20° الناصرة $دولار أمريكي 3.04 ₪€يورو 3.43 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

وجوهٌ لا تغيب- حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها.. قراءة في "وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر

ثمة كتبٌ لا تنتهي قراءتها عند الصفحة الأخيرة، لأن ما فيها لا يُغلق بإغلاق الكتاب، بل يظل مفتوحًا في الذاكرة. كتبٌ لا تستعيد أشخاصًا غابوا فحسب، وإنما تعيد ترتيب حضورهم في وعينا، كأن الكتابة تستطيع، ولو بالكلمات، أن تؤجل الغياب.

ك ا كل العرب قصة نُشر: 07/10/2026 الساعة 12:15
حجم الخط
وجوهٌ لا تغيب- حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها.. قراءة في "وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر
وجوهٌ لا تغيب- حين تكتب الذاكرةُ أصحابَها.. قراءة في "وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر

ثمة كتبٌ لا تنتهي قراءتها عند الصفحة الأخيرة، لأن ما فيها لا يُغلق بإغلاق الكتاب، بل يظل مفتوحًا في الذاكرة. كتبٌ لا تستعيد أشخاصًا غابوا فحسب، وإنما تعيد ترتيب حضورهم في وعينا، كأن الكتابة تستطيع، ولو بالكلمات، أن تؤجل الغياب.

من هذا النوع يأتي كتاب «وجوه في الذاكرة» للكاتب ناجي ظاهر، الصادر في طبعته الأولى عام 2025 عن دار الحديث للطباعة والنشر والإعلام، والموسوم بـ«كتاب في السيرة الغيرية والذاتية».

لكن هذا التصنيف، على دقته، لا يستنفد الكتاب.

فما يكتبه ظاهر ليس سيرًا لأشخاص مضوا وحسب، بل بحثٌ في السؤال الأشد مراوغة: ماذا يبقى من الإنسان حين ينتهي حضوره المباشر، ولا يبقى منه إلا ما تحفظه الذاكرة؟

هنا تبدأ قيمة الكتاب الحقيقية.

فالكاتب لا يستعيد الراحلين لكي يعيدهم إلى الماضي، وإنما يستدعيهم إلى الحاضر؛ لا ليقول لنا إنهم كانوا هنا فقط، بل ليجعلنا نسأل: كيف ظلوا هنا؟

الذاكرة بوصفها مسؤولية
منذ الإهداء يضع ناجي ظاهر يده على عصب كتابه. فهو يهدي كتابه إلى أرواح الذين «رحلوا بهدوء وتركوا لنا إرثًا عظيمًا»، داعيًا إلى التعلم من سيرتهم ومواصلة «رسالة الثقافة والنور».

ليست هذه العبارة هامشًا عاطفيًا.

إنها، في قراءتي، بيان الكتاب الداخلي.

فالذاكرة هنا ليست خزانًا للماضي، وإنما مسؤولية تجاهه. أن تتذكر يعني أن ترفض أن يتحول الإنسان إلى اسم عابر، أو صورة باهتة، أو خبر في أرشيف الموت.

ومن ثم تصبح الكتابة فعل وفاء، لكن ليس الوفاء بمعناه الاحتفالي وحده؛ إنها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان: صوته، صورته، طريقته في الحضور، أثره في الآخرين، وحتى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة أمام التاريخ لكنها، في الذاكرة الشخصية، هي التاريخ كله.

السيرة الغيرية التي تكشف سيرة صاحبها
يكتب ناجي ظاهر الآخرين، لكنه، من خلالهم، يكتب نفسه أيضًا.

وهذه إحدى المفارقات الجميلة في الكتاب.

فالذات لا تظهر فيه عبر اعترافات مباشرة أو سيرة ذاتية تقليدية، بل تظهر من خلال فعل الاختيار والتذكر: من يستحق أن يُستعاد؟ ما الذي بقي من كل شخص في ذاكرة الكاتب؟ وأي تفصيل استطاع أن يعبر السنوات ويبقى حيًا؟

إن الذات هنا لا تقول: «أنا».

إنها تقول: «أنا أتذكر».

وهذا يجعل «السيرة الغيرية» طريقًا غير مباشر إلى «السيرة الذاتية». فكل وجه يكتبه الكاتب هو، في الوقت نفسه، جزء من سيرته هو؛ لأن الإنسان لا يتذكر الآخرين منفصلين عن نفسه، بل يتذكرهم كما عبروا حياته، وكما تركوا فيها أثرًا.

لذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه سيرة ناجي ظاهر من خلال الذين مروا في ذاكرته.

لماذا «وجوه»؟
ربما كان اختيار كلمة «وجوه»، لا «أسماء» أو «شخصيات»، أكثر من مجرد اختيار جمالي.

فالاسم يعرّف، أما الوجه فيحضر.

الاسم يمكن أن يبقى في سجل، أما الوجه فيستدعي الإنسان بكل ما فيه من ملامح وحركة ونبرة وعلاقة وموقف.

وهذا بالضبط ما يفعله ظاهر: لا يكتفي بأن يخبرنا من كان هؤلاء، وإنما يحاول أن يجعلهم مرئيين مرة أخرى.

ولهذا فإن العنوان لا يحيل إلى أشخاص محفوظين داخل الذاكرة فحسب، بل إلى وجوه تستعيد حضورها عبر الكتابة.

الوجه، إذن، هو الحد الفاصل بين السيرة بوصفها معلومات، والسيرة بوصفها حضورًا إنسانيًا.

الذاكرة لا تعمل كالأرشيف
الذاكرة عند ناجي ظاهر ليست أرشيفًا مرتبًا.

إنها تتحرك بالمصادفة، وتستجيب للمثيرات الصغيرة، وتستيقظ على منشور، أو ذكرى سنوية، أو مكان، أو صورة، أو لقاء قديم.

في استعادته للشاعر أحمد عبد أحمد، مثلًا، يبدأ التذكر من منشور على فيسبوك أشار إلى ذكرى رحيله، فإذا بالماضي يتدفق من جديد، ويستعيد الكاتب وجهًا «استوطن» ذاكرته، بما يحمله من «أطيب الذكريات وأروع المواقف والكلمات». ثم يصف أحمد عبد أحمد وعلي الخليلي بأنهما «وجهان مشرقان في الذاكرة».

هنا لا تعمل الذاكرة بوصفها مستودعًا للمعلومات، بل بوصفها كائنًا حيًا.

إنها لا تسترجع الماضي كما وقع، وإنما تعيد إضاءته.

وهذا فارق جوهري؛ لأن الذاكرة لا تحفظ كل شيء، وإنما تحفظ ما ظل له معنى.

رمزي أبو العسل: حين تحفظ المدينة أبناءها
في استعادة رمزي أبو العسل، تتسع السيرة الفردية لتصبح سيرة مدينة ومرحلة من العمر.

يستعيد الكاتب علاقته به منذ أيام الصبا وبدايات الشباب، ويربطه بملعب كرة القدم في الناصرة، وبذاكرته الرياضية والشخصية. ثم تأتي الصورة اللافتة التي يبقى فيها الراحل راكضًا «مثل مهر عربي أصيل» في ملاعب مدينته.

إنها ليست معلومة عن لاعب كرة قدم.

إنها صورة ذاكرة.

ومن هنا يتضح أن المكان عند ظاهر لا يقف خلف الشخصية بوصفه خلفية، بل يدخل في تكوينها. فالناصرة ليست مكانًا حدثت فيه الحكاية؛ إنها جزء من الحكاية نفسها.

المدينة تحفظ أبناءها، والأبناء يحفظون المدينة.

وحين يكتب الإنسان مكانه، أو يكتب المكانُ أبناءه في ذاكرته، تصبح السيرة الفردية جزءًا من سيرة جماعية أوسع.

المكان بوصفه ذاكرة
لهذا تبدو الناصرة وحيفا والقدس وغيرها من الأمكنة في الكتاب أكثر من جغرافيا.

إنها أماكن للذاكرة.

المكان يحتفظ بما يعجز الفرد أحيانًا عن الاحتفاظ به وحده. شارع، ملعب، مكتب صحيفة، مقهى، ساحة، مدينة؛ كل واحد منها يمكن أن يكون مفتاحًا يفتح بابًا على زمن كامل.

وهنا تظهر فلسطين في الكتاب بطريقة أكثر عمقًا من حضورها في الخطاب المباشر: تظهر في الناس الذين عاشوا عليها، وفي الأمكنة التي حملت خطاهم، وفي الثقافة التي صنعوها، وفي العلاقات التي نسجت بينهم.

إنها فلسطين من الداخل؛ فلسطين الحياة اليومية، لا فلسطين الشعار.

الثقافة كما تُعاش
من اللافت أن الكتاب لا يحصر الذاكرة الثقافية في الأدباء وحدهم. فبين صفحاته تتجاور أسماء من مجالات وتجارب مختلفة، وتظهر الرياضة والصحافة والفن والحياة الاجتماعية إلى جانب الأدب.

وهذا الاختيار يوسّع مفهوم الثقافة نفسه.

فالثقافة ليست فقط ما يُكتب في الكتب؛ إنها أيضًا ما يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

ومن هنا يصبح الرابط بين هذه الوجوه ليس الشهرة وحدها، بل الأثر.

قد يكون المرء شاعرًا أو صحفيًا أو رياضيًا أو شخصية اجتماعية، لكن السؤال الذي يظل حاضرًا هو: ماذا ترك وراءه؟

بهذا المعنى، يعيد ناجي ظاهر تعريف الشخصية الجديرة بأن تُكتب: ليست بالضرورة الشخصية الأكثر شهرة، وإنما الشخصية التي لم تمر من حياة الآخرين بلا أثر.

الإنسان قبل التمثال
وهنا تكمن ميزة أخرى في الكتاب.

فالكاتب لا يبدو معنيًا بصناعة تماثيل من الراحلين. وهو، حين يستعيدهم، يستعيدهم في حركتهم الإنسانية، بعلاقاتهم وذكرياتهم وطرائفهم وتفاصيل حياتهم.

وهذا أكثر صدقًا من التقديس.

فالتمثال لا يخطئ ولا يضحك ولا يتناقض؛ أما الإنسان فيفعل.

والكتابة المحبة، في تقديري، ليست تلك التي تمدح أكثر، وإنما تلك التي ترى أكثر.

حين يرى الكاتب الإنسان بكل تعقيده، فإنه لا ينتقص منه؛ بل يعيده إلى إنسانيته.

حتى الطرافة ذاكرة
ومن هنا تأتي أهمية حضور الطرافة في بعض صفحات الكتاب.

في مقاطع فواز النشاز، مثلًا، تتحول حيفا إلى مسرح لذاكرة ساخرة ومتحركة، بما فيها من ركض ومفارقات وشخصيات ومواقف.

وهذا مهم لأن الذاكرة ليست جنازة مستمرة.

فالذين رحلوا لم يكونوا «راحلين» فقط؛ كانوا أحياءً يضحكون، ويمزحون، ويخطئون، ويصنعون الحكايات.

لذلك فإن استعادة ضحكتهم ليست خروجًا عن جدية الذاكرة، بل جزء من الوفاء لها.

كأن الأدب يقول ببساطة:

كان هنا إنسان. وكان يضحك أيضًا.

الذاكرة ليست بريئة تمامًا
وهنا أظن أن الكتاب يتيح لنا، من دون أن يقصد بالضرورة، سؤالًا نقديًا آخر.

فالذاكرة التي تحفظ هي نفسها ذاكرة تنتقي.

إنها لا تستطيع أن تستعيد الإنسان كله، ولا أن تقدم ماضيه كما وقع بصورة موضوعية مكتملة. إنها تختار وجهًا، وموقفًا، وتفصيلًا، ولقاءً، ثم تعيد بناء الشخص من خلال هذه الشظايا.

وهذا ليس عيبًا في الكتاب، بل سر أدبيته.

لكن إدراكه ضروري؛ لأن «وجوه في الذاكرة» ليس أرشيفًا محايدًا، ولا موسوعة في الأشخاص الذين يكتب عنهم. إنه ذاكرة ناجي ظاهر عنهم.

ومن هنا تأتي قيمته الأدبية.

فالكاتب لا يدّعي امتلاك الماضي؛ إنه يكشف لنا كيف بقي الماضي فيه.

وهذا، في رأيي، أكثر إثارة من السيرة الموضوعية الباردة.

الموت الأول والموت الثاني
ثمة موتان يمكن أن نلمحهما خلف الكتاب.

الأول هو الموت الذي لا يستطيع الإنسان دفعه.

أما الثاني فهو النسيان.

وإذا كان الموت الأول قدرًا، فإن الموت الثاني قابل للمقاومة.

هنا تتحدد وظيفة الكتابة: ألا تسمح بأن يصبح الغياب محوًا.

فالكتاب لا يعيد الراحلين إلى الحياة بالمعنى الحرفي، لكنه يعيدهم إلى الوعي.

وهذا هو الفرق بين أن يموت الإنسان وأن يختفي أثره.

إن الكتابة لا تهزم الموت، لكنها تستطيع، في بعض الأحيان، أن تؤجل النسيان.

الكتابة التي تواسي من بقي
وهذا يقود إلى أكثر مستويات الكتاب إنسانية.

فالكتابة عن الراحلين ليست للراحلين وحدهم.

إنها أيضًا للذين بقوا.

الذين يحتاجون أحيانًا إلى أن يجدوا اسمًا قديمًا، أو موقفًا، أو صورة، أو جملة، كي يشعروا أن ما أحبوه لم يتحول إلى عدم.

لهذا يمكن للكتابة أن تصبح شكلًا من أشكال المواساة.

لا تعيد الغائب إلى مكانه، لكنها تعيد شيئًا من حضوره إلى الذاكرة.

وهنا تتجاوز «السيرة» وظيفتها التوثيقية لتصبح فعل عزاء ثقافي.

«أكثر من فلان»
في هذا السياق تكتسب عبارة ناجي ظاهر عن أن الكتابة عن شخص تصل إلى «أكثر من فلان» أهمية خاصة.

فالشخص ليس جزيرة منفصلة.

خلف كل إنسان مدينة، وأصدقاء، وأمكنة، وأزمنة، وعلاقات، وتحولات.

ولهذا فإن الكتابة عن شخص واحد قد تصبح كتابة عن عالم كامل.

أحمد عبد أحمد يقود إلى الشعر والصحافة والذاكرة الفلسطينية؛ رمزي أبو العسل يقود إلى الناصرة وذاكرة الرياضة والصبا؛ وفواز النشاز يقود إلى حيفا وذاكرة المكان والطرافة.

وهكذا تتحول الوجوه من أفراد متجاورين إلى خريطة إنسانية لزمن.

من يكتب من؟
هنا، ربما، يصل الكتاب إلى أكثر أسئلته إثارة.

هل يكتب الكاتب الأشخاص، أم أن الأشخاص هم الذين يكتبون الكاتب؟

ربما الاثنان معًا.

فالآخرون لا يظهرون في الكتاب منفصلين عن ذات ناجي ظاهر؛ إنهم يظهرون كما بقيوا فيه.

وهذا يجعل الكتابة فعلًا مزدوجًا: استعادةً للآخر، واكتشافًا للذات.

كل وجه يوقظ جزءًا من سيرة الكاتب، وكل حكاية تعيد ترتيب علاقة ما بالماضي.

لذلك لا يتحرك الكتاب في اتجاه واحد، من الكاتب إلى الشخصيات، بل في اتجاهين: الكاتب يستدعي الوجوه، والوجوه تستدعي الكاتب إلى ذاته.

وهنا تصبح «وجوه في الذاكرة» أكثر من كتاب عن الآخرين؛ تصبح كتابًا عن الطريقة التي يصنع بها الآخرون ذواتنا.

خاتمة: الوجوه التي تبقى
بعد أن نغلق «وجوه في الذاكرة»، لا يبقى في الذهن مجرد عدد من السير والأسماء.

يبقى شعور بأننا دخلنا إلى مساحة مليئة بالصور، لكن الصور لم تكن معلقة على الجدران؛ كانت تنظر إلينا.

وهنا تكمن قوة الكتاب.

فناجي ظاهر لا يقول لنا فقط: هؤلاء كانوا هنا.

إنه يضعنا أمام سؤال أكثر إلحاحًا:

ماذا سنفعل بما تركوه لنا؟

فالذاكرة، في هذا الكتاب، ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي مسؤولية تجاه المستقبل. وما يستحق أن يُحفظ ليس الماضي بوصفه ماضيًا، وإنما الإنسان بوصفه أثرًا قابلًا للاستمرار.

لهذا أقرأ «وجوه في الذاكرة» لا بوصفه كتابًا عن الموت، بل كتابًا عن البقاء؛ ولا بوصفه كتابًا عن الغياب، بل عن الحضور الذي يقاوم أن ينتهي.

إنه كتاب عن الإنسان حين يصبح ذكرى، وعن الذكرى حين ترفض أن تكون قبرًا آخر.

وربما لهذا يبدو عنوان الكتاب، في نهايته، أعمق مما يوحي به في بدايته.

فهذه ليست وجوهًا محفوظة في الذاكرة فحسب.

إنها وجوه صنعت الذاكرة، وذاكرة تصنع بقاءها.

وحين نغلق الكتاب، لا تغلق الوجوه أبوابها.

تبقى هناك، في الجهة الأخرى من الصفحة، تستعيد ملامحها فينا.

تنظر إلينا.

وتنتظر منا أن نتذكر.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد