتنا على صون نقاش عام يحترم الاختلاف، ويرفض تحويل الخلاف السياسي إلى استباحة للأشخاص ومحاكمة للنوايا.
ومن هنا، فإن الحرص على بقاء صوت المقاطعة وحضوره في النقاش العام ضرورة وطنية، وإن كانت نسبته أقل من نسبة المشاركة، فقيمة الموقف لا تُقاس بعدد أصحابه وحده، وإنما بمضمونه وامتداده التاريخي وما يحفظه في الوعي الجمعي. فالمقاطعة، في أصلها، موقف من مؤسسة الكنيست نفسها، باعتبارها أحد أعمدة المشروع الصهيوني، وليست موجهة أساسًا ضد القوائم العربية أو نابعة من خصومة مع مرشحيها. وتكمن أهمية هذا الصوت في إبقاء أسئلة الهوية والانتماء والحقوق التاريخية حاضرة، وفي التذكير بأن شعبنا وقضيته أوسع من حدود المواطنة الإسرائيلية وسقف العمل البرلماني.
وحتى من يرى في الكنيست أداة لتحصيل الحقوق أو تقليل الأضرار، ينبغي أن يحرص على بقاء هذا الموقف واستقلاله، كي لا تتحول الأداة إلى أفق وحيد، ولا تُختزل السياسة في الانتخابات، ولا تُعاد صياغة وعينا وهويتنا على مقاس ما تسمح به المؤسسة. وعليه، فإن الحفاظ على صوت المقاطعة هو حفاظ على حق مجتمعنا في أن يفكر ويختار وينظم فعله السياسي خارج الكنيست أيضًا، وأن يُبقي لنفسه أفقًا لا تحده شروطها وقواعدها. فليس من الحكمة وضع كل البيض السياسي في سلة واحدة، أما اختزال مصير مجتمع بأكمله في مسار واحد، ومحاصرة كل بديل عنه، فهو ضرب من الانتحار السياسي.
 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد