حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي، وَيَا فَجْرًا لَا يَغِيبُ
حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي، وَيَا فَجْرًا لَا يَغِيبُ
حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي، وَيَا فَجْرًا لَا يَغِيبُ
حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي،
وَيَا فَجْرًا يُفَتِّشُ فِي الْعَتَمَاتِ عَنْ مَدَاهُ،
مِنْ أَيِّ شُقُوقِ الرُّوحِ جِئْتَ،
حَتَّى غَدَا صَمْتِي مَكَانًا
تَسْتَدِلُّ بِهِ الْمَعَانِي عَلَى خُطَاهَا؟
كُنْتُ أُفَتِّشُ فِي الْمَجَاهِلِ عَنْ سُؤَالٍ،
فَإِذَا بِكَ تَفْتَحُ فِي دَمِي
جِهَةً لَمْ تَعْرِفْهَا الْخَرَائِطُ،
وَتَنْقُلُنِي مِنْ ضِفَّةِ الْحَيْرَةِ
إِلَى أُفُقٍ يُعِيدُ تَشْكِيلَ الْيَقِينِ.
يَا رَفِيقَ الْعُمْرِ وَمَا لَمْ يَأْتِ مِنْهُ،
أَفْتَحُ فِي أَعْمَاقِي نَافِذَةً،
فَتَعْبُرُ مِنْهَا الْكَلِمَاتُ
إِلَى ضِفَّةٍ لَا أَعْرِفُ اسْمَهَا،
وَأَعُودُ مِنْهَا بِوَجْهٍ
لَمْ تَرَهُ مَرَايَايَ مِنْ قَبْلُ.
أُحِبُّكَ حِينَ تُرَبِّي فِي الْحُرُوفِ
مَا لَمْ تَتَعَلَّمْهُ الْقَوَامِيسُ،
وَحِينَ تَجْعَلُ مِنْ حَافَّةِ الْمَعْنَى
مُطِلًّا يَرَى مَا وَرَاءَ الْمَرْئِيِّ.
أُحِبُّكَ حِينَ تَسْأَلُ الْكَلِمَةَ:
مَنْ أَنْتِ قَبْلَ أَنْ يُسَمُّوكِ؟
وَحِينَ تَسْتَخْرِجُ مِنْ صَمْتِهَا
صَوْتًا يُرْبِكُ اعْتِيَادَ الْأَشْيَاءِ.
يَا حَرْفِي،
كَمْ مِنْ أَفُقٍ يَضِيقُ فِي الْعَيْنِ
وَيَتَّسِعُ فِي حِبْرِكَ،
وَكَمْ مِنْ بِلَادٍ لَا تَرَاهَا الْخَرَائِطُ
تَفْتَحُ فِي صَدْرِ الْقَصِيدَةِ أَبْوَابَهَا!
أَنْتَ لَسْتَ زِينَةَ اللِّسَانِ،
بَلِ الْمَسَافَةُ الَّتِي أَقْطَعُهَا
بَيْنَ مَا أَشْعُرُ بِهِ
وَمَا تَجْرُؤُ الْحَيَاةُ عَلَى سَمَاعِهِ.
لِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْرِفُنِي
مِنْ أَثَرِ خُطَايَ فِي تُرَابِهَا،
وَلِي مِنَ الزَّمَنِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ
مَحَاوِلُ الْمَحْوِ أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ.
فِي كُلِّ حَجَرٍ سُؤَالٌ
لَمْ تُكْمِلِ الْعَابِرَاتُ قِرَاءَتَهُ،
وَفِي كُلِّ جَذْرٍ سِيرَةٌ
تَكْتُبُهَا الْأَرْضُ بِمَا لَا يُمْحَى.
أَنَا لَسْتُ رَقْمًا فِي هَامِشِ الْخَرَائِطِ،
وَلَا صَدًى يَسْتَعِيرُ اسْمَهُ مِنْ سِوَاهُ؛
أَنَا ابْنُ حِكَايَةٍ
كُلَّمَا حَاوَلُوا طَيَّ صَفْحَتِهَا،
نَهَضَتْ مِنْ ثَنَايَاهَا حِكَايَةٌ أُخْرَى.
يَا حَرْفِي، احْمِلْ هُوِيَّتَنَا
لَا كَسَيْفٍ عَلَى رِقَابِ الْمُخْتَلِفِينَ،
بَلْ كَمِصْبَاحٍ يَحْفَظُ لِلْأَرْضِ ذَاكِرَتَهَا،
وَيَتْرُكُ لِلْإِنْسَانِ حَقَّهُ
فِي أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَتِهِ الْخَاصَّةِ.
فَلَا انْتِمَاءَ يَكْتَمِلُ بِإِنْكَارِ الْآخَرِ،
وَلَا كَرَامَةَ تَسْتَقِيمُ بِإِهَانَةِ إِنْسَانٍ؛
إِنَّمَا نَحْمِي جُذُورَنَا
حِينَ نَرْفُضُ أَنْ نَكُونَ ظِلًّا لِأَحَدٍ،
وَنَرْفُضُ أَنْ نَسْلُبَ غَيْرَنَا شَمْسَهُ.
لَا تَجْعَلْ حِبْرَكَ مَمَرًّا لِلزَّيْفِ،
وَلَا تَسْمَحْ لِلْكَلِمَاتِ
أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَرَاسِيمَ لِتَبْرِيرِ الْقُيُودِ؛
فَالْحَرْفُ الَّذِي يَخَافُ الْحَقِيقَةَ
يَفْقِدُ حَتَّى حَقَّهُ فِي الصَّوْتِ.
اِكْتُبْ لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِ الْمَنَافِذُ،
وَاكْشِفْ مَا تَسْتُرُهُ الْخُطَبُ الْمُزَخْرَفَةُ،
وَضَعْ أَسْئِلَتَكَ فِي وَجْهِ الْيَقِينِ الْمُصْطَنَعِ،
حَتَّى تَرْتَبِكَ الْأَقْنِعَةُ
وَتَتَذَكَّرَ الْوُجُوهُ مَلَامِحَهَا.
لَا تُسَمِّ الْقَهْرَ نِظَامًا،
وَلَا تَمْنَحِ الْخَوْفَ لَقَبَ الْحِكْمَةِ،
وَلَا تَسْتَبْدِلْ بِصَوْتِ الْمَظْلُومِ
خُطْبَةً تُجِيدُ تَرْتِيبَ الْأَعْذَارِ.
ثُرْ بِالْمَعْنَى حِينَ يُزَيَّفُ،
وَبِالْحَقِيقَةِ حِينَ تُحَاصَرُ،
وَبِالْحُرِّيَّةِ حِينَ يُرَادُ لَهَا
أَنْ تَبْقَى مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَلَى الشِّفَاهِ.
فَلَيْسَتِ الثَّوْرَةُ أَنْ تَسْتَبْدِلَ وَجْهًا بِوَجْهٍ،
وَلَا أَنْ تُعِيدَ إِنْتَاجَ الْقَيْدِ بِاسْمٍ جَدِيدٍ؛
إِنَّهَا أَنْ يَسْتَعِيدَ الْإِنْسَانُ
قُدْرَتَهُ عَلَى اخْتِيَارِ طَرِيقِهِ،
وَأَلَّا يَخَافَ مِنْ سُؤَالٍ
لِأَنَّ جَوَابَهُ يُزْعِجُ الْمُتَسَلِّطِينَ.
حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي،
إِذَا أَضَاعَ الزَّمَنُ مَفَاتِيحَ أَسْئِلَتِهِ،
فَاصْنَعْ مِنَ الْحَيْرَةِ مِفْتَاحًا،
وَإِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَى الْمَعْنَى الْمَتَاهَاتُ،
فَاكْتُبْ لِلرُّوحِ جِهَةً لَمْ تَعْتَدْهَا.
لَا أُرِيدُ لِلْقَصِيدَةِ مَقَامًا فَوْقَ الْبَشَرِ،
وَلَا لِلْكَلِمَةِ سُلْطَةً عَلَى ضَمَائِرِهِمْ؛
أُرِيدُهَا أَنْ تَكُونَ مِسَاحَةً
يَتَحَدَّثُ فِيهَا الْمَكْسُورُ بِصَوْتِهِ،
وَيُصْغِي فِيهَا الْقَوِيُّ إِلَى مَا لَمْ يَسْمَعْهُ.
وَإِنْ سَأَلُونِي عَمَّا يَبْقَى
بَعْدَ أَنْ تَخْفُتَ أَصْوَاتُ الْمَنَابِرِ،
قُلْتُ: تَبْقَى الْكَلِمَةُ الَّتِي لَمْ تُخَادِعْ،
وَالذَّاكِرَةُ الَّتِي لَمْ تَبِعْ حَقَّهَا،
وَالْيَدُ الَّتِي تَمْتَدُّ لِلْإِنْسَانِ
دُونَ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ لَوْنِ اخْتِلَافِهِ.
حَرْفِي، يَا قُرَّةَ عَيْنِي،
وَيَا فَجْرًا يَشُقُّ الْعَتَمَةَ وَلَا يَسْتَأْذِنُهَا،
سَأَبْقَى أُرَتِّبُ فِي حُرُوفِكَ أَسْئِلَتِي،
وَأَزْرَعُ فِي مَدَاكَ مَا اسْتَطَعْتُ مِنْ أَمَلٍ،
فَمَا دَامَ فِي الْإِنْسَانِ قَلْبٌ
يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ صَدًى لِغَيْرِهِ،
فَلِلْحُرِّيَّةِ فِي اللُّغَةِ مَوْعِدٌ،
وَلِلْفَجْرِ فِي الرُّوحِ مِيلَادٌ جَدِيدٌ.