21° الناصرة $دولار أمريكي 3.14 ₪€يورو 3.52 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار… وأنا في أمرهم حائرة!

في سيكولوجية الاصطفاء ونرجسية الجماعات ووهم امتلاك السماء

ر م رانية مرجية خاطرة نُشر: 03/11/2026 الساعة 09:25
حجم الخط
كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار… وأنا في أمرهم حائرة!
كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار… وأنا في أمرهم حائرة!

في سيكولوجية الاصطفاء ونرجسية الجماعات ووهم امتلاك السماء

ما أكثر الذين يتحدثون باسم السماء، وما أقلّ الذين يتواضعون أمام الإنسان! كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار، وأنّ بينه وبين السماء عهداً لا يملكه سواه، وكأنّ المحبة الإلهية امتياز حصري، وكأنّ الخالق منح جماعة مفاتيح رحمته، وترك بقية خلقه خارج أبوابها. وأنا، أمام هذا الازدحام على أبواب السماء، أقف حائرة: إذا كان الجميع مختارين، فمن اختار أن يكون إنساناً أولاً؟

ما الذي يجعل الإنسان يحتاج إلى الاعتقاد بأنّه أكثر استحقاقاً من سواه؟ أهو الإيمان، أم الخوف من المساواة؟ أهي الطمأنينة الروحية، أم حاجة خفية إلى الشعور بالتفوق؟ ولماذا لا تكفي بعض البشر إنسانيتهم، فيستمدون قيمتهم من وهم أنّهم استثناء في عيون الله؟ لعلّ المسألة تتجاوز العقيدة إلى أعماق النفس البشرية؛ إلى تلك الحاجة الوجودية لأن يشعر الإنسان بأنّه أكثر من مجرد إنسان، وأنّ انتماءه ليس هوية فحسب، بل شهادة تفوق، وأنّ تاريخه ليس تجربة قابلة للمراجعة، بل رواية مقدسة لا يجوز مساءلتها.

هنا تتشكل النرجسية الجمعية: حين يتحول الانتماء إلى استعلاء، والاعتزاز بالهوية إلى إنكار لقيمة الآخر، وحين تصبح الجماعة مرآة لا ترى فيها إلا عظمتها، ويغدو الاختلاف تهديداً، والنقد خيانة، والآخر مشروع عدوّ لمجرد أنّه ليس واحداً منها. إنّ أخطر ما يصيب الوعي الجمعي ليس الاعتقاد بخصوصيته، بل الخلط بين الخصوصية والتفوق، وبين الإيمان بالاصطفاء وامتلاك حصانة أخلاقية فوق المساءلة.

فحين يعتقد الإنسان أنّه يتحدث باسم الحقيقة المطلقة، قد يتوقف عن مساءلة نفسه؛ وحين يتوهم أنّه مفوّض من السماء، قد يمنح أهواءه الأرضية لغة مقدسة. عندها لا يعود الظلم ظلماً، بل يُعاد تسميته حقاً، ولا يعود الإقصاء جريمة، بل يصبح ضرورة لحماية الهوية. وهنا تكمن المأساة: أن يفقد الإنسان ضميره، لا لأنه يجهل الخير والشر، بل لأنه يجد من التأويلات ما يسمح له بتسمية الشر خيراً.

وربما كان وراء هذا التعالي خوف أعمق: الخوف من المساواة، من هشاشتنا المشتركة، من حقيقة أنّ الآخر لا يقلّ عنا قيمة، وأنّ الألم لا يعرف الأنساب، وأنّ الموت لا يسأل عن الهوية قبل أن يطرق الأبواب. فالإنسان الذي يعجز عن احتمال هشاشته قد يبحث عن العظمة في جماعته، والذي يخشى الآخر قد يحوّل اختلافه إلى دليل على نقصه. وهكذا تتحول الهوية من جذور تمنحنا الانتماء إلى جدران تحجب عنا إنسانية الآخرين.

وليس كل اعتزاز بالانتماء نرجسية، ولا كل إيمان بالاصطفاء ادعاء بالتفوق؛ لكن المعضلة تبدأ حين يتحول الاعتقاد إلى امتياز، والامتياز إلى استعلاء، والاستعلاء إلى مبرر لانتهاك كرامة البشر. فأيّ معنى للاصطفاء إذا لم يكن مسؤولية؟ وأيّ قيمة للخصوصية إذا لم تنتج تواضعاً أخلاقياً؟ وأيّ قرب من الله يمكن أن يُستدل عليه بالابتعاد عن آلام خلقه؟

إنّ الاصطفاء، إذا أُريد له أن يحمل معنى روحياً، لا ينبغي أن يكون وساماً يعفي صاحبه من الحساب، بل تكليفاً يضاعف مسؤوليته. فمن يزعم حمل رسالة من السماء، يفترض أن يكون أكثر حرصاً على العدل، لا أكثر براعة في تبرير الظلم. فالتاريخ، مهما كان مثقلاً بالجراح، لا يمنح أحداً حصانة أخلاقية أبدية. والوجع لا يتحول إلى تفويض بإيلام الآخرين، والمظلومية لا تصبح ملكية حصرية للفضيلة. فالذاكرة التي لا تتعلم من مآسيها قد تتحول إلى مصنع لمآسٍ جديدة، والضحية، حين تمتلك القوة، لا تُعفى من امتحان ضميرها.

وما يؤلمني أكثر من ادعاء امتلاك السماء، هو التناقض بين اتساع الخطاب المقدس وضيق القلب البشري؛ بين كثرة الحديث عن الله وقلّة الإصغاء إلى الإنسان. يتنافسون على إثبات قربهم من الخالق، بينما تتراجع قيمة المخلوق. يرفعون أسماء السماء، ولا يرون ما يسقط من دموع على الأرض. يطالبون لأنفسهم بالحقوق، وينسون أنّ للآخرين حقوقاً لا تنتقص قدسيتها باختلاف هوياتهم.

أنا لا أحاكم إيمان أحد، ولا أختزل عقيدة في ممارسات بعض أتباعها، لكنني أرفض أن يتحول المقدس إلى حصانة للسلطة، أو أن يصبح اسم الله غطاءً لرغبات البشر في السيطرة والاستعلاء. فالله لا يحتاج إلى أن ننتقص من خلقه كي نثبت محبتنا له، والحقيقة لا تحتاج إلى إلغاء الآخرين كي تحتفظ بوجودها. ربما لسنا بحاجة إلى شعوب تعلن أنّها مختارة، بقدر حاجتنا إلى شعوب تختار العدل. ولسنا بحاجة إلى من يحتكرون الحقيقة، بل إلى من يمتلكون شجاعة مراجعة أنفسهم؛ إلى انتماءات تمنح الإنسان جذوره من دون أن تصادر أفقه الإنساني.

أما أنا، فلا يعنيني كم مرة أعلنت جماعة أنّها الأقرب إلى الله، بقدر ما يعنيني كم اقتربت من الإنسان. لا أبحث عن القداسة في الشعارات، بل في السلوك؛ ولا أقيس عمق الإيمان بما يعلنه أصحابه، بل بما يمنعهم من ارتكابه بحق الآخرين.

لذلك، أعود إلى السؤال، ولكن بصيغة أكثر إلحاحاً: إذا كان كلٌّ يدّعي أنّه شعب الله المختار، فمن اختار ألا يظلم؟ من اختار ألا يجعل من تاريخه سلاحاً، ومن معتقده امتيازاً، ومن قوته رخصة لإذلال الضعفاء؟ من اختار أن يرى في المختلف إنساناً، لا مشروع عدوّ؟ لست أملك مفاتيح السماء، ولا أوزّع صكوك الاصطفاء، لكنني أؤمن أنّ عظمة الإنسان لا تُقاس بما يدّعيه عن نفسه، بل بما يمتنع عن فعله حين يمتلك القدرة عليه.

فربما لا تكمن مأساة الإنسان في رغبته بأن يكون مختاراً من الله، بل في حاجته إلى الاعتقاد بأنّ الآخرين أقلّ استحقاقاً للرحمة كي يشعر هو بعظمته. وفي زمن يتسابق فيه البشر إلى احتكار السماء، لعلّ أسمى أشكال الإيمان أن نتواضع أمام سرّها، وألا نستخدم اسم الله لتبرير ما يعجز الضمير عن تبريره. فلسنا مطالبين بإثبات أنّنا أفضل من خلق الله، بل بأن نكون جديرين بإنسانيتنا أمام خلق الله.

ولعلّ السؤال الذي يستحق أن يؤرقنا ليس: من هو شعب الله المختار؟ بل: من اختار ألا يخون إنسانيته؟

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد