جزيرة من وهم وحنين – أغاني الريح في جزيرة منسية
في حضرة الموج، حين يعزف الحنين على أوتار الغياب، تنطق الذاكرة، وتغفو المرافئ على نبض الانتظار.
في حضرة الموج، حين يعزف الحنين على أوتار الغياب، تنطق الذاكرة، وتغفو المرافئ على نبض الانتظار.
جلستْ قاتلتي على حافة شاطئ هجَرته السنين. على إحدى صخوره الصلبة، تهتُ برهةً بين دهاليز الذاكرة المبعثرة بالشوق والحنين، حتى أيقنتُ أنها لا تنتمي إليه، بل هو الذي ينتمي لها.
كان المكان نائيًا، القوارب لم تعبر، والطيور هجرت أوكارها. أخذت الشمس تجرّ أذيالها نحو المغيب. شعرها الطويل بلون الغروب، منثورٌ على كتفيها، منسوجٌ من الطحالب، يتطاير ويتراقص مع نسمات عليلة، كأنها ستار من حرير، يلمع بقطرات الملح تحت زرقة السماء ومياه البحر.
تمشي الهوينا، فتُحبس الأنفاس إجلالًا... إمّا خجلًا، أو وجلًا.
صوتها المخنوق، الآتي من بعيد، يُهدّئ جنون البحر. تتنهد، فيتنفس الموج مدًّا وجزرًا. في عينيها خريطة لمرافئ نائية، وعلى ملامح وجهها ألف قصة، وألف رمز مبهم.
يخيّم على المكان سكونٌ، لا يُسمع فيه سوى همسات الموج وأنين الرياح العاتية. بأناملها الحريرية تداعب الرمال المبللة، ترسم لوحات لا تمحوها التيارات العنيفة، تنزل من صخب الأمواج المتلاطمة وتخطّ خطوطًا على صفحة البحر، كأنها قصة ذات نهارٍ عرفت قبلة، ومسيرة تذوقت مرّها، واحتضنت دفأها بين هيبة ووفاق.
تسمع ما تختاره، ولا تدري ماذا تريد، أو من تنتظر، أو عمّ تبحث. ربما عن حلم يقظة، أو حبيب منقذ. تسأل الموج عن دليل، أو تنسج قصيدة بلا عنوان... عبثًا، ويطول الانتظار.
عيونها خرائط، وهمساتها نداء. في حضورها، قد أضيع وجهتي... آه، كم أنا راضٍ بهذا الضياع.
أعترف... قلبي يراقص إيقاع خطوطها. وتساءلت: من أي جزيرة نائية جئتِ، لتُبيضّي الأمل في قلب أتعبه الغياب، واحتواه الرحيل، وأعثرته الليالي؟
من اصداري الأخير على ناصية الطريق.