23° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪€يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

بين ستة قتلى وبيان احتفالي: كيف تُصنع الإنجازات على الورق؟

عندما يكون الفارق هامشيًا، يصبح الترويج له أعلى صوتًا من الحقيقة نفسها
في كل مرة تُنشر فيها معطيات ضحايا الجريمة في المجتمع العربي، يفترض أن يكون النقاش حول حجم المأساة، وأسباب استمرارها، والوسائل الحقيقية للحد منها. لكن ما نراه في كثير من الأحيان هو محاولة لتحويل أرقام ثقيلة ومؤلمة إلى مادة للاحتفاء الإعلامي والتسويق المؤسسي، حتى عندما لا تكون المؤشرات كافية لتبرير هذا الخطاب المتفائل.
الشرطة أعلنت عن انخفاض في عدد جرائم القتل مقارنة بالفترة الموازية من العام الماضي، مستندة إلى تراجع عدد الضحايا من 187 إلى 181 قتيلًا. وعلى الفور، أُرفقت هذه المعطيات بسلسلة طويلة من العبارات المألوفة حول "النشاط الشرطي المكثف" و"العمل الاستخباراتي" و"مكافحة المنظمات الإجرامية" و"السياسة الحازمة" في مواجهة الجريمة.
لكن بعيدًا عن العناوين الكبيرة، تبقى الحقيقة الرقمية بسيطة للغاية: الفارق الفعلي بين العامين هو ستة ضحايا فقط.
ستة أشخاص لا أكثر.
هذا يعني أن نسبة الانخفاض البالغة 3.2% ليست مؤشرًا كافيًا للحديث عن تحول جذري أو نجاح استثنائي أو تغيير نوعي في الواقع الأمني. بل إن هذه النسبة ضئيلة إلى درجة أن وفاة عدد محدود من المصابين الذين ما زالوا يتلقون العلاج كان من شأنها أن تمحو هذا الفارق بالكامل خلال فترة قصيرة.
ومن هنا تبرز المشكلة الأساسية: ليست في الأرقام نفسها، بل في طريقة تقديمها للجمهور. فعندما يُعرض تراجع محدود جدًا على أنه إنجاز كبير، يصبح التسويق أهم من المضمون، وتصبح الصورة الإعلامية أكثر بروزًا من الواقع الذي يفترض أن تعكسه.
فلو كانت الشرطة تتحدث عن انخفاض بعشرات النسب المئوية، أو عن تراجع مستمر ومتراكم على امتداد عدة سنوات، لكان بالإمكان التعامل مع تلك الادعاءات بجدية أكبر. أما عندما يكون الفارق ستة ضحايا فقط من أصل مئات الضحايا، فإن الحذر في استخلاص النتائج يصبح واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا.
الأكثر دلالة أن المعطيات نفسها لا تشير إلى تغير جوهري في طبيعة الجريمة. فما زال السلاح هو العامل المركزي في عمليات القتل، وما زالت حوادث إطلاق النار تشكل الجزء الأكبر من جرائم القتل. وما زالت أخبار القتل وإطلاق النار تتصدر المشهد بصورة شبه يومية. وإذا كان الواقع على الأرض لم يتغير بصورة ملموسة بالنسبة للمواطن العادي، فمن الصعب إقناعه بأن تغييرًا حقيقيًا قد حدث بمجرد قراءة بيان صحفي متفائل.
السؤال الأكثر أهمية هو: هل يشعر الناس فعلًا بهذا التحسن المعلن؟
هل تراجعت حالة الخوف في الشوارع؟
هل انخفضت ظاهرة السلاح غير القانوني بشكل واضح؟
هل تراجعت قدرة منظمات الإجرام على فرض نفوذها؟
وهل أصبح المواطن يشعر أن حياته أكثر أمانًا مما كانت عليه قبل عام؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة، فإن الاكتفاء بالحديث عن نسبة 3% يبدو أقرب إلى محاولة لصناعة انطباع إيجابي منه إلى تقديم تقييم موضوعي للواقع.
لا أحد ينكر أهمية أي انخفاض في عدد الضحايا، فكل حياة تُنقذ لها قيمة لا تُقدّر بثمن. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز التعامل مع فارق محدود للغاية وكأنه تحول تاريخي. فحين يكون عدد القتلى 181 إنسانًا خلال أقل من عام، تبقى الصورة العامة مقلقة مهما كان الفارق عن العام السابق.
المجتمع لا يحتاج إلى منافسة سنوية بين رقم وآخر، ولا إلى مقارنات تسمح بإعلان الانتصار كلما انخفض عدد الضحايا ببضع حالات. ما يحتاجه فعلًا هو استراتيجية تؤدي إلى انخفاض حقيقي ومستدام في الجريمة، وتفكيك فعلي لعصابات الإجرام، ومصادرة واسعة للسلاح غير القانوني، ورفع ملموس لمستوى الأمان الشخصي.
حتى يتحقق ذلك، سيبقى من حق الجمهور أن يتعامل بحذر مع البيانات الاحتفالية. لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بمدى براعة صياغة البيان، بل بمدى التغيير الذي يلمسه الناس في حياتهم اليومية. وعندما يكون الإنجاز المعلن قائمًا على فارق ستة ضحايا فقط، فإن السؤال المشروع ليس: لماذا تتحدثون عن النجاح؟ بل: هل تغير الواقع فعلًا بالقدر الذي تحاولون إقناعنا به؟

م د محمد دراوشة مقالات نُشر: 25/09/2026 الساعة 21:29
حجم الخط
بين ستة قتلى وبيان احتفالي: كيف تُصنع الإنجازات على الورق؟
بين ستة قتلى وبيان احتفالي: كيف تُصنع الإنجازات على الورق؟

عندما يكون الفارق هامشيًا، يصبح الترويج له أعلى صوتًا من الحقيقة نفسها
في كل مرة تُنشر فيها معطيات ضحايا الجريمة في المجتمع العربي، يفترض أن يكون النقاش حول حجم المأساة، وأسباب استمرارها، والوسائل الحقيقية للحد منها. لكن ما نراه في كثير من الأحيان هو محاولة لتحويل أرقام ثقيلة ومؤلمة إلى مادة للاحتفاء الإعلامي والتسويق المؤسسي، حتى عندما لا تكون المؤشرات كافية لتبرير هذا الخطاب المتفائل.
الشرطة أعلنت عن انخفاض في عدد جرائم القتل مقارنة بالفترة الموازية من العام الماضي، مستندة إلى تراجع عدد الضحايا من 187 إلى 181 قتيلًا. وعلى الفور، أُرفقت هذه المعطيات بسلسلة طويلة من العبارات المألوفة حول "النشاط الشرطي المكثف" و"العمل الاستخباراتي" و"مكافحة المنظمات الإجرامية" و"السياسة الحازمة" في مواجهة الجريمة.
لكن بعيدًا عن العناوين الكبيرة، تبقى الحقيقة الرقمية بسيطة للغاية: الفارق الفعلي بين العامين هو ستة ضحايا فقط.
ستة أشخاص لا أكثر.
هذا يعني أن نسبة الانخفاض البالغة 3.2% ليست مؤشرًا كافيًا للحديث عن تحول جذري أو نجاح استثنائي أو تغيير نوعي في الواقع الأمني. بل إن هذه النسبة ضئيلة إلى درجة أن وفاة عدد محدود من المصابين الذين ما زالوا يتلقون العلاج كان من شأنها أن تمحو هذا الفارق بالكامل خلال فترة قصيرة.
ومن هنا تبرز المشكلة الأساسية: ليست في الأرقام نفسها، بل في طريقة تقديمها للجمهور. فعندما يُعرض تراجع محدود جدًا على أنه إنجاز كبير، يصبح التسويق أهم من المضمون، وتصبح الصورة الإعلامية أكثر بروزًا من الواقع الذي يفترض أن تعكسه.
فلو كانت الشرطة تتحدث عن انخفاض بعشرات النسب المئوية، أو عن تراجع مستمر ومتراكم على امتداد عدة سنوات، لكان بالإمكان التعامل مع تلك الادعاءات بجدية أكبر. أما عندما يكون الفارق ستة ضحايا فقط من أصل مئات الضحايا، فإن الحذر في استخلاص النتائج يصبح واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا.
الأكثر دلالة أن المعطيات نفسها لا تشير إلى تغير جوهري في طبيعة الجريمة. فما زال السلاح هو العامل المركزي في عمليات القتل، وما زالت حوادث إطلاق النار تشكل الجزء الأكبر من جرائم القتل. وما زالت أخبار القتل وإطلاق النار تتصدر المشهد بصورة شبه يومية. وإذا كان الواقع على الأرض لم يتغير بصورة ملموسة بالنسبة للمواطن العادي، فمن الصعب إقناعه بأن تغييرًا حقيقيًا قد حدث بمجرد قراءة بيان صحفي متفائل.
السؤال الأكثر أهمية هو: هل يشعر الناس فعلًا بهذا التحسن المعلن؟
هل تراجعت حالة الخوف في الشوارع؟
هل انخفضت ظاهرة السلاح غير القانوني بشكل واضح؟
هل تراجعت قدرة منظمات الإجرام على فرض نفوذها؟
وهل أصبح المواطن يشعر أن حياته أكثر أمانًا مما كانت عليه قبل عام؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة، فإن الاكتفاء بالحديث عن نسبة 3% يبدو أقرب إلى محاولة لصناعة انطباع إيجابي منه إلى تقديم تقييم موضوعي للواقع.
لا أحد ينكر أهمية أي انخفاض في عدد الضحايا، فكل حياة تُنقذ لها قيمة لا تُقدّر بثمن. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز التعامل مع فارق محدود للغاية وكأنه تحول تاريخي. فحين يكون عدد القتلى 181 إنسانًا خلال أقل من عام، تبقى الصورة العامة مقلقة مهما كان الفارق عن العام السابق.
المجتمع لا يحتاج إلى منافسة سنوية بين رقم وآخر، ولا إلى مقارنات تسمح بإعلان الانتصار كلما انخفض عدد الضحايا ببضع حالات. ما يحتاجه فعلًا هو استراتيجية تؤدي إلى انخفاض حقيقي ومستدام في الجريمة، وتفكيك فعلي لعصابات الإجرام، ومصادرة واسعة للسلاح غير القانوني، ورفع ملموس لمستوى الأمان الشخصي.
حتى يتحقق ذلك، سيبقى من حق الجمهور أن يتعامل بحذر مع البيانات الاحتفالية. لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بمدى براعة صياغة البيان، بل بمدى التغيير الذي يلمسه الناس في حياتهم اليومية. وعندما يكون الإنجاز المعلن قائمًا على فارق ستة ضحايا فقط، فإن السؤال المشروع ليس: لماذا تتحدثون عن النجاح؟ بل: هل تغير الواقع فعلًا بالقدر الذي تحاولون إقناعنا به؟

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد