23° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪€يورو 3.42 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

قبل باريس كانت وهران ..الحكاية الجزائرية لإيف سان لوران

قبل أن تعرف باريس اسم إيف سان لوران كان هناك فتى صغير في وهران يعرف أن للثياب لغة أخرى غير تلك التي نرتديها كل صباح. كان يرى في الفستان مشهدا وفي اللون شخصية وفي القماش حكاية يمكن أن تبدأ من دون كلمة واحدة.

س م سارة محمد مرزوڨي- جزائرية مقالات نُشر: 06/10/2026 الساعة 09:52
حجم الخط
قبل باريس كانت وهران ..الحكاية الجزائرية لإيف سان لوران
قبل باريس كانت وهران ..الحكاية الجزائرية لإيف سان لوران

قبل أن تعرف باريس اسم إيف سان لوران كان هناك فتى صغير في وهران يعرف أن للثياب لغة أخرى غير تلك التي نرتديها كل صباح. كان يرى في الفستان مشهدا وفي اللون شخصية وفي القماش حكاية يمكن أن تبدأ من دون كلمة واحدة.

في الأول من أغسطس عام 1936 ولد إيف ماثيو سان لوران في وهران. لم يكن أحد يومها يعرف أن المدينة المتوسطية ستمنح العالم بعد سنوات واحدا من أكثر الأسماء تأثيرا في تاريخ الأزياء الحديثة. كان طفلا خجولا وحساسا نشأ في أسرة ميسورة تنتمي إلى المجتمع الوهراني آنذاك. والده شارل كان يدير شركة للتأمين ويمتلك سلسلة من دور السينما بينما كانت والدته لوسيان مولعة بالأناقة والملابس. وفي ذلك البيت الواقع في شارع ستورا بحي الهضبة سان ميشال بدأت الحكاية الأولى.

لكن وهران التي عاش فيها إيف سان لوران لم تكن مجرد خلفية جغرافية في سيرته. كانت مدينة متعددة الوجوه والألوان والثقافات. مدينة متوسطية مفتوحة على البحر وعلى حركة التجار والوافدين وعلى المسرح والسينما والأوبرا والمجلات القادمة من عوالم أخرى. وحين تحدث سان لوران عن طفولته بعد سنوات قال جملة تختصر علاقة كاملة بالمكان: «كان عالمنا آنذاك وهران وليس باريس».

ربما لهذا تبدو قصة إيف سان لوران مختلفة عن قصص كثير من الذين غادروا مدنهم بحثا عن المجد. فهو لم يغادر فراغا إلى باريس. غادر وهو يحمل معه عالما كاملا تشكل في وهران. في البيت كانت والدته أول معرض أزياء يراه بعيني طفل. كان يراقب فساتينها وملابس السهرات ويتأمل تفاصيلها. وفي الوقت نفسه كان يقرأ الأدب ومجلات الموضة بشغف. لم يكن الرسم بالنسبة إليه هواية عابرة. كان طريقة في النظر إلى الأشياء ومحاولة لإعادة ترتيب العالم على الورق.

ثم جاء المسرح. في عام 1950 شاهد في وهران عرضا لمسرحية «مدرسة النساء» لموليير بإخراج لويس جوفيه وبتصميمات وأزياء الفنان كريستيان بيرار. كان عمره آنذاك نحو ثلاثة عشر عاما. لم تكن تلك الأمسية مجرد عرض مسرحي بالنسبة إلى الفتى الذي سيصبح لاحقا مصمم أزياء. لقد كانت اكتشافا بصريا. الأزياء والديكور والحركة والضوء كلها اجتمعت أمامه لتقول له إن الجمال يمكن أن يصنع عالما كاملا. ويذكر متحف إيف سان لوران أن هذا العرض كان من التجارب المسرحية الأولى التي شكلت لديه صدمة فنية عميقة.

ومن هنا بدأ الطفل يصنع مسرحه الخاص. أنشأ «مسرحه الصغير الشهير» وهي خشبة مصغرة تتحرك فوقها شخصيات من الورق المقوى كان يصمم لها الملابس والديكورات. لم يكن يعرف أنه يتدرب منذ ذلك الوقت على مهنة ستضع اسمه بعد سنوات على واجهات أشهر دور الأزياء في العالم. كان فقط يفعل ما يفعله طفل وجد عالمه الخاص.

وهنا ربما تكمن واحدة من أجمل مفارقات قصته. قبل أن يصمم للنساء الحقيقيات كان يصمم لشخصيات من الورق. وقبل أن تعرض أعماله في باريس كان يختبر الألوان والقصات والملابس في مسرح صغير داخل عالمه الوهراني. وقبل أن يصبح اسمه علامة عالمية كان يكتشف أن الثوب لا يغطي الجسد فقط بل يمكن أن يمنحه شخصية وحضورا وحكاية.

حتى عائلته كانت تضعه بطريقة أو بأخرى في قلب عالم الثقافة والعرض. والده كان يمتلك سلسلة من دور السينما كما كانت الأسرة ترتاد المسرح والأوبرا. وفي البيت كانت هناك مجلات الموضة والملابس والأحاديث عن العروض والموضة. لذلك لم تكن الفنون بالنسبة إلى سان لوران عالما بعيدا يكتشفه لاحقا في باريس. لقد كانت جزءا من طفولته اليومية.
وحين وصل إلى باريس في سبتمبر 1954 لم يصل إليها كصفحة بيضاء.
كان يحمل معه رسومات أنجزها في وهران وتجارب مسرحية وشغفا بالموضة وعينا تشكلت في مدينة وصفها بنفسه بأنها عالمه الأول. ويشير متحف إيف سان لوران إلى أن كثيرا من رسوماته التي أنجزها في سنوات مراهقته في وهران بقيت شاهدة على بداياته وعلى اهتمامه المبكر بالأدب والمسرح والباليه والموضة.

بعد ذلك ستتغير القصة.
باريس ستفتح له أبوابها. وسيدخل عالم الأزياء الكبرى. وسيتعرف إلى كريستيان ديور ثم يعمل في داره قبل أن يؤسس لاحقا داره الخاصة. وسيتحول الاسم الذي خرج من وهران إلى واحدة من أشهر العلامات في تاريخ الموضة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس كيف صنعت باريس إيف سان لوران.
بل ماذا كانت وهران قد صنعت فيه قبل باريس؟
ليس من السهل أن نضع مدينة كاملة في تصميم فستان. ولا يمكن القول إن كل ما حققه سان لوران كان نتيجة مباشرة لطفولته الوهرانية. لكن من الصعب أيضا تجاهل البدايات التي وثقها متحفه بنفسه: البيت في شارع ستورا، الأم وفساتينها، مجلات الموضة، المسرح، السينما، الرسومات الأولى، والشخصيات الورقية التي كان يمنحها ملابس من خياله.
كل ذلك كان يحدث في وهران.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن إيف سان لوران لم يحتج إلى أن يكون وهرانيا بالمعنى الذي نستخدمه اليوم حتى تصبح وهران جزءا من قصته. يكفي أنه ولد فيها وعاش طفولته ومراهقته فيها حتى الثامنة عشرة تقريبا وأن المدينة كانت المسرح الأول لمخيلته. وحين غادرها كانت قد تركت في عينيه شيئا لا يمكن قياسه بسهولة.
غادر إلى باريس لكنه لم يغادر من الصفر.
أخذ معه الضوء المتوسطي والمدينة متعددة الألوان والذاكرة الأولى للمسرح وصورة أمه وهي ترتدي فساتينها ودهشة الطفل أمام الديكور والأزياء. أخذ معه تلك القدرة المبكرة على رؤية ما وراء الأشياء.
وهذا ربما هو سر العلاقة بين الفنان ومدينته الأولى.
الفنان قد يغادر المكان لكن المكان لا يغادر الفنان بالسهولة نفسها.
قد تتغير اللغة والبلد والعنوان وتكبر الشهرة ويتحول الاسم إلى علامة تجارية عالمية لكن هناك دائما مدينة أولى تختبئ في مكان ما بين خطوط اليد وفي طريقة اختيار اللون وفي الذاكرة التي تسبق الشهرة.
كانت باريس محطة المجد في حياة إيف سان لوران.

أما وهران فكانت البداية.

ولهذا فإن الحديث عن إيف سان لوران لا يكتمل إذا اختصرناه في باريس وبيوت الأزياء والعروض العالمية. هناك فصل جزائري في هذه الحكاية يستحق أن يروى لا باعتباره هامشا في سيرة مصمم عالمي وإنما باعتباره جزءا من تكوينه الإنساني والفني.
لقد خرج إيف سان لوران من وهران شابا يحمل أحلامه ورسوماته.
ثم ذهب إلى باريس ليصنع الموضة.
لكن قبل أن يصنع العالم ثياب إيف سان لوران كانت وهران قد علمته كيف يرى.
وربما لهذا، حين نعود اليوم إلى الطفل الذي كان يقف في مدينة متوسطية صغيرة أمام مسرح وفساتين ومجلات وأوراق ملونة، نستطيع أن نفهم شيئا من الحكاية التي جاءت بعد ذلك.

لم تكن باريس هي البداية.

قبل باريس كانت وهران.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد