العَهْدُ حِينَ يَخْلَعُ فَلْسَفَتَهُ
أحببتُكِ أنشودةً
تشقُّ صدرَ الصمت،
وتنتزعُ من فمِ الليل
اعترافَهُ الأخير.
أحببتُكِ ثورةً
لا تستأذنُ أبوابَ القصور،
ولا تنتظرُ من الزمن
إذنًا لكي تولد.
آهٍ يا زمان،
كم نصبتَ من المشانقِ للأحلام،
وكم دفنتَ من الأغنيات
تحتَ أقدامِ العابرين!
لكنَّ في صدري
صوتًا لا يُروَّض،
وفي عينيكِ
وطنًا لا يُباع،
وفي المسافةِ بيننا
برقًا يُهيّئُ للعاصفةِ
ميلادَها.
أحببتُكِ أنشودةً
تشقُّ صدرَ الصمت،
وتنتزعُ من فمِ الليل
اعترافَهُ الأخير.
أحببتُكِ ثورةً
لا تستأذنُ أبوابَ القصور،
ولا تنتظرُ من الزمن
إذنًا لكي تولد.
آهٍ يا زمان،
كم نصبتَ من المشانقِ للأحلام،
وكم دفنتَ من الأغنيات
تحتَ أقدامِ العابرين!
لكنَّ في صدري
صوتًا لا يُروَّض،
وفي عينيكِ
وطنًا لا يُباع،
وفي المسافةِ بيننا
برقًا يُهيّئُ للعاصفةِ
ميلادَها.
طيفُكِ لا يخونُ عهدي،
ولا يساومُ ذاكرتي
على فتاتِ النسيان.
كلما أغلقوا نوافذَ الروح،
جاء وجهُكِ
ليخلعَ عن الضوءِ أقفالَه،
ويعلِّمَ الفجرَ
كيف يشقُّ طريقَهُ
من بين الأنقاض.
أنا لا أستجدي اللقاء،
أنا أتمرّدُ على الغياب،
ولا أمدُّ يديَّ للزمن
كي يمنحني لحظةً؛
أنا أنتزعُ من صمتِهِ
حقَّ الحكاية.
فالحبُّ الذي يخافُ العاصفة
يذبلُ عند أولِ ريح،
والحبُّ الذي يعرفُ جذورَه
يحوّلُ الصخرَ
إلى أرضٍ للربيع.
يا زمان،
لسنا غبارًا في دفاترك،
ولا أرقامًا
تتساقطُ من تقويمِكَ البارد.
نحنُ الذين إذا ضاقَ الطريقُ
شقَقْنا في الجدارِ سؤالًا،
وإذا صادروا أسماءَنا
كتبناها على جبينِ الفجر.
نحنُ الذين لا يطلبونَ من القيود
أن تصبحَ أكثرَ رحمة،
بل يسألونَ لماذا
يُصنعُ القيدُ أصلًا،
ولماذا يُتركُ الإنسانُ
رهينةَ الخوف.
وأنا،
حين أكتبُ اسمَكِ،
لا أزيّنُ قصيدةً فحسب؛
إنني أوقظُ في اللغةِ
ما نامَ طويلًا من التمرّد،
وأمنحُ الحرفَ
حقَّهُ في الاعتراض.
وحين التقينا مجدّدًا،
لم نَعُدْ من الماضي،
بل خرجنا من سلطتِهِ.
كان اللقاءُ
انقلابًا في ترتيبِ الفصول،
وكانت عيناكِ
رايتينِ من الضوء
فوقَ أرضٍ استردّتْ
حقَّها في المطر.
كأنَّ الرمادَ
تذكّرَ فجأةً
أنَّهُ كان شجرًا،
وكأنَّ الجذورَ
رفعتْ صوتَها تحتَ التراب،
وقالتْ للريح:
لن نقتلعَ ذاكرتَنا
كي ترضى العاصفة.
ضممتُ إليكِ
ما تبقّى من أحلامي،
فاستقامَ في داخلي
ما أمالتْهُ الأعوام،
وصارَ للنبضِ
إيقاعُ ثائرٍ
يعرفُ أنَّ البدايةَ
ليست رجوعًا إلى الوراء،
بل عبورٌ
إلى ما لم نجرؤْ على حُلْمِهِ.
أحرقي من صمتي
ما شيَّدَهُ الخوف،
وأطلقي من صوتي
ما كبَحَتْهُ المجاملة.
لا تُغرقي المعنى
في بحارِ التأويل،
ولا تتركي القصيدةَ
تنامُ على أبوابِ الرضا.
اجمعي شتاتَ حروفي،
وأقيمي من نبضي صرخةً
تشقُّ جبهةَ هذا الصمت،
وتوقظُ في الكلمات
تمرُّدَها القديم.
فلتتبارَ الأقلامُ
في ميدانِ المعنى؛
لن نرفعَ الحرفَ زينةً،
بل نجعلُهُ موقفًا،
ولا نكتبُ كي نصفَّقَ
للعالمِ كما هو،
بل كي نكشفَ
ما ينبغي للعالمِ
أن يتغيّر.
أنا شاعرٌ
إذا أحبَّ، لم يُصغِّرْ قلبَهُ،
وإذا ثارَ، لم يُطفئْ إنسانيتَهُ،
وإذا قالَ الحقيقةَ
لم يستأذنْ جدارًا
في أن يسمعَ صداها.
تعالي،
لننقشْ حكايتَنا
على جبينِ هذا الزمن،
لا بحبرٍ يمحوه المطر،
بل بإرادةٍ
تُعلِّمُ الذاكرةَ
كيف تقاومُ المحو.
سنكتبُ أسماءَنا
في سجلِّ الضوء،
ونجعلُ من شرايينِنا
أنهارًا تعبرُ أرضَ الصمت،
ومن أحلامِنا
جسورًا لا تنحني
لريحِ الخوف.
لسنا رمادًا ينتظرُ يدًا
تعيدُ ترتيبَه،
نحنُ شرارةٌ
تعرفُ طريقَها إلى الفجر.
ولسنا حكايةَ عاشقين
أضاعهما الطريق،
نحنُ سؤالٌ يواجهُ العالم:
كيف يمكنُ للقلبِ
أن يحبَّ بكلِّ هذا العمق،
ثم يرفضَ
كلَّ ما يُهينُ الحياة؟
أحببتُكِ أنشودةً،
لكنَّني لم أخلقْ
لأكونَ صدى الأغنيات.
أحببتُكِ لأنَّ في عينيكِ
ما يستحقُّ أن يُصان،
وفي روحِكِ
ما يستحقُّ أن يُقال،
وفي لقائنا
ما يجعلُ المستحيلَ
موضعَ سؤال.
فكوني القصيدةَ
حين تُحاصَرُ اللغة،
وكوني البرقَ
حين يتواطأُ الليلُ
مع عتمتِهِ.
أما أنا،
فسأظلُّ أكتبُ
حتى تستعيدَ الكلمةُ
كرامتَها،
ويستعيدَ الحبُّ
حقَّهُ في الاختلاف،
ويستعيدَ الإنسانُ
وجهَهُ من مرايا الخوف.
وإذا سألَنا الزمانُ
ماذا تركنا وراءَنا،
لن نقُلْ إننا مررنا،
بل سنقول:
تركنا في الصمتِ سؤالًا،
وفي الحروفِ تمرّدًا،
وفي القلوبِ نافذةً
لا يستطيعُ الليلُ إغلاقَها.
فأنا لا أريدُكِ ذكرى
تُعلَّقُ على جدارِ الأمس،
ولا أريدُ حبَّنا
حكايةً تُروى ثم تنطفئ؛
أريدُنا موقفًا
حين يُساوَمُ الإنسان،
وصوتًا
حين يُصادَرُ الحق،
وقصيدةً
كلما ظنَّ الزمنُ
أنَّ الحكايةَ انتهت،
نهضتْ من بين يديهِ
وقالت:
ما دامَ في القلبِ نبضٌ،
فليسَ للقيودِ
أن تكتبَ خاتمةَ الحياة.