20° الناصرة $دولار أمريكي 3.04 ₪€يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

وعينا السياسي نحن فلسطينيي الـ48: بين إطفاء الحرائق وصناعة الرؤية

بعض ما يقوله لنا آباؤنا ونحن صغار لا نفهمه إلا بعد أن نكبر. يمرّ في حينه كأنه تفصيل صغير، ثم نكتشف بعد سنوات أنه بقي فينا أكثر مما توقعنا. في صغري، قبل أن أعرف من السياسة شيئًا يُذكر، كان والدي يتوقف عند بعض الكلمات التي أقولها بعفوية. أقول «القدس الشرقية»، فيردّ: «الجزء الشرقي من القدس». وأقول «عرب إسرائيل»، فيصحح: «فلسطينيو الـ48».

م س محمد سامي محاميد مقالات نُشر: 26/09/2026 الساعة 23:33 آخر تحديث: الساعة 23:58
حجم الخط
وعينا السياسي نحن فلسطينيي الـ48: بين إطفاء الحرائق وصناعة الرؤية
وعينا السياسي نحن فلسطينيي الـ48: بين إطفاء الحرائق وصناعة الرؤية

بعض ما يقوله لنا آباؤنا ونحن صغار لا نفهمه إلا بعد أن نكبر. يمرّ في حينه كأنه تفصيل صغير، ثم نكتشف بعد سنوات أنه بقي فينا أكثر مما توقعنا. في صغري، قبل أن أعرف من السياسة شيئًا يُذكر، كان والدي يتوقف عند بعض الكلمات التي أقولها بعفوية. أقول «القدس الشرقية»، فيردّ: «الجزء الشرقي من القدس». وأقول «عرب إسرائيل»، فيصحح: «فلسطينيو الـ48».

لم أفهم يومها لماذا كانت الكلمة تهمه إلى هذا الحد. في ذهني الصغير، القدس هي القدس، والناس هم الناس. فما الذي سيتغير إن تغيّرت التسمية؟ كان يصحح الكلمة، ونكمل حديثنا، لكن الكلمة بقيت. كبرت، وبقي السؤال يكبر معي: ما الذي يمكن أن تغيّره كلمة؟

احتجت سنوات حتى أفهم أن والدي لم يكن يصحح لغتي فقط. كان يلفت انتباهي، بطريقته، إلى أن الكلمات ليست بريئة دائمًا، وأن الطريقة التي نسمّي بها الأشياء قد تحدد، من حيث لا نشعر، الطريقة التي نراها بها. فالفرق بين «القدس الشرقية» و«الجزء الشرقي من القدس» ليس مجرد فرق في ترتيب الكلمات؛ فكل تسمية تحمل معها طريقة مختلفة في فهم المكان وتاريخه. والأمر نفسه بين «عرب إسرائيل» و«فلسطينيو الـ48»؛ نحن نتحدث عن الناس أنفسهم، لكن كل تسمية تروي هويتهم وتاريخهم من نقطة بداية مختلفة. فالكلمة هنا لا تغيّر المكان ولا الناس، لكنها قد تغيّر الحكاية التي نفهم من خلالها المكان والناس.

لم يشرح لي والدي حينها ما وراء تلك الكلمات، وربما لم أكن يومها قادرًا على فهمه؛ كان يصحح كلمة ونكمل الحديث. لكنني أفهم اليوم أن تلك التصحيحات الصغيرة كانت من أول الدروس التي تلقيتها في الوعي السياسي، قبل أن أعرف أن ما كنت أتعلمه له اسم أصلًا. وهذا ما يجعلني أفكر اليوم في الطريقة التي يتشكل بها وعينا السياسي. الشاب لا يبدأ حياته السياسية من صفحة بيضاء. قبل أن يقرأ كتابًا واحدًا في التاريخ أو السياسة، يكون قد تلقى قاموسًا كاملًا من البيت والمدرسة والإعلام والسياسيين ووسائل التواصل. ومع هذا القاموس تدخل إلى ذهنه افتراضات عن الهوية والتاريخ والدولة، وما هو طبيعي وما هو استثنائي، وما الذي يمكن تغييره وما الذي يجب التسليم به، بل وحتى عن الأسئلة التي تستحق أن تُطرح. ولهذا قد يكون تلقين السؤال أخطر أحيانًا من تلقين الإجابة؛ فالإنسان يستطيع أن يشك في إجابة سمعها، لكنه نادرًا ما ينتبه إلى أن السؤال نفسه ربما وصل إليه جاهزًا.

لا أعتقد أن الشباب الفلسطيني في الداخل بعيد عن السياسة. على العكس، السياسة حاضرة بقوة في تفاصيل حياتنا، في هويتنا وفي نقاشاتنا اليومية. لكن السؤال الذي يشغلني مؤخرًا هو: هل كثرة الحديث في السياسة تعني بالضرورة ارتفاعًا في الوعي السياسي؟ ما ألاحظه أن جزءًا كبيرًا من نقاشنا تحكمه العاطفة: غضب، خوف، إحباط، فخر، تخوين وانتصار لهذا السياسي أو ذاك. نشتعل حول تصريح، نفرح بمواجهة، نغضب من أخرى، ثم ننتقل إلى الحدث التالي. السياسة حاضرة بقوة، لكن أدوات تحليلها تبدو أضعف من حضورها.

خذ مثلًا مشهد أحمد الطيبي وهو يستشهد أمام نتنياهو بقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أعترف أن المشهد حرّك مشاعري وأعطاني جرعة من السعادة والفخر؛ للحظة تشعر أن أحدًا قال في وجه القوة ما تريد أنت أن تقوله. لكن سرعان ما انتهت الجرعة، وبقي الواقع كما هو. وجدت نفسي أمام سؤال أكبر من المشهد نفسه: هل نحن نستهلك السياسة عاطفيًا؟ نبحث عن الجملة التي تشفينا، والمواجهة التي ترفع معنوياتنا، والخطاب الذي يمنحنا شعورًا مؤقتًا بالقوة، ثم ننتظر الجرعة التالية.

المشكلة ليست في العاطفة. فمن يعيش واقعًا يمس هويته وحقوقه ومستقبله، من الطبيعي أن تكون السياسة بالنسبة إليه محمّلة بالعاطفة. الغضب والخوف والأمل والفخر أجزاء طبيعية من تجربتنا، وربما ضرورية أيضًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول العاطفة من دافع إلى الفهم إلى بديل عنه؛ حين يصبح وقع العبارة أهم من أثر الفعل، وحين نخلط بين أن نشعر للحظة بالقوة وبين أن نفهم أين توجد القوة فعلًا وكيف تعمل.

اللغة التي نفهم بها واقعنا جزء من المسألة نفسها. مفاهيم مثل الكولونيالية، الاستعمار الاستيطاني، الأبارتهايد، الهيمنة تكاد تغيب عن النقاش السياسي اليومي بين الشباب. وليس المطلوب أن يتحول كل شاب إلى أستاذ علوم سياسية، ولا أن نستبدل الشعارات القديمة بكلمات أكاديمية أكثر تعقيدًا. لكن المفهوم ليس مجرد كلمة؛ إنه أداة للتفكير. وأحيانًا حين يغيب المفهوم، يغيب معه السؤال الذي كان سيسمح لنا بطرحه.

فإذا تشكّل وعي الشاب السياسي فقط حول الانتخابات والائتلافات والمعارضة والميزانيات والاندماج والتمثيل، فسوف يصبح ماهرًا في مناقشة موقعه داخل النظام، من دون أن يخطر له بالضرورة أن يسأل عن طبيعة النظام الذي يناقش موقعه داخله. أهمية المفاهيم السياسية الأوسع أنها لا تقدم حقيقة جاهزة يجب الإيمان بها، بل توسّع مساحة السؤال. فمفاهيم مثل الكولونيالية أو الاستعمار الاستيطاني أو الأبارتهايد ليست كلمات سحرية، ولا يكفي ترديدها لإثبات شيء، لكنها أطر يمكن فحصها ومناقشة مدى انطباقها وحدودها، وتدفعنا إلى النظر في التاريخ والبنية وعلاقات القوة بدل الاكتفاء بالحدث السياسي الآني.

ولعلّ أثر هذا التحول في اللغة يظهر أيضًا في الطريقة التي نتحدث بها عن حقوقنا. فالحقوق المدنية، من مساواة وميزانيات وتعليم وسكن وبنية تحتية وأمن وخدمات، حقوق أساسية لا يمكن التقليل من شأنها، لكننا في الوقت نفسه جماعة تحمل هوية وذاكرة وتاريخًا وأسئلة قومية وجماعية لا تختصرها علاقة المواطن بمؤسسات الدولة. ويكفي أن نتأمل موقع حق العودة في خطابنا السياسي؛ لا يمكن القول إنه اختفى، فما زال حاضرًا في مواقف وبرامج ومناسبات وطنية مختلفة، لكن الإشارة إليه تبدو أقل حضورًا في الخطاب السياسي اليومي مما كانت عليه في مراحل سابقة، في الوقت الذي أصبحت فيه قضايا الميزانيات والجريمة والإسكان والخدمات والتأثير السياسي أكثر حضورًا. والسؤال ليس أيّ هذه القضايا أهم، ولا أن نختار بين حقوقنا المدنية وحقوقنا القومية، بل أن نسأل إن كانت لدينا رؤية تجمع بينهما وتمنع أن تتحول إحداهما إلى ثمن للأخرى. فالمساواة المدنية حق لا يفترض أن ندفع مقابله من هويتنا أو ذاكرتنا أو حقوقنا الجماعية، مثلما أن التمسك بحقوقنا القومية لا يلغي حقنا في المساواة المدنية الكاملة. وربما يكون أحد أخطر التحولات في أي خطاب سياسي هو ألا نتنازل صراحة عن حق من حقوقنا، بل أن يتراجع حضوره في لغتنا وأسئلتنا شيئًا فشيئًا، حتى يكاد يخرج من تعريفنا لما نريد الوصول إليه.

حين تغيب هذه المسافة النقدية، يصبح من السهل أن تتحول السياسة إلى سلسلة من الأشخاص والتصريحات والمشاهد: ماذا قال فلان؟ من رد عليه؟ من أحرج من؟ من دخل الحكومة ومن خرج منها؟ ويصبح المشهد الذي يهز مشاعرنا أهم من السؤال عما غيّره. عندها يمكن لعبارة قوية أن تمنحنا إحساسًا بالقوة، بينما تبقى أسئلة التاريخ والبنية وموازين القوة وحدود أدواتنا السياسية في الخلفية.

فالوعي السياسي ليس كمية الأخبار التي نستهلكها، ولا عدد السياسيين الذين نعرف أسماءهم، ولا حتى شدة انتمائنا لقضيتنا. الوعي هو القدرة على الانتقال من الحدث إلى السياق، ومن الشخص إلى البنية، ومن الانفعال إلى السؤال. وأصعب الأسئلة ليست تلك التي نوجهها إلى خصومنا؛ من السهل أن نفكك خطاب نتنياهو أو بن غفير. الامتحان الأصعب يبدأ عندما نمتلك الأدوات نفسها ونحن ننظر إلى خطابنا نحن، وإلى السياسي الذي نصفق له، وإلى الأداة السياسية التي اعتدنا عليها، وإلى المسلّمات التي ورثناها. لكن حتى الوعي وحده لا يكفي، لأن امتلاك أدوات الفهم لا يجيب وحده عن السؤال التالي: ماذا نريد أن نفعل بهذا الفهم؟

المعضلة أعمق من الوعي وحده؛ إنها أيضًا معضلة الرؤية السياسية والتخطيط الاستراتيجي. نحن نجيد النقاش حول ما يحدث الآن، ونعرف جيدًا ما الذي نرفضه، ونختلف بشدة حول الأدوات، لكننا أقل وضوحًا عندما نصل إلى السؤال الأهم: ماذا نريد؟ أين نريد أن يكون مجتمعنا بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا؟ وما الطريق الذي يفترض أن يقودنا إلى هناك؟

هذا السؤال لا يخص معسكرًا دون آخر. من يؤمن بالمشاركة في الكنيست عليه أن يحدد رؤيته: إلى أين يُفترض أن تقود هذه المشاركة؟ ما الهدف البعيد الذي تخدمه؟ وما معيار نجاحها بعد عشر أو عشرين سنة؟ ومن يختار المقاطعة مطالب بالسؤال نفسه: إلى أين تقود المقاطعة؟ وما المشروع السياسي والتنظيمي الذي يبنيه؟ لأننا إذا اختلفنا طويلًا حول الوسيلة من دون أن نحدد الغاية، فقد نقضي عقودًا نتجادل حول الطريق قبل أن نعرف أصلًا إلى أين نريد الوصول.

دراسة الخصم جزء من فهم كيفية بناء القوة السياسية. فالقوة لا يصنعها الخطاب وحده، وإنما القدرة على صياغة رؤية، وبناء قيادة وتنظيم ومؤسسات، والتخطيط والعمل التراكمي عبر الزمن. وتجربة تيودور هرتسل مثال تاريخي يستحق القراءة من هذه الزاوية. كان صحفيًا وكاتبًا، لكنه لم يتعامل مع فكرته باعتبارها مقالًا يكتبه وينتهي الأمر. سعى إلى نقلها إلى المجال السياسي والتنظيمي، ثم دعا إلى مؤتمر بازل الأول سنة 1897، حيث أُقرّ برنامج بازل وأُنشئت المنظمة الصهيونية العالمية، وحدد البرنامج غاية سياسية ووسائل للعمل عليها، من التنظيم والحشد إلى السعي للحصول على موافقة الحكومات.

واللافت أكثر أنه لم ينظر إلى رؤيته باعتبارها حلمًا بلا أفق زمني. فبعد مؤتمر بازل كتب في يومياته، بمعنى عبارته الشهيرة، أنه أسس في بازل الدولة اليهودية، وقدّر أن الجميع ربما سيدرك ذلك خلال خمس سنوات، وبالتأكيد خلال خمسين عامًا. لم يكن ذلك موعدًا نهائيًا رسميًا لإقامة الدولة، لكنه يكشف عن طريقة تفكير تنظر إلى السياسة باعتبارها مشروعًا طويل المدى له غاية وأفق زمني.

المغزى ليس الإعجاب بالمشروع الصهيوني، ولا تبني أهدافه أو روايته، وإنما دراسة كيفية بناء القوة السياسية: فكرة تتحول إلى رؤية، ورؤية تتحول إلى برنامج، وبرنامج يحتاج إلى تنظيم ومؤسسات وعلاقات وعمل سياسي متراكم. فرفض مشروع خصمك لا يعفيك من دراسة كيف خطط، وكيف نظّم، وكيف راكم أدواته، وكيف استطاع أن يفكر بعقود بينما قد ننشغل نحن بما سيحدث في الأسبوع المقبل.

الخلاف بين المشاركة والمقاطعة، وبين هذا السياسي وذاك، لا يحسم السؤال الأكبر: ما رؤيتنا السياسية نحن؟ ليس المقصود شعارنا، ولا موقفنا من الانتخابات القادمة، ولا ردنا على آخر تصريح لوزير إسرائيلي، بل رؤيتنا فعلًا: أين نريد أن يكون فلسطينيو الـ48 بعد عشرين عامًا؟ وبعد خمسين عامًا؟ ما الذي نريد الحفاظ عليه؟ ما الذي نريد تغييره؟ ما أدوات القوة التي نحتاج إلى بنائها؟ ما المؤسسات التي تنقصنا؟ ما دور الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام والتنظيم السياسي والمجتمع المدني؟ ما المراحل؟ وما مؤشرات النجاح والفشل التي تسمح لنا بأن نعرف إن كنا نتقدم فعلًا أم ندور في المكان؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها العاطفة، ولا يكفيها خطاب قوي، ولا يحسمها انتصار لحظي في مناظرة. إنها تحتاج إلى قيادة قادرة على التفكير أبعد من الانتخابات المقبلة، وإلى مجتمع سياسي يناقش المستقبل بالجدية نفسها التي يناقش بها أحداث اليوم. ربما لا نعاني إذن من نقص في السياسة؛ نحن نتحدث فيها كثيرًا، ونغضب من أجلها كثيرًا، ونفرح بها كثيرًا. لكن بعد أن يهدأ الغضب، وينتهي التصفيق، وتزول جرعة السعادة، ينبغي ألا يبقى سؤالنا فقط: ماذا فهمنا أكثر؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: إلى أين نريد أن نصل، وما خطتنا للوصول إلى هناك؟

فهناك فرق كبير بين سياسة تجعلنا نشعر بالقوة، وسياسة تجعلنا نفهم أين توجد القوة وكيف تُبنى. وربما يبدأ هذا الفهم من المكان نفسه الذي بدأت منه حكايتي: من الكلمة، ومن المصطلح، ومن الخطاب الذي نصف به أنفسنا وواقعنا. لا نستطيع أن نصوغ رؤية سياسية واضحة إذا لم نمتلك أولًا اللغة والمفاهيم التي تساعدنا على قراءة واقعنا وفهمه؛ فكيف نحدد إلى أين نريد أن نصل إذا لم نفهم جيدًا أين نقف، وما طبيعة الواقع الذي نريد تغييره؟ فهم الخطاب والمصطلحات التي تشكّل وعينا ليس ترفًا فكريًا، بل خطوة أساسية في بناء أي رؤية سياسية جادة. وربما لا يكتمل وعينا السياسي إلا حين ننتقل من الكلمة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الرؤية، ومن الرؤية إلى الاستراتيجية، ومن الاستراتيجية إلى العمل المتراكم.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد