20° الناصرة $دولار أمريكي 3.11 ₪€يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

التطرف الديني سبب هذه الجرائم البشعة

عندما يتحول الدين في عقول المتطرفين إلى أداة للقتل وسفك الدماء.

ص صال مقالات نُشر: 25/10/2026 الساعة 10:42
حجم الخط
التطرف الديني سبب هذه الجرائم البشعة
التطرف الديني سبب هذه الجرائم البشعة

عندما يتحول الدين في عقول المتطرفين إلى أداة للقتل وسفك الدماء.

إن المجزرة البشعة التي ارتُكبت بحق أناس أبرياء أثناء تشييع جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك الأردنية، ليست مجرد جريمة قتل عادية، بل جريمة إرهابية نكراء، واعتداء سافر على حرمة الإنسان وكرامته، وانتهاك لحرمة دور العبادة، وطعنة في قلب كل إنسان يؤمن بالحياة والسلام والتعايش بين أتباع الديانات المختلفة.

أي وحشية هذه التي تدفع إنسانا إلى إطلاق النار على أناس أبرياء اجتمعوا لتشييع ميت؟ وأي انحراف فكري وأخلاقي يجعل القاتل يعتقد أن قتل إنسان يخالفه في الدين أو العقيدة يمكن أن يكون عملا مشروعا؟

إننا أمام جريمة تهز الضمير الإنساني، وتفرض علينا مواجهة الحقيقة بشجاعة: عندما يتغلغل التطرف الديني في عقل الإنسان، ويُغذّى بالتكفير والكراهية والتحريض، فإنه قد يحوّل الإنسان إلى قاتل، ويحوّل الشعارات الدينية إلى غطاء لأبشع الجرائم.

إن إدانة هذه المجزرة لا تكفيها كلمات الاستنكار، بل تتطلب موقفا واضحا وحازما من الفكر الذي يزرع الكراهية في العقول، ويستبيح دماء الأبرياء، ويحاول إشعال الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.

الإسلام دين سماوي يدعو إلى عبادة الله، والعدل والإحسان، وصون كرامة الإنسان، وحفظ النفس البشرية، والتعامل مع الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة. لكن بعض المتطرفين شوّهوا صورة هذا الدين، وحوّلوا مفاهيمه إلى أدوات للتكفير والتحريض والعنف والقتل والارهاب .

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.سورة المائدة، الآية 32.

هذه الآية تحمل رسالة واضحة عن عظمة حرمة النفس البشرية وخطورة الاعتداء عليها. فكيف يمكن لمن يقتل الأبرياء، ويستهدف أناسا في مكان للعبادة، أن يدّعي الدفاع عن الإسلام؟

وكيف يمكن لمن يروّع الآمنين ويسفك الدماء أن يزعم أنه ينتصر لدين يقوم على المسؤولية الأخلاقية ومحاسبة الإنسان على أفعاله؟

إن المسلم الحقيقي لا يحتاج إلى قتل المسيحي ليثبت إيمانه، ولا إلى الاعتداء على كنيسة ليبرهن على تمسكه بدينه. والمؤمن بدينه لا يخشى وجود أتباع ديانات أخرى، بل يثق بقيمه ويحترم حق الآخرين في ممارسة معتقداتهم بحرية وأمان.

أما من يرى في اختلاف الدين سببا للقتل، فقد انحرف عن أبسط المبادئ الإنسانية، وأصبح خطرا على المجتمع الذي يعيش فيه، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

إن التطرف الديني لا يبدأ عادة بإطلاق الرصاص، بل يبدأ بفكرة متعصبة، وبخطاب يزرع في النفس احتقار الآخر ورفضه، ويصوّره عدوًا لمجرد اختلافه في الدين أو المذهب أو الرأي. وهذا التكفير يؤدي الى الارهاب وارتكاب الجرائم .

ثم تتطور هذه الأفكار عندما يقتنع المتطرف بأنه وحده يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن الآخرين ضالون أو كفار أو أعداء يستحقون العقاب. وقد يبلغ الانحراف ذروته عندما يمنح الإنسان نفسه حق الحكم على إيمان الآخرين وأرواحهم، ويقرر من يستحق الحياة ومن يجوز قتله.

هنا يصبح الفكر المتطرف تهديدا حقيقيا، لأنه لا يكتفي بإنتاج الكراهية، بل قد يتحول إلى تبرير للعنف، ثم إلى ممارسة إجرامية تستهدف الأبرياء.

إن أخطر ما في الإرهاب ذي الدوافع الدينية هو أن مرتكبه قد يتوهم أنه يفعل خيرا، بينما يرتكب شرا عظيما. وقد يظن أنه يدافع عن عقيدته، بينما يسيء إليها. وقد يعتقد أنه يخدم مجتمعه، بينما يهدم أمنه ويزرع الخوف بين أبنائه.

ولهذا، فإن مواجهة التطرف تتطلب التصدي له في مرحلته الفكرية، قبل أن يتحول إلى رصاص يقتل الأبرياء، وقنابل تدمر المنشآت، وجرائم تترك وراءها عائلات مفجوعة ومجتمعات تعيش في الخوف.

من الضروري التمييز بين الإسلام بوصفه دينا يؤمن به ملايين البشر، وبين الفكر المتطرف الذي يستغل النصوص الدينية، أو يسيء تفسيرها، أو ينتزعها من سياقها لتبرير العنف.

إن تحميل الإسلام مسؤولية جرائم المتطرفين خطأ لا يقل خطورة عن محاولة هؤلاء المتطرفين احتكار تمثيله.

إن الإسلام لا يحتاج إلى خطب طويلة للدفاع عنه بقدر ما يحتاج إلى مواجهة صادقة لكل من يسيء إليه من خلال سلوكياته وأفعاله.

فالمتطرف الذي يقتل باسم الإسلام يسيء إلى الإسلام قبل أن يسيء إلى ضحاياه، ويمنح أصحاب الأحكام المسبقة ذريعة لتعميم الكراهية، ويفتح أبواب الفتنة التي لا يستفيد منها إلا أعداء السلام والتعايش.

ولهذا، فإن التصدي للتطرف واجب ديني وأخلاقي ووطني وإنساني.

إن استهداف المسيحيين في كنيسة الكرك ليس اعتداءً على أفراد مسيحيين فحسب، بل اعتداء على مبدأ التعايش بين المواطنين، وعلى حق كل إنسان في ممارسة شعائره الدينية بأمان وكرامة.

فالمسيحيون الأردنيون جزء أصيل من المجتمع الأردني، لهم تاريخهم وإسهاماتهم وحقوقهم وواجباتهم، كما أن المسلمين والمسيحيين في سائر مجتمعاتنا شركاء في الحياة والعمل وبناء الأوطان.

إن محاربة التطرف الديني ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والدولة.فالأسرة مطالبة بتربية الأبناء على احترام الآخرين، وترسيخ قيم الرحمة والتسامح والعدل، وعدم السماح للكراهية بأن تصبح جزءا من التربية اليومية.

والمدرسة مطالبة بتعليم الطلاب التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والتمييز بين التدين الحقيقي والتعصب، وبين الحوار والتحريض.

أما المؤسسات الدينية، فعليها أن تواجه الفكر التكفيري بلا تردد، وأن توضح أن التدين لا يعني احتقار الآخرين، وأن الإيمان لا يمنح الإنسان سلطة الاعتداء على حياة الناس أو كرامتهم.

فالدين الذي لا يمنع صاحبه من قتل الأبرياء لم يفهم صاحبه جوهر الرحمة، والوطن الذي يحترم جميع أبنائه هو الوطن الذي يستحقه الجميع.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد