عَتَبَةُ العالَم
رانية مرجية
رانية مرجية
اخترعنا المقياس،
ثم اتّهمنا الخليقة
بأنها لا تستقيم.
رسمنا للعقل هيئةً واحدة،
وجعلنا للنجاة درجات،
وعلى الهامش تركنا
مَن لم يعرف الطريق
إلى أبوابنا.
في غرفةٍ ما،
طفلٌ يرتّب الضوء
على حافة النافذة،
يتتبّع خيطًا ذهبيًّا
ولا يلتفت إلى النداء.
في الخارج،
تتوالى الأصوات،
ولا يعرف أحدٌ
كيف يصل إليه.
أمّه تجمع المساء:
ملعقةً بردت،
وحذاءً ينتظر قدمًا،
وكلمةً تعثّرت
على حافة فمه.
تضحك أحيانًا،
ثم تطفئ ضوء المطبخ
وتبقى مستيقظة.
تحتاج هي أيضًا
إلى كتفٍ
لا يسألها كيف صمدت.
على الطاولة،
تقارير كثيرة
تعرف اسمه،
وتحصي خطواته،
لكنها لا تعرف
ماذا يفعل قلبه
حين يهدأ الضوء.
وكم يدٍ امتدّت إليه
لتعينه على العبور،
ثم لم تترك له
أن يختار وجهته؟
لا نريد شفقةً
تربّت على الرأس وتمضي،
ولا بطولةً زائفة
تجعل الاختلاف معجزة.
نريده إنسانًا:
لا مشروعًا لإصلاحه،
ولا مرآةً لأخلاقنا.
له أن يرفض اليد الممدودة،
وأن يفرح بما لا نفهم،
وأن يتعب من العالم
دون أن يصبح تعبُه هويّته.
أيها العقل،
ليس كل ما عجزتَ عن قراءته
خارج حدود المعنى.
كم نافذةً أغلقتها
لأن الضوء لم يأتِ
من جهتك؟
يا ربّ،
لم تضع للروح مقياسًا،
ومع ذلك
ظلَلْنا نضيّق عليها
بأسمائنا وتعريفاتنا.
في آخر الليل،
تنطفئ الشاشات،
وتبقى ملعقةٌ باردة
على طرف الطاولة،
وأمٌّ تؤجّل نومها،
وطفلٌ يمدّ إصبعه
نحو آخر خيطٍ من الضوء.
لا أحد يعرف
إلى أين يأخذه ذلك الضوء،
ولا لماذا يبتسم.
وفي الخارج،
يقف العالم أمام نافذته
للمرة الأولى،
ولا يعرف
كيف يطرق الباب.
فأيُّنا كان غريبًا حقًّا؟
مَن لم يستطع أن يشبه العالم،
أم عالمٌ
لم يتعلّم أن يتّسع للإنسان؟