22° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪€يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

كفى نفاقًا: العربي ليس ملزمًا بإنشاد نشيد لا يمثله

الهجوم الذي تعرض له اللاعب العربي عنان خلايلة بسبب عدم إنشاد النشيد الإسرائيلي لا يكشف أزمة لدى عنان، بل يكشف أزمة أعمق في فهم معنى المواطنة في إسرائيل. فكلما وقف مواطن عربي صامتًا أثناء عزف "هتكفا"، يخرج من يطالبه بالاختيار بين هويته العربية ومواطنته، وكأن المواطنة عقد إذعان يتطلب التخلي عن الذات، لا علاقة قانونية ومدنية قائمة على المساواة.

م د محمد دراوشة مقالات نُشر: 28/09/2026 الساعة 23:37
حجم الخط
كفى نفاقًا: العربي ليس ملزمًا بإنشاد نشيد لا يمثله
كفى نفاقًا: العربي ليس ملزمًا بإنشاد نشيد لا يمثله

الهجوم الذي تعرض له اللاعب العربي عنان خلايلة بسبب عدم إنشاد النشيد الإسرائيلي لا يكشف أزمة لدى عنان، بل يكشف أزمة أعمق في فهم معنى المواطنة في إسرائيل. فكلما وقف مواطن عربي صامتًا أثناء عزف "هتكفا"، يخرج من يطالبه بالاختيار بين هويته العربية ومواطنته، وكأن المواطنة عقد إذعان يتطلب التخلي عن الذات، لا علاقة قانونية ومدنية قائمة على المساواة.

ما يثير الاستغراب أن كثيرًا من المنتقدين يتعاملون مع إنشاد النشيد وكأنه واجب قانوني ومقياس للولاء الوطني، بينما الواقع مختلف تمامًا. لا يوجد في القانون الإسرائيلي ما يفرض على المواطن، عربيًا كان أم يهوديًا، أن ينشد النشيد الوطني. والجدل الدائر حول من يغني ومن لا يغني هو جدل سياسي وأخلاقي، لا قانوني.

بل إن أحد أبرز القضاة في تاريخ إسرائيل، سليم جبران، أول قاضٍ عربي دائم في المحكمة العليا، أعلن صراحة أنه لا يستطيع إنشاد "هتكفا" بسبب الكلمات التي تتحدث عن "الروح اليهودية"، موضحًا أنه يقف احترامًا للنشيد لكنه لا يغنيه لأن مضمونه لا يعكس هويته الوطنية.  ولم يتوقف الأمر عند ذلك. ففي عام 2012 دافع نائب رئيس المحكمة العليا آنذاك إلياكيم روبنشتاين عن حق القاضي سليم جبران في عدم الإنشاد، مؤكدًا أن المواطنين العرب مطالبون باحترام النشيد بالوقوف له، لكن لا يمكن مطالبتهم بغناء كلمات لا تتحدث إلى قلوبهم ولا تعكس جذورهم، وأن قرار الغناء أو عدمه هو قرار شخصي. 

إذا كان قاضٍ في المحكمة العليا، رمزًا للمنظومة القانونية الإسرائيلية، يتمتع بهذا الحق ويجد من يدافع عنه من داخل المؤسسة نفسها، فبأي منطق يتحول لاعب كرة قدم عربي إلى "خائن" لأنه اتخذ الموقف ذاته؟

الحقيقة التي يرفض كثيرون في إسرائيل مواجهتها هي أن المشكلة ليست في عنان خلايلة، بل في طبيعة النشيد نفسه. "هتكفا" ليس نشيدًا مدنيًا يتحدث عن قيم المواطنة المشتركة أو المساواة بين جميع أبناء الدولة. إنه نشيد قومي يهودي صريح، يتحدث عن الشوق اليهودي والروح اليهودية والحلم اليهودي. بالنسبة للأغلبية اليهودية، هذا أمر طبيعي ومفهوم. أما بالنسبة للعرب الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، فمن الطبيعي أيضًا ألا يشعر كثيرون منهم بأن هذه الكلمات تمثلهم.

ومع ذلك، يُطلب من العربي باستمرار أن يقوم بما لا يُطلب من غيره: أن يتجاوز ذاكرته وتاريخه ومشاعره، وأن يردد كلمات لا تعبر عنه، فقط لكي يثبت أنه "مواطن جيد". وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالمواطنة لا تُقاس بالتصفيق للرموز، بل بالالتزام بالقانون والمشاركة في المجتمع واحترام حقوق الآخرين.

القانون في الدول الديمقراطية يحمي حرية التعبير، وهذه الحرية لا تعني فقط حق الإنسان في الكلام، بل أيضًا حقه في الامتناع عن التعبير. وقد اعتبرت المنظومة القضائية الإسرائيلية نفسها حرية التعبير قيمة أساسية في النظام الديمقراطي.  ومن هذا المنطلق، فإن إجبار شخص على التعبير عن مشاعر لا يؤمن بها يتناقض مع جوهر الحرية نفسها.

ما يزعج بعض 
المنتقدين ليس أن عنان خلايلة خالف قانونًا، لأنه لم يخالف أي قانون. وما يزعجهم ليس أنه أساء إلى أحد، لأنه لم يُهن أحدًا. ما يزعجهم فعلًا هو أنه رفض أداء دور العربي "المريح" الذي يصفق ويغني ويبتسم حتى لو لم يشعر بانتماء حقيقي للرموز التي أمامه.

المفارقة أن الأغلبية اليهودية تطالب الأقلية العربية دائمًا بفهم حساسياتها واحترام رموزها التاريخية والدينية والقومية، لكنها تغضب عندما تطالب الأقلية بالمعاملة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن شراكة ومساواة بينما يُمنع العربي حتى من حقه في الصمت؟

إن المجتمع الديمقراطي الناضج لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين يرددون النشيد، بل بقدرته على استيعاب من لا يرددونه. فالثقة بالنفس لا تحتاج إلى الإكراه. والهوية القوية لا تخاف من مواطن يقف بصمت واحترام. أما تحويل الصمت إلى تهمة، واعتبار عدم الإنشاد دليلًا على الخيانة، فهو تعبير عن أزمة ثقة لا عن قوة وطنية.

لذلك، فإن الدفاع عن حق العربي في عدم إنشاد النشيد ليس دفاعًا عن عنان خلايلة فقط، بل دفاع عن مبدأ ديمقراطي أساسي: لا يجوز أن تكون المواطنة مشروطة بالتخلي عن الهوية الذاتية، ولا يجوز أن تتحول الرموز الوطنية إلى أداة لامتحان الولاء. فمن حق المواطن العربي أن يحترم نفسه دون أن يغنيه، وأن يحترم القانون دون أن يتخلى عن روايته وهويته وانتمائه القومي.

وحتى تعترف الدولة فعلاً بأنها دولة جميع مواطنيها، سيبقى السؤال قائمًا: لماذا يُطلب من العربي دائمًا إثبات ولائه، بينما لا يُطلب من الدولة أن تثبت أنها تراه مواطنًا كامل المساواة؟

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد