22° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪€يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

الشطب المتكرر ليس حادثًا انتخابيًا.. بل مشروع لإعادة تعريف المواطنة العربية

مرة أخرى، وقبيل الانتخابات مباشرة، تعود مسرحية الشطب إلى الواجهة. مرة أخرى تتحول الأحزاب العربية وقياداتها إلى متهمين دائمين في محكمة سياسية، ويُطلب منهم إثبات حقهم في الترشح والتمثيل والمشاركة، وكأن المواطنة العربية ما زالت بحاجة إلى شهادة حسن سلوك تُجدد كل دورة انتخابية.
من يظن أن ما يجري هو مجرد خلاف قانوني حول أهلية هذا المرشح أو ذاك، أو هذه القائمة أو تلك، يفوّت جوهر القضية. ما نشهده منذ سنوات ليس نقاشًا حول تطبيق القانون، بل عملية سياسية منهجية تهدف إلى تقليص الحيز الديمقراطي المتاح للعرب وإعادة رسم حدود المواطنة الفلسطينية في إسرائيل وفق شروط تضعها الأغلبية اليهودية.

م د محمد دراوشة مقالات نُشر: 24/09/2026 الساعة 07:25 آخر تحديث: الساعة 07:30
حجم الخط
الشطب المتكرر ليس حادثًا انتخابيًا.. بل مشروع لإعادة تعريف المواطنة العربية
الشطب المتكرر ليس حادثًا انتخابيًا.. بل مشروع لإعادة تعريف المواطنة العربية

مرة أخرى، وقبيل الانتخابات مباشرة، تعود مسرحية الشطب إلى الواجهة. مرة أخرى تتحول الأحزاب العربية وقياداتها إلى متهمين دائمين في محكمة سياسية، ويُطلب منهم إثبات حقهم في الترشح والتمثيل والمشاركة، وكأن المواطنة العربية ما زالت بحاجة إلى شهادة حسن سلوك تُجدد كل دورة انتخابية.
من يظن أن ما يجري هو مجرد خلاف قانوني حول أهلية هذا المرشح أو ذاك، أو هذه القائمة أو تلك، يفوّت جوهر القضية. ما نشهده منذ سنوات ليس نقاشًا حول تطبيق القانون، بل عملية سياسية منهجية تهدف إلى تقليص الحيز الديمقراطي المتاح للعرب وإعادة رسم حدود المواطنة الفلسطينية في إسرائيل وفق شروط تضعها الأغلبية اليهودية.

في كل مرة تُطرح فيها طلبات الشطب، تُرسم حدود جديدة لما يُسمح للعرب أن يقولوه، وما يُسمح لهم أن يمثلوا به جمهورهم. ومع كل قرار شطب، أو حتى مجرد مناقشة الشطب، تتآكل مساحة العمل السياسي المشروع وتضيق دائرة الآراء المقبولة. وهكذا تتحول الديمقراطية من نظام يحمي التعددية إلى نظام يطالب الأقلية بالتكيف المستمر مع مزاج الأغلبية.

والأخطر أن هذه السياسة لم تعد حكرًا على اليمين المتطرف. فكل انتخابات تكشف مجددًا حجم الهوة بين شعارات بعض أحزاب الوسط واليسار وبين ممارساتها الفعلية. فحين يحين وقت الاختبار الحقيقي، تتساقط شعارات المساواة والشراكة والعيش المشترك بسرعة مذهلة، ويظهر أن الكثيرين ما زالوا ينظرون إلى المواطنين العرب باعتبارهم أصواتًا مطلوبة يوم الانتخابات، لا شركاء متساوين في النظام السياسي.

إن تأييد شطب ممثلين منتخبين أو التواطؤ مع أجواء الإقصاء لا يمكن تبريره بالذرائع الانتخابية أو الحسابات الحزبية. فإما أن يكون حق التمثيل السياسي حقًا ديمقراطيًا ثابتًا للجميع، أو أنه ليس حقًا أصلًا. أما ادعاء الدفاع عن الديمقراطية مع الصمت أمام استهداف التمثيل العربي، فهو نفاق سياسي مكشوف لم يعد يقنع أحدًا.

الأحزاب العربية ليست المشكلة. المشكلة الحقيقية تكمن في ثقافة سياسية أصبحت ترى في الحضور العربي المستقل خطرًا يجب تطويقه بدل أن تعتبره جزءًا طبيعيًا من الحياة الديمقراطية. ولذلك فإن محاولات الشطب المتكررة لا تستهدف قوائم بعينها، بل تستهدف فكرة الشراكة السياسية المتساوية نفسها.

ما يحدث اليوم يبعث برسالة خطيرة إلى الشباب العرب مفادها أن المشاركة السياسية لا تكفي، والاندماج لا يكفي، والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية لا يكفي، لأن شرعية تمثيلهم ستبقى موضع شك كلما تغيرت الظروف السياسية. هذه رسالة مدمرة لأي نظام يدّعي الديمقراطية، لأنها تضع مواطنيه العرب أمام اختبار ولاء دائم لا يُطلب من غيرهم اجتيازه.

لكن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه المجتمع العربي هو الرد بالإحباط أو المقاطعة. فالقوى التي تدفع نحو الشطب تراهن أصلًا على تآكل الثقة السياسية لدى المواطنين العرب، وعلى انخفاض نسبة مشاركتهم في الانتخابات. وهي تدرك أن إبعاد العرب عن صناديق الاقتراع قد يحقق لها ما لا تستطيع تحقيقه عبر المنافسة الديمقراطية المباشرة.
لهذا فإن الرد يجب أن يكون معاكسًا تمامًا لما يريده أصحاب سياسة الإقصاء.

الرد لا يكون بالانسحاب من الساحة، بل باقتحامها. لا يكون بإدارة الظهر للسياسة، بل بفرض الحضور فيها. ولا يكون بمنح دعاة العنصرية ما يريدونه، بل بإفشال مخططاتهم من خلال مشاركة عربية واسعة وغير مسبوقة في الانتخابات.

إن أخطر ما في محاولات الشطب المتكررة ليس فقط استهداف هذا الحزب أو ذاك، بل محاولة زرع اليأس في نفوس المواطنين العرب ودفعهم إلى الاعتقاد بأن أصواتهم بلا قيمة وأن مشاركتهم لن تغيّر شيئًا. وهذه بالضبط الرسالة التي يجب إسقاطها.

أدعو أبناء وبنات مجتمعنا، وخاصة جيل الشباب، إلى التعامل مع الانتخابات القادمة باعتبارها معركة على المكانة والحقوق والكرامة المدنية. فكل صوت عربي هو إعلان تمسك بحقنا في المواطنة الكاملة، وكل ورقة اقتراع هي رفض عملي لسياسات الإقصاء والتهميش والعنصرية.
من يريد تقليص تمثيلنا يجب أن يواجه أعلى نسبة تصويت عربية ممكنة. ومن يريد رسم حدود جديدة لمواطنتنا يجب أن يكتشف أن هذه الحدود لا ترسمها الأحزاب العنصرية ولا لجان الانتخابات، بل يرسمها المواطنون عندما يمارسون حقهم الديمقراطي بثقة وقوة.

لذلك، يجب أن يتحول يوم الانتخابات إلى يوم رد جماعي على كل محاولات الشطب والإقصاء. رد هادئ، حضاري، ديمقراطي، لكنه صاخب في نتائجه ورسائله. فكلما ارتفعت نسبة التصويت العربية، تراجعت قدرة العنصريين على الادعاء بأنهم نجحوا في كسر الإرادة السياسية للجماهير العربية.

إن المعركة الحقيقية ليست فقط على مقعد هنا أو هناك، بل على معنى المواطنة نفسها. والرسالة التي يجب أن تخرج من مجتمعنا واضحة: نحن هنا، أصحاب حق، شركاء في هذه البلاد، وسنواصل الدفاع عن حقنا في التمثيل والتأثير والمشاركة.
أما الرد الأقوى على دعاة الإقصاء والعنصرية، فلن يكون في المؤتمرات الصحافية ولا في منشورات الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل في صناديق الاقتراع.
هناك، وفقط هناك، يمكن للجماهير العربية أن تقول كلمتها بصوتٍ لا يمكن شطبه.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد