32° الناصرة $دولار أمريكي 3.11 ₪€يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

هل يمكن مقاومة الظلم من داخل مؤسساته؟ جدل المشاركة السياسية في الحالة الفلسطينية

هناك فرق كبير بين أن تتعامل مع سلطة تفرض نفسها على حياتك، فتحاول أن تحمي نفسك وأهلك، وتخفف الضرر عن مجتمعك، وتساعد الناس على تحصيل حقوقهم، وبين أن تعترف بأن هذه السلطة على حق، أو أن تقرّ بشرعية سيطرتها، أو أن تتنازل عن حقوقك ومبادئك أمامها.

ا م الشيخ محمد شريف عودة مقالات نُشر: 24/10/2026 الساعة 12:48 آخر تحديث: الساعة 12:50
حجم الخط
هل يمكن مقاومة الظلم من داخل مؤسساته؟ جدل المشاركة السياسية في الحالة الفلسطينية
هل يمكن مقاومة الظلم من داخل مؤسساته؟ جدل المشاركة السياسية في الحالة الفلسطينية

هناك فرق كبير بين أن تتعامل مع سلطة تفرض نفسها على حياتك، فتحاول أن تحمي نفسك وأهلك، وتخفف الضرر عن مجتمعك، وتساعد الناس على تحصيل حقوقهم، وبين أن تعترف بأن هذه السلطة على حق، أو أن تقرّ بشرعية سيطرتها، أو أن تتنازل عن حقوقك ومبادئك أمامها.

قد يبدو هذا الفرق واضحًا في الحياة اليومية، لكنه يتحول إلى قضية خلافية عندما يتعلق الأمر بالمشاركة السياسية، وخاصة في الحالة الفلسطينية، حيث يختلف الناس حول المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي بين من يراها وسيلة للدفاع عن الحقوق وتقليل الظلم، ومن يراها اعترافًا بشرعية نظام يرفضه ويرفض سياساته.

لكن هل المشاركة تعني بالضرورة الاعتراف بشرعية السلطة؟ وهل مقاطعة الانتخابات هي الموقف الشرعي الوحيد؟ وهل يمكن للإنسان أن يتعامل مع سلطة يرفض سياساتها، من دون أن يصبح شريكًا في ظلمها؟

هذه أسئلة تستحق النقاش بهدوء، بعيدًا عن التخوين والأحكام المسبقة، وبالعودة إلى النصوص الشرعية والتجارب التاريخية والواقع الذي يعيشه الناس.

هل كل مشاركة تعني تأييدًا؟

يستند الرافضون للمشاركة في الكنيست، من بين حجج أخرى، إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ويقولون إن المشاركة في مؤسسة تشريعية تابعة لدولة يرونها قائمة على الظلم والاحتلال قد تعني المساهمة في دعمها أو منحها شرعية لا تستحقها.

وهذا اعتراض يستحق أن يؤخذ بجدية، لكن يبقى السؤال: هل كل من يشارك في مؤسسة ما يكون مؤيدًا لكل ما تفعله؟ وهل من يدخل البرلمان ليعارض قانونًا ظالمًا، أو يمنع قرارًا يضر بالناس، يكون بالضرورة شريكًا في ذلك الظلم؟ وهل دولة تأسست منذ نحو 80 عامًا واعترفت بها أغلب دول العالم، هل مقاطعة انتخابها من قبل أقلية مستضعفة أحدث أو يحدث فرقًا في عالم مختل الميزان؟

فالقرآن ينهى عن التعاون على الإثم والعدوان، لكنه لا يتحدث في هذه الآية عن الانتخابات أو العضوية البرلمانية تحديدًا. ولذلك فإن الحكم على المشاركة يحتاج إلى النظر في طبيعتها وما يفعله المشارك من خلالها، وما إذا كان يسهم في الظلم أم يحاول منعه.

وهذا لا يعني أن المشاركة مباحة في كل الأحوال، بل يعني أن تحريمها أو إباحتها يحتاجان إلى دليل ومناقشة، لا إلى افتراض أن كل مشاركة تأييد للظلم، أو أن كل مقاطعة هي بالضرورة موقف سلبي.

هل التعامل مع السلطة هو بالضرورة اعتراف بشرعيتها؟

لنتخيل أن إنسانًا يعيش تحت سلطة لا يعترف بحقها في السيطرة على أرضه، لكنه يحتاج إلى استخراج وثيقة رسمية، أو تسجيل أولاده في مدرسة، أو مراجعة مستشفى، أو استخدام المحاكم للدفاع عن حقه.

هل يعني ذلك أنه اعترف بشرعية تلك السلطة، أو أنه تنازل عن موقفه منها؟

ليس بالضرورة، فقد يتعامل الإنسان مع جهة تفرض سيطرتها على حياته، لأنه لا يستطيع تجاهل وجودها، أو لأنه يريد حماية أسرته، أو لأنه يسعى إلى انتزاع حق من حقوقه. والتعامل في هذه الحالات لا يعني بالضرورة الاقتناع بشرعية السلطة أو تأييد سياساتها.

الفرق واضح بين اعتراف بوجود شيء واعتراف بشرعيته.

فإنكار وجود شيء قائم فعلًا، يشبهه الخبراء عادة بسياسة النعامة التي تدفن رأسها بالتراب عند خوفها من واقع معين ظنًا منها أن هذا الواقع اختفى لمجرد أنها منعت نفسها من رؤيته.

ويظهر هذا الفرق أيضًا في القانون الدولي، الذي يميز بين سيطرة دولة على إقليم وبين امتلاكها حق السيادة عليه. فمجرد السيطرة على أرض لا يجعلها تلقائيًا أرضًا تملك الدولة حقها القانوني في السيادة عليها.

لكن علينا أيضًا ألا نذهب إلى الطرف الآخر من المبالغة؛ فليس كل تعامل محايدًا بالضرورة، وليس كل مشاركة خالية من الدلالات السياسية. فبعض أشكال المشاركة قد تسهم فعلًا في تثبيت نظام سياسي أو دعم سياساته، وهنا يجب فحص طبيعة المشاركة ونتائجها.

المهم ألا نخلط بين أمور مختلفة، وألا نحكم على كل أشكال التعامل بحكم واحد.

هل يتحمل الإنسان مسؤولية كل ما تفعله المؤسسة التي يشارك فيها؟

يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

وهذه قاعدة واضحة في المسؤولية الفردية: لا يتحمل الإنسان تلقائيًا ذنب غيره لمجرد أنه ينتمي إليه أو يعمل معه.

فإذا أقرّ البرلمان قانونًا ظالمًا، فهل يستوي من اقترحه وسعى إلى إقراره، وصوّت لصالحه، ومن صوّت ضده، وحاول منعه؟

من الصعب قبول مساواة هذه المواقف جميعًا، لأن أصحابها لم يقوموا بالفعل نفسه، ولم يتخذوا الموقف نفسه.

لكن هذا لا يعني أن العضوية في مؤسسة تعفي الإنسان من أي مسؤولية عن أفعالها. فإذا ساهم في ظلم، أو أعان عليه، أو اتخذ قرارًا أدى إلى الإضرار بالناس، فلا يستطيع أن يتذرع بمجرد حسن نيته أو بأنه لم يكن المسؤول الوحيد.

أما إن عارض ذلك القرار الظالم وعمل جهده لمنعه ثم لم يفلح، فلا ذنب له، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

المعيار هنا هو ما فعله الإنسان فعلًا، وما ساهم فيه، وما كان يستطيع فعله لمنع الضرر.

هل المقاطعة دائمًا أفضل من المشاركة؟

هنا يبرز طرح ملفت، مفاده أنه إذا لم يستطع عضو في مؤسسة أن يمنع قرار ظالمًا ستتخذه مؤسسته، فعليه أن ينسحب ويعمل على حلّ المؤسسة، أو البرلمان في حالتنا، وبذلك يفكك المؤسسة بكاملها ويجبر النظام على إعادة تشكيل برلمان جديد. وهذا طرح منطقي صحيح إذا عزلناه عن العوامل والمتغيرات الأخرى.

بمعنى أنه صحيح كفكرة مجردة، ولكن إذا دخلت عوامل وحيثيات أخرى على المشهد فقد يصبح الصحيح خطأ، بناءً على النتائج.

للتوضيح أقول، إذا كان حجب الثقة سيؤدي إلى حل البرلمان وبالتالي منع قرار ظالم، ولكن هذا الفعل سيؤدي بالتأكيد إلى تشكيل برلمان آخر أكثر سوءًا ومن المؤكد أنه سيتخذ عشرات القرارات الظالمة التي تفوق القرار الظالم السابق أضعافًا مضاعفة في العدد والحجم. حينها يصبح الصواب المطلق خطأ مطلقًا!

بكلمات أخرى: تقليل الظلم خير واجب شرعًا وخُلقًا ومنطقًا، والامتناع عن القيام بذلك هو تكثير لسواد الشر، وهو إثم لا محالة.

لأن الصمت في معرض البيان بيان!

هذا ما يؤكده فقه الضرورات، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه المآلات.

العالم ليس مكانًا مثاليًا وبالتالي فإن الشريعة الكاملة الصالحة لكل مكان وزمان ليست شريعة جامدة مصممة فقط للظروف المثالية، بحيث تقف عاجزة عند أول تحدٍّ تخرج فيه الظروف عن المثالية.

والحقيقة التي أثبتتها تجارب البشر وتاريخهم الطويل أن المثالية الكاملة لم تحدث يومًا ولم تكن واقعًا على أي بقعة من الأرض.

وهذا ينطبق على المشاركة السياسية كما ينطبق على غيرها من مجالات الحياة.

فمن يدعو إلى المقاطعة عليه أن يناقش ما الذي يمكن أن تحققه المقاطعة، برؤية واضحة الخطوات والنتائج والمآلات. وما إذا كانت المقاطعة ستمنع الظلم أو ستترك المجال لقرارات أكثر ضررًا، وما البدائل التي يمكن أن تحقق الأهداف نفسها.

ومن يدعو إلى المشاركة عليه أيضًا أن يوضح ما الذي ستحققه هذه المشاركة فعلًا، وهل ستساهم في حماية الحقوق وتقليل الضرر، أم تحولت إلى مجرد حضور رمزي لا يغير الواقع، أو إلى مشاركة في قرارات تتعارض مع المبادئ التي يعلن الدفاع عنها.

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالشعارات وحدها، بل بالنظر إلى الوقائع والنتائج والبدائل.

ماذا يقول الفقه الإسلامي؟

ناقش الفقهاء المسلمون، عبر قرون طويلة، مسائل العيش تحت حكم غير المسلمين، والبلاد الإسلامية التي يحتلها غير المسلمين. والهجرة من البلاد التي لا يستطيع المسلم فيها ممارسة دينه، وحدود الطاعة للسلطة القائمة.

وفي كتابه "المغني"، تناول ابن قدامة حكم الهجرة، وميّز بين من يستطيع إقامة واجبات دينه ومن لا يستطيع ذلك. كما نقلت دار الإفتاء المصرية عن الإمام الرملي موقفًا يتعلق بمسلمين عاشوا تحت حكم سلطان نصراني في الأندلس، ولم يجعل مجرد خضوعهم لذلك الحكم سببًا كافيًا لوجوب مغادرة وطنهم، ما داموا قادرين على إظهار دينهم.

إذن ما تركز عليه الشريعة وتجعله فيصلًا، هو القدرة على إظهار الدين وممارسة الشعائر.

وفي العصر الحديث، أجاز عدد من العلماء المشاركة في الانتخابات في بعض البلدان غير الإسلامية، استنادًا إلى ما قد تحققه من مصالح وما قد تمنعه من مفاسد، بينما رفضها آخرون لأسباب تتعلق بالشرعية والولاء والنتائج المتوقعة.

إذا رفض الإنسان شرعية سلطة ما، فهل يجب أن يقاومها إلى الأبد؟

هنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية:

إذا كانت دولة قد سيطرت على أرض بعد حرب، فهل يصبح سكان تلك الأرض ملزمين بالاعتراف بشرعية سيادتها لمجرد أنها انتصرت واستقر حكمها؟ وفي المقابل، هل يعني رفضهم لهذه السيادة أنهم ملزمون بمواصلة العزلة والامتناع عن التأثير إلى أجل غير مسمى؟

قد يرفض الإنسان شرعية السيطرة على أرضه، ويواصل المطالبة بحقوقه، لكنه يختار وسائل سياسية أو قانونية أو اجتماعية لتقليل الضرر وحماية الناس.

والعكس صحيح أيضًا: فاستقرار السلطة لا يثبت وحده أن سيطرتها عادلة، ولا يعني أن الحقوق المتنازع عليها قد سقطت.

ولهذا يجب التفريق بين رفض الظلم، والمطالبة بالحقوق، وبين التعامل مع المؤسسات القائمة بما يحقق مصالح الناس ويخفف معاناتهم.

فهذه مواقف مختلفة، ولا يمكن إعطاؤها حكمًا واحدًا دون النظر إلى ظروفها وأدلتها ونتائجها.

ماذا يعني ذلك في الحالة الفلسطينية؟

تزداد المسألة تعقيدًا في الحالة الفلسطينية، لأن النقاش لا يتعلق بانتخابات برلمانية فقط، بل يتصل أيضًا بالهوية والحقوق والتمييز والاحتلال والسيادة.

فالمشاركة في الكنيست قد يراها بعض الناس وسيلة للدفاع عن حقوق المواطنين العرب، والتأثير في القوانين والميزانيات، ومحاولة منع قرارات تضر بهم. وقد يراها آخرون مساهمة في تثبيت نظام سياسي لا يعترفون بشرعيته، أو مشاركة تمنحه صورة من القبول السياسي.

ولا يكفي أن نعلن أن أحد الموقفين صحيح والآخر باطل قبل أن نفحص الأدلة والنتائج.

إذا كانت المشاركة تحقق مصالح ملموسة وتمنع أضرارًا حقيقية، فيجب بحث هذه المصالح بجدية.

وإذا كانت المقاطعة تعبر عن موقف مبدئي من شرعية النظام، فيجب أيضًا بحث ما تحققه عمليًا، وما إذا كانت تملك وسائل أخرى لحماية الحقوق وتحقيق الأهداف التي تدعو إليها.

وفي الحالتين، لا بد من سؤال أصحاب المواقف عن الأدلة التي يستندون إليها، وعن النتائج التي يمكن إثباتها، لا الاكتفاء بالنوايا المعلنة والشعارات أو الاتهامات المتبادلة.

إن رفض الظلم لا يعني بالضرورة رفض كل تعامل مع السلطة التي تمارسه، كما أن التعامل معها لا يعني بالضرورة الاعتراف بشرعيتها.

لذلك، فإن النقاش الجاد لا ينبغي أن ينطلق من تخوين المشاركين أو اتهام المقاطعين، بل من بحث ما يفعله كل طرف، وما يحققه، وما قد يترتب على موقفه من مصالح ومفاسد.

فالسؤال ليس فقط: هل نتعامل مع السلطة أم نقاطعها؟ بل: كيف نتعامل معها من دون أن نتحول إلى شركاء في ظلمها، وكيف نرفض شرعيتها من دون أن نتخلى عن الوسائل المشروعة لحماية الناس والدفاع عن حقوقهم؟

هذا هو جوهر المسألة، وهو ما يستحق أن يكون أساسًا لنقاش فقهي وسياسي مسؤول، يوازن بين المبادئ والواقع، وهذا هو لبّ الإسلام.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد