الدكتور حمد تركي طربية… سيرة عطاء وأثر لا يُنسى
بقلم: د. غزال أبو ريا
بقلم: د. غزال أبو ريا
نودع اليوم الاثنين بعد صلاة الظهر الدكتور حمد تركي طربية، أبو محمد، المربي والمفتش العام والمحاضر، بعد مسيرة حافلة بالعطاء التربوي والأكاديمي والاجتماعي. رحل عن دنيانا تاركًا وراءه سيرة غنية بالإنجازات والمواقف الإنسانية، وذكرى طيبة في نفوس كل من عرفه وعمل معه وتعلّم منه.
الدكتور المرحوم حمد تركي طربية من الشخصيات التربوية والأكاديمية التي تركت بصمتها في سخنين وعلى مستوى جهاز التربية والتعليم القطري. فقد جمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المهنية والعمل الميداني، وتولّى مسؤوليات تربوية واسعة، وأسهم في تطوير العمل التعليمي وإرشاد المعلمين ودعمهم مهنيًا. وإلى جانب مسيرته المهنية، حافظ على قربه من الناس ومجتمعه، جامعًا بين المكانة الأكاديمية والحضور الاجتماعي والإنساني، حتى أيامه الأخيرة.
حياة زاخرة بالعطاء
وُلد الدكتور حمد عام 1963، ورحل عن عمر ناهز الثالثة والستين، بعد حياة حافلة بالعمل والإنجاز. تميّز بنشاطه وحضوره الاجتماعي، فكان قريبًا من الناس، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويحرص على التواصل معهم والوقوف إلى جانبهم.
لم يكن انشغاله بمسيرته المهنية حاجزًا بينه وبين مجتمعه، بل ظل حاضرًا في مناسباته وهمومه وقضاياه، يقدّم المساعدة والمشورة، ويؤمن بأهمية التواصل الإنساني في بناء مجتمع متماسك.
من مدرسة الحكمة إلى ميادين التربية والتعليم
تخرّج الدكتور حمد من مدرسة الحكمة الثانوية في سخنين، التي تحمل اسم المربي الراحل جمال طربية، ثم عاد إلى المدرسة نفسها معلّمًا، في مسيرة تحمل دلالة خاصة؛ إذ انتقل من مقاعد الدراسة إلى ميدان التعليم، ليساهم في تربية الأجيال وإعدادها.
واصل دراسته في مؤسسات التعليم العالي والكليات، الجامعة العبرية في القدس،جامعة حيفا،وطوّر معارفه وخبراته، وانطلق في مسيرة مهنية واسعة في جهاز التربية والتعليم، تنقّل خلالها بين مسؤوليات ومهام مختلفة، واضعًا خبرته في خدمة المعلمين والطلاب والمؤسسات التربوية.
وقد شغل منصب مفتش العلوم ومفتش عام في المعارف العربية، كما عمل محاضرًا في الأكاديميا والكليات. وامتد نشاطه التربوي إلى المستوى القطري، حيث ساهم في متابعة المسيرة التعليمية وتطويرها، مستندًا إلى خبرته الميدانية ومعرفته الأكاديمية.
دعم المعلمين وتطوير المسيرة التربوية
آمن الدكتور حمد بأن تطوير التعليم يبدأ بالاستثمار في المعلم، وأن الارتقاء بالمؤسسات التربوية يحتاج إلى معرفة متجددة، وحوار مهني، وتعاون بين العاملين في الميدان.
ومن هذا المنطلق، حرص على إرشاد المعلمين ومرافقتهم مهنيًا، وتقديم المشورة لهم، ومساعدتهم على تطوير قدراتهم وأدائهم. كما ساهم في تنظيم أيام دراسية ولقاءات مهنية في مؤسسات مختلفة، إيمانًا منه بأهمية تبادل الخبرات وتوسيع آفاق المعرفة.
لقد كان التعليم بالنسبة إليه رسالة ومسؤولية، وليس مجرد وظيفة أو منصب. وكان يرى في المعلم شريكًا أساسيًا في بناء المجتمع، وفي تطوير العملية التعليمية استثمارًا في مستقبل الأجيال.
الكتابة والإنتاج الفكري… رسالة تتجاوز المهنة
إلى جانب مسيرته التربوية والأكاديمية، اتجه الدكتور حمد في السنوات الأخيرة إلى التأليف والكتابة، ونشر كتبًا في مجالات دينية، معبّرًا من خلالها عن اهتماماته الفكرية ورؤيته للحياة والمجتمع.
لم تكن الكتابة بالنسبة إليه مجرد نشاط شخصي، بل وسيلة للتعبير ونقل الأفكار وترك رسالة للأجيال. وقد أضاف هذا الجانب إلى مسيرته بُعدًا آخر، يجمع بين العمل التربوي والاهتمام الفكري، ويؤكد أن العطاء لا يتوقف عند حدود الوظيفة، بل يمكن أن يستمر من خلال الكلمة والكتاب والأثر الذي يتركه الإنسان وراءه.
شخصية أكاديمية قريبة من الناس
من الصفات التي ميّزت الدكتور حمد قدرته على الجمع بين المكانة المهنية والقرب الاجتماعي. فقد كان صاحب تجربة وخبرة، لكنه بقي قريبًا من أبناء سخنين، يشاركهم مناسباتهم، ويتفاعل مع قضاياهم، ويحافظ على علاقاته مع مختلف فئات المجتمع.
وقد عكست هذه العلاقة المتينة بين الأكاديمي والإنسان الاجتماعي قناعة راسخة لديه بأن قيمة المعرفة تكتمل عندما تتحول إلى خدمة للناس، وأن المكانة الحقيقية للإنسان تتجلى فيما يقدمه لمجتمعه وفي الأثر الذي يتركه في نفوس الآخرين.
أسرة طيبة وإرث إنساني
إلى جانب مسيرته المهنية والاجتماعية، كان الدكتور حمد ربّ أسرة، وقد ترك وراءه عائلة طيبة تشكّل جزءًا أساسيًا من إرثه الإنساني. فبناء الأسرة ورعاية الأبناء وغرس القيم فيهم من أعمق صور العطاء وأبقاها.
وفي رحيله، لا تفقد عائلته زوجًا وأبًا وعزيزًا فحسب، بل يفقد المجتمع أيضًا شخصية جمعت بين الخبرة التربوية والحضور الأكاديمي والعلاقات الإنسانية.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
إن استذكار سيرة الدكتور حمد تركي طربية هو استذكار لمسيرة امتدت من مقاعد الدراسة في مدرسة الحكمة، إلى التعليم، ثم التفتيش والإرشاد التربوي والعمل الأكاديمي والتأليف، وصولًا إلى حضوره الاجتماعي والإنساني بين أبناء بلده وعلى المستوى القطري.
لقد تنوّعت مجالات عطائه، لكن ما جمع بينها هو حرصه على العمل، وتوظيف خبرته في خدمة الآخرين، والإيمان بأهمية التربية والمعرفة والعلاقات الإنسانية.
رحل الدكتور حمد، لكن أثره سيبقى في ذاكرة طلابه وزملائه والمعلمين الذين رافقهم، وفي الكتب التي تركها، وفي المواقف والذكريات التي جمعته بأبناء سخنين، وفي مسيرته التربوية التي امتد تأثيرها إلى مؤسسات وجماعات أوسع. وستظل سيرته تذكيرًا بأن قيمة الإنسان لا تختصرها المناصب التي شغلها، بل تتجلى في المعرفة التي ينقلها، والناس الذين يساعدهم، والمحبة التي يتركها في محيطه.
رحم الله الدكتور حمد تركي طربية، أبا محمد، رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأهله ومحبيه وزملاءه وتلاميذه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.