يَنْبوعٌ شَقَّ عَنانَ الأَرْض
من أعمقِ شقوقِ الأرض،
اندفعَ الينبوعُ؛
لا يستأذنُ الصخرَ،
ولا يطلبُ من الترابِ اعترافًا.
شقَّ عنانَ الأرض،
وانفلتَ إلى الفضاءِ الشاسع،
كأنَّ الكوكبَ ضاقَ بسرِّه،
فأطلقَهُ إلى الجهات.
أنا وطنٌ
تعلَّمَ من الينبوعِ
كيفَ يشقُّ جدارَهُ بنفسه.
في جسدي خرائطُ لم تكتمل،
وفي روحي حدودٌ
عجزتِ الأسلاكُ عن رسمِها.
أمشي،
فتنفتحُ في الترابِ ذاكرة،
وتنهضُ من تحتِ قدميَّ
أسماءٌ لم تُسلِّمْ مفاتيحَها للغياب.
جسدي أرضٌ،
وروحي ماءٌ متمرِّد؛
كلَّما أغلقوا منافذَهُ
ابتكرَ للاندفاعِ جهة.
أنا لستُ حدودَ عظامي،
ولا السجنَ الذي يحيطُ بي؛
أنا ذلكَ المجرى
الذي يعبرُني
ولا تستطيعُ الجدرانُ امتلاكَه.
أيُّها الصخرُ،
لا تراهنْ على صلابَتِك؛
ففي باطنِكَ ماءٌ
يُعِدُّ للحريةِ مجراه.
وأيُّها الليلُ،
لا تُحصِ نجومَنا؛
فقد خرجَ من الأرضِ ينبوعٌ
يُضيءُ اتِّساعَ السماء.
لسنا صدىً لخطبةٍ قديمة،
ولا ظلالًا تستعيرُ أسماءَها؛
نحنُ الفكرةُ حينَ تتجسَّد،
والروحُ حينَ تستردُّ جسدَها،
والوطنُ حينَ يرفضُ
أن يكونَ قبرًا لأحلامِ أبنائِه.
فليتبارَ الحرفُ مع النور،
ولْتتَّسعِ الأرضُ لاندفاعِ الينابيع؛
فما خُلقتِ الروحُ لتُحاصر،
ولا الجسدُ ليكونَ قفصًا،
ولا الوطنُ ليعيشَ على هامشِ الحياة.
أنا الينبوعُ الذي شقَّ الأرض،
وأنا الأرضُ التي حملتْ سرَّه،
وأنا الروحُ التي تجاوزتْ جسدَها
دونَ أن تتخلَّى عنه.
وحينَ أصلُ إلى الفضاء،
لن أرفعَ رايةً فوقَ العالم؛
سأفتحُ مجرىً جديدًا للحياة،
وأتركُ للماء أن يقولَ:
هنا مرَّ الإنسانُ،
فصارَ الاتِّساعُ وطنًا.