من قاعات المؤتمرات إلى غرف الصف: أين يختبئ الأثر التربوي؟
تتزايد في الآونة الأخيرة المؤتمرات والندوات التربوية في البلاد، بمبادرة سلطات محلية ومؤسسات رسمية، وبمشاركة قيادات تربوية وخبراء من الداخل والخارج، وتتناول الابتكار والذكاء الاصطناعي وسد الفجوات التعليمية. ولا شك أن لقاء أصحاب الخبرة بالعاملين في الميدان قد يحمل قيمة مهنية حقيقية. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت عالٍ هو: هل تنعكس مخرجات هذه المؤتمرات على أداء المعلم وتعلّم الطالب وتقليص الفجوات؟ وكيف نعرف ذلك إذا كانت المعلومات عن نتائجها وتكاليفها شبه غائبة؟
تتزايد في الآونة الأخيرة المؤتمرات والندوات التربوية في البلاد، بمبادرة سلطات محلية ومؤسسات رسمية، وبمشاركة قيادات تربوية وخبراء من الداخل والخارج، وتتناول الابتكار والذكاء الاصطناعي وسد الفجوات التعليمية. ولا شك أن لقاء أصحاب الخبرة بالعاملين في الميدان قد يحمل قيمة مهنية حقيقية. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت عالٍ هو: هل تنعكس مخرجات هذه المؤتمرات على أداء المعلم وتعلّم الطالب وتقليص الفجوات؟ وكيف نعرف ذلك إذا كانت المعلومات عن نتائجها وتكاليفها شبه غائبة؟
فنجاح أي مؤتمر تربوي لا ينبغي أن يُقاس بعدد المشاركين ولا بفخامة القاعة ولا بعدد الصور المنشورة، بل بما حدث بعد انتهائه: هل عاد المعلم إلى مدرسته بأدوات قابلة للتطبيق؟ وهل حصل المدير على حلول عملية لتحديات طاقمه؟ وهل وُضعت برامج لمرافقة المدارس التي تعاني من فجوات؟ وإلا تحولت المؤتمرات من وسيلة للتغيير إلى غاية بحد ذاتها، وبقيت الفجوة قائمة بين الخطاب التربوي الجميل والواقع اليومي الْكَئِيبُ في الصف.
ماذا تقول الأبحاث؟
تؤكد مراجعة علمية ( Scientific Review ) أعدها معهد «موفت» عام 2018 بعنوان «فاعلية التطوير المهني» (للبروفيسور دانيال شبرلينغ والدكتورة ليئات يوسفبرغ بن يهوشع، פרופ' דניאל שפרלינג וד"ר ליאת יוספברג בן יהושע) أن التطوير المهني الفعّال لا يقتصر على الاستماع إلى المحاضرات، بل يتطلب تعلّمًا نشطًا وتطبيقًا عمليًا وتغذية راجعة وعملًا ضمن مجتمعات مهنية، إلى جانب تقييم أثر البرامج في أداء المعلمين والطلاب. كما تشير إلى أن إطالة البرنامج لا تضمن نجاحه.
وفي دراسة TALIS 2024 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تشرين الأول 2025، أفاد 56% من المعلمين في إسرائيل بأن أنشطة التطوير المهني التي شاركوا فيها خلال عام كان لها أثر إيجابي على تدريسهم، وذكر 62% أن ضيق الوقت يشكل عائقًا أمام مشاركتهم. هذه المعطيات لا تتناول المؤتمرات وحدها ولا تُعدّ حكمًا على جدواها، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: كم من المؤتمرات يوفّر فعلًا شروط التطوير المهني الناجح، وكم منها يكتفي بمحاضرات وكلمات رسمية دون مسار تطبيقي يتبعها؟
وماذا عن مدارسنا؟
يكتسب السؤال إلحاحًا خاصًا في المدارس العربية في إسرائيل، التي تواجه فجوات في الموارد والبنى التحتية والتحصيل وفرص التعلّم. فهل تعالج مواضيع المؤتمرات وتوصياتها هذه الفجوات تحديدًا؟ وهل يشارك فيها معلمو هذه المدارس ومديروها ومرشدوها بصفتهم شركاء في طرح الحلول، أم يكتفون بدور الجمهور؟ وهل تصل مخرجاتها إلى المدارس التي لم يتمكن طاقمها من الحضور؟ فالمعلم في صف مكتظ لا يحتاج إلى محاضرة عن التعليم المتمايز أو الذكاء الاصطناعي بقدر حاجته إلى تدريب عملي وموارد ومرافقة تتيح له تطبيقهما.
ولا مشكلة في التوثيق الإعلامي وإبراز الجهود المبذولة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصور الجماعية والكلمات الترحيبية وقوائم المناصب هي الإنجاز الأبرز، بينما لا نجد إجابات واضحة عن النتائج المهنية والتربوية: هل توجد متابعة للمعلمين والمديرين المشاركين؟ وهل تُقاس جودة ما طُرح؟ وهل من مؤشرات تكشف إن كانت الفجوات قد تقلصت؟
فما هو المطلوب:
1.خطة تنفيذية: ربط كل مؤتمر بأهداف واضحة ومسؤوليات محددة وجدول زمني للمتابعة.
2.إشراك الميدان: منح المعلمين والمديرين والمرافقين التربويين مساحة حقيقية لعرض التحديات والحلول، لا الاكتفاء بدور الجمهور.
3.من المحاضرة إلى التطبيق: ورشات عملية ونماذج دروس وتجارب ميدانية يمكن نقلها إلى المدارس.
4.قياس الأثر: تقييم بعد المؤتمر بفترة زمنية لمعرفة ما طُبّق وما الذي تغيّر في الممارسات التعليمية.
الطالب هو المعيار
قد ينجح المؤتمر تنظيميًا وتكون محاضراته ثرية وضيوفه مرموقين، لكن ذلك لا يكفي لإثبات نجاحه التربوي. فالسؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مؤتمر، قبل انعقاده وبعد انتهائه، هو: ماذا سيكسب الطالب من هذا اللقاء؟
ليس المهم كم شخصًا صعد إلى المنصة، بل كم طالبًا استفاد في غرفة الصف. وهنا فقط نميّز بين مؤتمر يصنع تغييرًا تربويًا، ومؤتمر يصنع ضجيجًا إعلاميًا.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المنصات التي تتحدث عن مستقبل التعليم بقدر حاجتنا إلى مدارس تصنع هذا المستقبل فعلًا، ولا إلى مؤتمرات تُقاس قيمتها بعدد الحضور والصور، بل إلى مؤتمرات يُقاس أثرها بما يحدث في حياة الطلاب وفي غرفهم الصفية.