29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

المقاومة بالقلم بقلم: ريما كمال

هل كانت محض مصادفة أن يكون تاريخ سقوط بغداد هو نفس تاريخ مذبحة دير ياسين في التاسع من نيسان؟ خمسة وخمسون عاما تفصل ما بين نكبة 1948 وكارثة 2003، ولتمرّ بعد ذلك سبع سنوات عجاف على فلسطين والعراق معا، ولتستمر الهجمة البربرية على البلدين في استهداف شامل للحضارة العربية والأرض العربية والشعب العربي. المقاومة بالقلم ولعلّ في هذا ما يفسّر التوأمة الروحية التي جمعت ما بين ابن قرية التنومة على شط العرب في العراق (أحمد مطر) وابن قرية الشجرة بالقرب من بحيرة طبرية في فلسطين (ناجي العلي). فكلاهما عانى من الفقر وقسوة الحياة والتشريد في طفولته، وكلاهما ظهرت موهبته الإبداعية رغم ذلك في بداية فترة المراهقة. ولكن العجز المالي منعهما من متابعة الدراسة فاضطرا إلى العمل المبكر لتحصيل الرزق، وتعرفا بشكل مباشر ومبكر على الواقع العربي للطبقات الكادحة، مما مكّنهما من التعبير عن هذه المعاناة بشكل إبداعي فني رافض للظلم والقهر. فكانت النتيجة الحتمية لهذه المقاومة بالقلم أن تعرّض كلاهما إلى السجن والملاحقة حتى هرب كلّ منهما إلى الكويت بحثا عن مساحة من حرية ورزق أفضل، وليجتمعا معا دون أن يعرف أحدهما الآخر بشكل شخصي في صحيفة واحدة تنشر لافتات أحمد مطر ورسوم ناجي العلي بعد أن كرّسا نفسيهما لمقاومة الأنظمة العربية والدفاع عن الناس على امتداد الوطن العربي. وتعمقت هذه التوأمة عندما ضاقت بهما الكويت والوطن العربي كله بما رحب، فاضطرا من جديد إلى التوجه إلى لندن، حيث لا شمس ولا دفء، ولكن فسحة من حرية تعبير. شر البلية ما يضحك صحب ناجي في رسوماته ابنه حنظلة، ابن العاشرة، على مدى عشرين عاما (حزيران 1967 – تموز 1987) ليحميه من أي انزلاق أو تراجع، فحنظلة لا يخاف أحدا إلا الله، فكان الابن هو الرقيب على الوالد الذي أبدع عشرات الآلاف من الرسوم الكاريكاتيرية التي فضحت عورات الأنظمة العربية وأتباعها إلى حدّ لم تعد معه هذه الأنظمة تطيق حنظلة ووالده، فقررت اغتيالهما في 22 يوليو/تموز 1987، غادرنا ناجي العلي، ولكنه لم يغادر توأمه أحمد مطر الذي أشهدنا في مرثاته أن ناجي هو آخر الأحياء. لم يكن غريبا إذن أن يشترك الاثنان بأسلوبهما الساخر المتهكم اللاذع الذي يخفي في داخله مخزونا هائلا من الأحزان قاعدته شر البلية ما يضحك. وكان من الطبيعي أن يجمعهما أسلوب مختزل بسيط مباشر لمخاطبة الناس على اختلاف ثقافاتهم في لافتات موجزة ورسوم محرضة، فقد تحيّز الاثنان – حسب تعبير ناجي العلي – "لمن هم تحت، لمن ينامون في مصر بين قبور الموت، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذا للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها". ولعلّ هذا ما جعلهما يتواصلان – وما زالا – مع الجيل الذي تعدّى الستين من العمر وصولا إلى جيل لم يتعدّ العشرين من العمر! لم يطلق أحد منهما يوما أية رصاصة لكنهما وجّها النار على كل المتآمرين والمتاجرين بحاضر ومستقبل هذه الأمة، فكانت النتيجة أنهما ألقيا بنفسيهما في منطقة الخطر بعد أن رفضا أن يتبعا نظام القبيلة. نستذكر! ومع اقتراب الذكرى الأليمة لبغداد ودير ياسين، نستذكر تعليقات ناجي العلي في لوحاته الإبداعية التي ما زالت تعبر عن واقع حالنا: "بشرفي لأحلق شواربي إذا ها الأنظمة حررت شبر من فلسطين – كل فلسطيني متهم حتى تثبت إدانته – من راقب الأنظمة مات همّا – لو كان صلاح الدين عايش كانوا اغتالوه –اللي ما بدو يقاتل إسرائيل يفرجينا عرض كتافه، تفضلوا بلا مطرود برّه – افطر مع البعلبكي واتغدى مع الزحلاوي واتعشى مع البيروتي... وقاتل مع الجنوبي – حنظلة مطلوب حيا أو ميتا". ونستذكر في الوقت ذاته لافتات أحمد مطر الذي يعاني وأمثاله الاغتراب، حاملا العراق وفلسطين وهموم الناس المقهورين، فبلادنا ما زالت كما غادرها وكما وصفها "متخمة بأمراء المخبرين.. وما زلنا ندخلها غير آمنين.. وما زال فرعون مستأثرا بخزائن قارون.. وما زلنا ملايين من الأصفار يغرق وسطها البحر وحاصل جمعها صفر.. وما زال في الأرض مخلوقان إنس وأمريكان.. وما زال الأطفال يحرقون في الثورة كي يغرق في الثروة أشباه الرجال.. وما زال عباس يضرب الأخماس بالأسداس ولم يسمع شيئا". حقا (ما أصعب الكلام) أمام قامتين كوّنتا – مع قلّة من مثليهما – ضميرا للأمة، ويبقى حنظلة ناجي العلي رقيبا علينا، وتبقى لافتات أحمد مطر شاهدة على مأساتنا، ويظلّ ناجي العلي وأحمد مطر من أوائل الأحياء.

م ا موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة مقالات نُشر: 06/04/2010 الساعة 11:42 آخر تحديث: الساعة 14:50
حجم الخط
المقاومة بالقلم بقلم: ريما كمال
المقاومة بالقلم بقلم: ريما كمال · تصوير: كل العرب

هل كانت محض مصادفة أن يكون تاريخ سقوط بغداد هو نفس تاريخ مذبحة دير ياسين في التاسع من نيسان؟ خمسة وخمسون عاما تفصل ما بين نكبة 1948 وكارثة 2003، ولتمرّ بعد ذلك سبع سنوات عجاف على فلسطين والعراق معا، ولتستمر الهجمة البربرية على البلدين في استهداف شامل للحضارة العربية والأرض العربية والشعب العربي. المقاومة بالقلم ولعلّ في هذا ما يفسّر التوأمة الروحية التي جمعت ما بين ابن قرية التنومة على شط العرب في العراق (أحمد مطر) وابن قرية الشجرة بالقرب من بحيرة طبرية في فلسطين (ناجي العلي). فكلاهما عانى من الفقر وقسوة الحياة والتشريد في طفولته، وكلاهما ظهرت موهبته الإبداعية رغم ذلك في بداية فترة المراهقة. ولكن العجز المالي منعهما من متابعة الدراسة فاضطرا إلى العمل المبكر لتحصيل الرزق، وتعرفا بشكل مباشر ومبكر على الواقع العربي للطبقات الكادحة، مما مكّنهما من التعبير عن هذه المعاناة بشكل إبداعي فني رافض للظلم والقهر. فكانت النتيجة الحتمية لهذه المقاومة بالقلم أن تعرّض كلاهما إلى السجن والملاحقة حتى هرب كلّ منهما إلى الكويت بحثا عن مساحة من حرية ورزق أفضل، وليجتمعا معا دون أن يعرف أحدهما الآخر بشكل شخصي في صحيفة واحدة تنشر لافتات أحمد مطر ورسوم ناجي العلي بعد أن كرّسا نفسيهما لمقاومة الأنظمة العربية والدفاع عن الناس على امتداد الوطن العربي. وتعمقت هذه التوأمة عندما ضاقت بهما الكويت والوطن العربي كله بما رحب، فاضطرا من جديد إلى التوجه إلى لندن، حيث لا شمس ولا دفء، ولكن فسحة من حرية تعبير. شر البلية ما يضحك صحب ناجي في رسوماته ابنه حنظلة، ابن العاشرة، على مدى عشرين عاما (حزيران 1967 – تموز 1987) ليحميه من أي انزلاق أو تراجع، فحنظلة لا يخاف أحدا إلا الله، فكان الابن هو الرقيب على الوالد الذي أبدع عشرات الآلاف من الرسوم الكاريكاتيرية التي فضحت عورات الأنظمة العربية وأتباعها إلى حدّ لم تعد معه هذه الأنظمة تطيق حنظلة ووالده، فقررت اغتيالهما في 22 يوليو/تموز 1987، غادرنا ناجي العلي، ولكنه لم يغادر توأمه أحمد مطر الذي أشهدنا في مرثاته أن ناجي هو آخر الأحياء. لم يكن غريبا إذن أن يشترك الاثنان بأسلوبهما الساخر المتهكم اللاذع الذي يخفي في داخله مخزونا هائلا من الأحزان قاعدته شر البلية ما يضحك. وكان من الطبيعي أن يجمعهما أسلوب مختزل بسيط مباشر لمخاطبة الناس على اختلاف ثقافاتهم في لافتات موجزة ورسوم محرضة، فقد تحيّز الاثنان – حسب تعبير ناجي العلي – "لمن هم تحت، لمن ينامون في مصر بين قبور الموت، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذا للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها". ولعلّ هذا ما جعلهما يتواصلان – وما زالا – مع الجيل الذي تعدّى الستين من العمر وصولا إلى جيل لم يتعدّ العشرين من العمر! لم يطلق أحد منهما يوما أية رصاصة لكنهما وجّها النار على كل المتآمرين والمتاجرين بحاضر ومستقبل هذه الأمة، فكانت النتيجة أنهما ألقيا بنفسيهما في منطقة الخطر بعد أن رفضا أن يتبعا نظام القبيلة. نستذكر! ومع اقتراب الذكرى الأليمة لبغداد ودير ياسين، نستذكر تعليقات ناجي العلي في لوحاته الإبداعية التي ما زالت تعبر عن واقع حالنا: "بشرفي لأحلق شواربي إذا ها الأنظمة حررت شبر من فلسطين – كل فلسطيني متهم حتى تثبت إدانته – من راقب الأنظمة مات همّا – لو كان صلاح الدين عايش كانوا اغتالوه –اللي ما بدو يقاتل إسرائيل يفرجينا عرض كتافه، تفضلوا بلا مطرود برّه – افطر مع البعلبكي واتغدى مع الزحلاوي واتعشى مع البيروتي... وقاتل مع الجنوبي – حنظلة مطلوب حيا أو ميتا". ونستذكر في الوقت ذاته لافتات أحمد مطر الذي يعاني وأمثاله الاغتراب، حاملا العراق وفلسطين وهموم الناس المقهورين، فبلادنا ما زالت كما غادرها وكما وصفها "متخمة بأمراء المخبرين.. وما زلنا ندخلها غير آمنين.. وما زال فرعون مستأثرا بخزائن قارون.. وما زلنا ملايين من الأصفار يغرق وسطها البحر وحاصل جمعها صفر.. وما زال في الأرض مخلوقان إنس وأمريكان.. وما زال الأطفال يحرقون في الثورة كي يغرق في الثروة أشباه الرجال.. وما زال عباس يضرب الأخماس بالأسداس ولم يسمع شيئا". حقا (ما أصعب الكلام) أمام قامتين كوّنتا – مع قلّة من مثليهما – ضميرا للأمة، ويبقى حنظلة ناجي العلي رقيبا علينا، وتبقى لافتات أحمد مطر شاهدة على مأساتنا، ويظلّ ناجي العلي وأحمد مطر من أوائل الأحياء.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد