ردًّا على ردّ الناقد حاتم جوعيّة: النقد لا يُقاس بالوظيفة ولا تُمنح النزاهة بالادّعاء
د. أحمد كامل ناصر
د. أحمد كامل ناصر
هذا المقال يأتي تعقيبًا على المقال الذي نشره حاتم جوعيّة في موقع "كلّ العرب" بعنوان: "يوجد نقّاد ولا يوجد عندنا نقد محلّيّ"، والذي جاء ردًّا على مقالة نقديّة كتبها الناقد محمد علي سعيد حول واقع النقد والنقّاد والمشهد الثقافيّ المحلّيّ. وقد اتّسم مقال جوعيّة بلهجة حادّة في تناوله لمقال محمد سعيد، وتجاوز مناقشة بعض أفكاره إلى الحديث عن موقعه الوظيفيّ وعلاقته بالمؤسّسات الرسميّة.
ومن المهمّ أن يعرف القارئ سياق هذا السجال: محمد علي سعيد كتب مقالًا تناول فيه واقع النقد والنقّاد محلّيًّا، فجاء حاتم جوعيّة بردّ نشره في موقع "كلّ العرب"، قدّم فيه رؤيته للنقد والنقّاد، وتحدّث عن شروط الناقد "الحقيقيّ" وصفاته، ثم جاءت هذه المداخلة منّي ردًّا على ردّ جوعيّة، انطلاقًا من قناعة بأنّ الحوار الثقافيّ يكتسب قيمته حين يبقى في دائرة الأفكار والمواقف والمناهج، وحين يتيح لكلّ طرف أن يناقش ما يراه من قضايا بالحجّة والدليل.
الاختلاف مع محمد علي سعيد حقّ مشروع، وكذلك الردّ على ما كتبه. فالنقد يقوم على الحوار والمراجعة وتعدّد الرؤى. غير أنّ مقال جوعيّة نقل النقاش إلى مساحة أوسع حين صنّف النقّاد إلى "حقيقيّين" و"مدّعين"، وربط النزاهة والاستقلال بالموقع الوظيفيّ، وهي مسائل تستحقّ التوقّف عندها.
يقول جوعيّة: إنّ "النقّاد الحقيقيّين النزيهين والصادقين والشرفاء والمتمكّنين من أدواتهم النقديّة هم قلّة"، ثم يضيف: "وأنا أحدهم". وهنا يبرز سؤال حول المعايير التي تمنح الناقد صفة "الحقيقيّ"، والمعايير التي تضع غيره في خانة المدّعين. فالنزاهة والتمكّن والصدق صفات تظهر في الممارسة، وتكشفها النصوص والمواقف والتجارب المتراكمة. الناقد يقدّم عمله إلى القرّاء، والوسط الثقافيّ يشارك في قراءة هذا العمل وتقدير قيمته.
لذلك أرى أنّ منح الذات شهادة في النزاهة والتمكّن يضعف الحجّة النقديّة أكثر ممّا يقوّيها. الناقد يستطيع أن يثبت استقلاله من خلال كتابته، وأن يبرهن على تمكّنه من خلال أدواته، وأن يكسب احترام القارئ من خلال اتّساق مواقفه وقدرته على تقديم الحجّة.
وتزداد المسألة أهميّة حين يربط جوعيّة بين استقلال الناقد وبين عدم عمله في جهاز المعارف أو في الوظائف الحكوميّة. هنا تختلط المسألة المهنيّة بالمسألة الفكريّة. فالعمل في مؤسّسة تعليميّة أو حكوميّة يحدّد موقعًا مهنيًّا، بينما الاستقلال الفكري يتعلّق بطريقة التفكير والموقف والممارسة. وقد يعمل ناقد في مؤسّسة رسميّة ويحافظ على موقفه النقديّ، كما يمكن أن يعمل كاتب خارج المؤسّسات وتتأثّر كتابته بعلاقاته ومصالحه واتّجاهاته. ولذلك يبقى النصّ النقديّ نفسه المجال الأدقّ للحكم.
فالناقد يقرأ من خلال ما يكتب، ومن خلال طريقته في تحليل النصوص وبناء الأحكام، ومن خلال المعايير التي يستخدمها في التعامل مع المختلفين والمقرّبين. الوظيفة لا تكفي للحكم على الموقف الفكريّ، كما أنّ الابتعاد عن المؤسّسة لا يكفي لإثبات الاستقلال.
والحديث عن "الأجراء والخدم" في المؤسّسات والأجهزة السلطويّة يرفع مستوى الاتّهام إلى درجة تحتاج إلى أدلّة محدّدة. فإذا كان هناك ناقد يتبنّى موقفًا يخدم مؤسّسة أو جهة ما، فإنّ الطريق النقديّ السليم يتمثّل في عرض مواقفه ونصوصه وتحليلها، وبيان مواضع التبعيّة فيها. أمّا ربط التبعيّة بالوظيفة وحدها، فيحوّل الموقع المهنيّ إلى معيار جاهز للحكم على الإنسان قبل قراءة إنتاجه.
وهنا ينبغي أن نعود إلى القضيّة التي يفترض أن تكون جوهر الحوار: واقع النقد المحلّي.
ما مستوى الدراسات النقديّة التي تنتج عندنا؟ وما طبيعة العلاقة بين النقد والإبداع؟ وكيف يتعامل النقد المحليّ مع التحوّلات التي يشهدها الشعر والرواية والقصة والمسرح والنصوص الرقميّة؟ وما مساحة حضور النقد في المؤسّسات الثقافيّة والإعلاميّة والأكاديميّة؟ وكيف يمكن بناء حركة نقديّة أكثر تراكمًا واستمراريّة؟
هذه الأسئلة تفتح المجال أمام نقاش ثقافيّ حقيقيّ، لأنّها تتّصل بالنقد بوصفه ممارسة معرفيّة، لا بوصفه صراعًا بين أشخاص.
ومن هنا أرى أنّ الردّ على محمد علي سعيد كان يمكن أن يتّجه بصورة أعمق إلى مناقشة أفكاره نفسها: ما الذي أخطأ فيه؟ وأين يحتاج تصوّره إلى مراجعة؟ وما الصورة البديلة التي يقدّمها جوعيّة للنقد المحلّي؟ وما الشواهد التي تسند هذه الصورة؟
عندما تكون الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، يتحوّل الاختلاف إلى إضافة ثقافيّة. أمّا حين ينصرف جزء كبير من النقاش إلى تصنيف النقّاد وتحديد من هو "الحقيقيّ" ومن هو "المدّعي"، فإنّ القضيّة الأساسيّة تفقد شيئًا من حضورها.
المشهد الثقافي المحلّي يحتاج إلى تعدّد الأصوات وإلى نقد صريح وجريء، ويحتاج في الوقت نفسه إلى معايير موضوعيّة في تقييم التجارب. الناقد يستطيع أن يكون حادًّا في نقده، وأن يختلف مع الآخرين، وأن يدافع عن موقفه بقوّة، مع الاحتفاظ بلغة تجعل الحوار ممكنًا.
ومن هنا أودّ أن أسجل موقفي من هذا السجال. أنا أكتب هذه المداخلة انطلاقًا من قضيّة ثقافيّة أوسع تتّصل بمفهوم النقد ومعايير الحكم على النقّاد. محمد علي سعيد كتب مقالًا حول واقع النقد المحلّي، وحاتم جوعية ردّ عليه في "كل العرب"، وأنا أكتب اليوم ردًّا على ردّ جوعية، لأنّ استمرار الحوار يقتضي أن تخضع الأفكار نفسها للنقاش والمراجعة.
وهذا في حدّ ذاته أمر صحّي في الحياة الثقافيّة: مقال يطرح قضيّة، وردّ يناقشها، وردّ آخر يراجع ما جاء في الردّ، ثم يترك المجال للقارئ كي يكوّن موقفه من الحجج والمواقف المطروحة.
وفي النهاية، يظلّ السؤال الأهمّ مرتبطًا بما يقدّمه الناقد للنقد والثقافة: ماذا كتب؟ ماذا أضاف؟ ما الأدوات التي يمتلكها؟ كيف يقرأ النصوص؟ كيف يبني أحكامه؟ وكيف يتعامل مع الاختلاف؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح التجربة النقديّة قيمتها، وتضع الناقد في موقعه الطبيعي داخل المشهد الثقافي.
فالنقد ممارسة معرفيّة تقوم على القراءة والتحليل والحجّة، والاستقلال الفكري يظهر في الموقف والممارسة، والتمكّن تكشفه النصوص. وحين تصبح هذه المعايير أساسًا للحوار، يمكن للنقد المحلّي أن يتجاوز السجال حول الأشخاص، ويتّجه نحو بناء خطاب نقديّ أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على قراءة الأدب والثقافة الفلسطينيّة في الداخل، ومواكبة تحوّلاتهما وأسئلتهما الجديدة.
الطيرة- 26.9.2026