الطبيب العربي يتحول إلى هدف: العنصرية تخلع قناعها الأبيض
في المجتمعات السليمة يُحاسَب الإنسان على أفعاله، أما في أجواء التحريض والعنصرية في إسرائيل فيُدان العربي بسبب هويته فقط. هذا بالضبط ما يحدث عندما تُوجَّه اتهامات خطيرة إلى الأطباء العرب دون دليل، وتُصوَّر طواقم طبية كاملة وكأنها خطر على المرضى لمجرد انتمائها القومي.
في المجتمعات السليمة يُحاسَب الإنسان على أفعاله، أما في أجواء التحريض والعنصرية في إسرائيل فيُدان العربي بسبب هويته فقط. هذا بالضبط ما يحدث عندما تُوجَّه اتهامات خطيرة إلى الأطباء العرب دون دليل، وتُصوَّر طواقم طبية كاملة وكأنها خطر على المرضى لمجرد انتمائها القومي.
إن الادعاء بأن أطباء عربًا "يسممون" المرضى اليهود ليس مجرد تصريح عابر أو رأيًا مثيرًا للجدل، بل اتهام خطير يضرب أسس المهنة الطبية ويحوّل آلاف الأطباء والممرضين إلى متهمين جماعيًا.
والأخطر من ذلك أنه يزرع الشك والخوف بين المريض والطبيب، ويغذي خطاب الكراهية والعنصرية، في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في أي مجتمع: المؤسسة الصحية.
الأطباء العرب لم يدخلوا المستشفيات بوصفهم ممثلين لقومية أو حزب أو تيار سياسي، بل بوصفهم أصحاب مهنة ورسالة إنسانية. على مدار عقود كانوا في الصفوف الأولى داخل غرف العمليات وأقسام الطوارئ ووحدات العناية المكثفة، يعالجون الجميع دون تمييز. لم يسألوا الجريح عن قوميته قبل إسعافه، ولم يسألوا المريض عن دينه قبل علاجه. كان الإنسان هو المعيار الوحيد.
لكن يبدو أن هناك من يريد اليوم محو هذه الحقيقة واستبدالها بسردية قائمة على الخوف والتحريض. فبدلاً من الاحتفاء بالأطباء الذين ينقذون الأرواح، يُراد تحويلهم إلى أهداف سهلة لحملات التشويه الحقيرة. وبدلاً من محاسبة الأفراد وفق القانون إذا ارتكبوا أي مخالفة، يتم تجريم مجتمع مهني كامل على أساس الهوية فقط.
إن هذا النوع من الخطاب الوقح لا يستهدف الأطباء العرب وحدهم، بل يهدد المجتمع بأكمله. فعندما تنهار الثقة بين الطبيب والمريض، يخسر الجميع، عرباً ويهوداً. وعندما تصبح العنصرية أعلى صوتًا من الحقائق، يصبح الكذب أداة سياسية والاجتهاد المهني موضع شك.
والأخطر أن الصمت أمام هذه الاتهامات يمنحها شرعية غير مباشرة. فالتاريخ يعلمنا أن حملات الكراهية لا تبدأ بالعنف، بل تبدأ بالكلمات. تبدأ باتهام جماعي، ثم تتطور إلى تحريض، ثم تتحول إلى تمييز وإقصاء وحتى اعتداءات فعلية. لذلك فإن مواجهة هذه الادعاءات ليست خيارًا، بل واجب أخلاقي وقانوني.
إن الطبيب العربي لا يحتاج إلى شهادة نزاهة من المحرضين. آلاف المرضى الذين عالجهم، وعشرات الآلاف من العائلات التي استفادت من تفانيه وخبرته، هم الشهادة الحقيقية.
الحقيقة المقلقة أن هذه الأكاذيب لم تعد مجرد زلات فردية، بل أصبحت انعكاسًا لثقافة سياسية غذّتها سنوات طويلة من التحريض القومي. فاليمين الإسرائيلي الحاكم يتحمل مسؤولية مباشرة عن خلق بيئة يشعر فيها بعض المتطرفين بأن بإمكانهم اتهام آلاف الأطباء العرب بالتسميم والخيانة من دون أدنى دليل. وعندما تصبح العنصرية لغةً مقبولة في النقاش العام، فإن ذلك لا يحدث من تلقاء نفسه، بل نتيجة خطاب سياسي متواصل جعل من التحريض على العرب وسيلة لحصد المكاسب والشعبية. اليوم يُستهدف الطبيب العربي، وغدًا قد يُستهدف كل عربي، لأن منطق الكراهية لا يعرف حدودًا ولا يتوقف عند فئة معينة.
في النهاية، ليست القضية قضية أطباء عرب فقط، بل قضية قيم. فإما أن نتمسك بالعدالة والحقيقة والمساءلة القائمة على الأدلة، وإما أن نقبل بمنطق العنصرية الذي يحاكم الناس على أصولهم لا على أفعالهم. وعندما يصبح الطبيب هدفًا لأنه عربي، فإن العنصرية تكون قد خلعت قناعها الأبيض وكشفت وجهها الحقيقي بلا مواربة.