ثَوْرَةُ اللُّغَةِ خَلْفَ المَقْعَدِ
جَلَسْتِ خَلْفِي، فَاسْتَفَاقَتْ لُغَتِي،
وَتَحَرَّكَتْ فِي الصَّمْتِ مِنِّي أَفْكَارِي.
مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ دَرْسَكِ لَحْظَةٌ،
تَهَبُ الحُرُوفَ مِنَ الجَمَالِ مَدَارِي.
أُلْقِي إِلَى دَفْتَرِي حُرُوفَ قَصِيدَتِي،
فَتَرُدُّ عَيْنَاكِ الحُرُوفَ إِلَى مَسَارِي.
وَإِذَا غَيَّرْتُ المَقَامَ بِمَقْعَدِي،
جَاءَتْ خُطَاكِ تَسْتَفِزُّ قَرَارِي.
فَأَقُولُ: هَلْ لِلْمَقْعَدِ السَّاكِنِ الَّذِي
جَمَعَ الخُطَى سِرٌّ يَخُبِّئُ أَسْرَارِي؟
تَلْهُو يَدَاكِ بِقَلَمِكِ، فَيَنْثَنِي
عَنِّي الدَّرْسُ، وَيَسْتَفِزُّ شِعَارِي.
وَأَنَا شَقِيٌّ فِي الحُرُوفِ، فَإِنَّنِي
أَسْتَنْبِطُ المَعْنَى وَأَكْسِرُ إِطَارِي.
وَمَرَرْتِ يَوْمًا، فَاسْتَرَاحَ عِطْرِي بِـ
قُرْبِكِ، فَصَارَ العِطْرُ بَعْضَ مَدَارِي.
كَأَنَّهُ يَمْضِي إِلَيْكِ مُبَاشِرًا،
وَأَنَا أُخَبِّئُ فِي العُبُورِ إِقْرَارِي.
وَلِمُقْلَتَيْكِ حِكَايَةٌ لَا أَشْتَهِي
أَنْ أَسْتَعِيرَ لِسِرِّهَا أَقْمَارِي.
فِي كُلِّ لَفْتَةِ خَاطِرٍ مِنْكِ الَّتِي
تَهَبُ المَكَانَ مِنَ الحُضُورِ نَهَارِي.
لَا أَسْتَعِيرُ لِحُسْنِكِ التَّشْبِيهَ، بَلْ
أَدَعُ المَعَانِي تَسْتَفِيقُ بِدَارِي.
أَنْتِ الَّتِي جَعَلَتْ لُغَاتِي تَرْتَقِي،
وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ الحُرُوفِ بِدَاخِلِي.
أَنْتِ تَدْرُسِينَ الدَّرْسَ، وَأَنَا أَدْرُسُ الـ
مَعْنَى الَّذِي يَخْفَى وَرَاءَ دَفَاتِرِي.
وَسَيَعْرِفُ اليَوْمَ الَّذِي فِيهِ يَنْكَشِفْ
سِرِّي، وَيَظْهَرُ فِي السُّكُونِ شَرَارِي.
مَا كُنْتُ طَالِبَ عِلْمٍ فَقَطْ، فَإِنَّنِي
أُخْفِي وَرَاءَ هُدُوئِيَ الشَّاعِرَ الثَّائِرَ.
فَإِذَا مَسَسْتُ القَلَمَ، انْقَلَبَتْ لِيَ الـ
أَلْفَاظُ، وَانْفَتَحَتْ طُرُوقُ أَفْكَارِي.
وَأَرَى حُضُورَكِ لَيْسَ زِينَةَ لَحْظَةٍ،
بَلْ صَفْحَةً تَتَمَرَّدُ فِي أَسْطَارِي.