بين الحسم والشلل: ماذا بعد الانتخابات، ودور المواطنين العرب؟
مع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن الصورة السياسية في إسرائيل لا تزال بعيدة عن الحسم. فكما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة، لا ينجح لا بنيامين نتنياهو ولا غادي آيزنكوت في بناء أغلبية واضحة ومستقرة تضمن تشكيل حكومة قوية وقادرة على الحكم لسنوات. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل الانتخابات ليست معركة الفوز، بل معركة تشكيل الواقع السياسي في اليوم التالي.
مع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن الصورة السياسية في إسرائيل لا تزال بعيدة عن الحسم. فكما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة، لا ينجح لا بنيامين نتنياهو ولا غادي آيزنكوت في بناء أغلبية واضحة ومستقرة تضمن تشكيل حكومة قوية وقادرة على الحكم لسنوات. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل الانتخابات ليست معركة الفوز، بل معركة تشكيل الواقع السياسي في اليوم التالي.
يبدو أن الهدف المركزي لمعسكر آيزنكوت ليس بالضرورة تحقيق أغلبية برلمانية مريحة، بل الوصول إلى وضع يحصل فيه على عدد مقاعد يفوق ائتلاف الحكومة الحالية بثلاثة إلى خمسة مقاعد. مثل هذه النتيجة ستمنحه القدرة على الادعاء بأنه يمثل الأغلبية اليهودية في الدولة، وهو ادعاء، رغم بشاعته، ذو قيمة سياسية ورمزية كبيرة في الخطاب الإسرائيلي، حتى لو لم يستند إلى أغلبية فعلية من 61 عضو كنيست.
غير أن الطريق من الفوز المعنوي إلى تشكيل حكومة ليست قصيرة ولا سهلة. فبحسب النظام السياسي الإسرائيلي، يحتاج المرشح لرئاسة الحكومة إلى أغلبية أعضاء الكنيست الذين يوصون به لدى رئيس الدولة، كما يحتاج لاحقاً إلى أغلبية تؤيد حكومته في التصويت على الثقة. ومن هنا تبرز المعضلة التي ستحكم المشهد السياسي بعد الانتخابات.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح آيزنكوت في الحصول على توصية 61 نائباً أو أكثر، بمساعدة إحدى القائمتين العربيتين أو كلتيهما. وفي هذه الحالة سيتمكن من تشكيل حكومة تستند إلى أغلبية يهودية داخل الائتلاف، ولكنها تحتاج إلى دعم أو امتناع الأحزاب العربية من أجل البقاء. هذا النموذج ليس جديداً على السياسة الإسرائيلية، لكنه يبقى نموذجاً هشاً ومعرّضاً للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو أمنية.
والمفارقة أن آيزنكوت يعلن حالياً أنه لا ينوي إشراك أي حزب عربي في حكومته. وهذا يعني أن استراتيجيته المحتملة قد تقوم على تشكيل حكومة انتقالية أو ضيقة، ثم انتظار لحظة مناسبة تدفع أحد شركاء نتنياهو إلى الانشقاق والانضمام إلى الائتلاف الجديد، سواء من الليكود أو من الأحزاب الحريدية. لكن التجربة الإسرائيلية تعلمنا أن التعويل على انشقاقات مستقبلية ليس أساساً متيناً لبناء حكومة مستقرة.
أما السيناريو الثاني، فهو أن يكرر آيزنكوت ما فعله بيني غانتس في السابق: الحصول على التكليف من رئيس الدولة، ثم الدخول في مفاوضات مع الليكود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة شخصية أخرى من الحزب او التناوب. هذا الخيار قد يبدو مسؤولاً من منظور الاستقرار، لكنه يحمل في طياته مخاطر سياسية كبيرة على آيزنكوت نفسه. فحكومات الوحدة الواسعة في إسرائيل غالباً ما تتحول إلى حكومات شلل وطني، يصعب عليها اتخاذ قرارات حاسمة في القضايا الجوهرية، كما أنها تضعف هوية الأحزاب المشاركة فيها وتطمس الفروق بين المعسكرات السياسية. وليس من المستبعد أن يجد آيزنكوت نفسه في نهاية المطاف أمام المصير ذاته الذي واجهه غانتس، عندما دخل إلى حكومة وحدة فخسر كل رصيده السياسي.
السيناريو الثالث قد يكون الأكثر جرأة والأكثر قدرة على إحداث تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية. ويتمثل في التوصل إلى تفاهمات واضحة وعلنية مع أحد الأحزاب العربية، سواء من خلال دمجه في الائتلاف الحكومي أو عبر إقامة شراكة سياسية داعمة للحكومة من الخارج، على غرار التجربة التي جمعت القائمة الموحدة بحكومة بينيت - لابيد، أو صيغة الدعم ككتلة منعها مثل التي قدمتها الأحزاب العربية لحكومة رابين في تسعينيات القرن الماضي.
صحيح أن هذا الخيار يواجه معارضة داخل قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي، لكنه يعكس حقيقة ديموغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها: المواطنون العرب يشكلون جزءاً من المجتمع الإسرائيلي، ومن الطبيعي أن يكون لهم دور في صناعة القرار، لا أن يُنظر إليهم فقط كاحتياطي انتخابي أو كعامل يُستخدم لإسقاط الحكومات أو إنقاذها عند الحاجة.
أما السيناريو الرابع فهو الأكثر تشاؤماً، لكنه ليس الأقل احتمالاً. فقد تجد إسرائيل نفسها مجدداً عالقة في دائرة الانتخابات المتكررة، حيث تتعاقب الحملات الانتخابية دون قدرة أي طرف على حسم الصراع أو بناء أغلبية مستقرة. مثل هذا الواقع لا يرهق النظام السياسي فحسب، بل يدفع الاقتصاد ثمناً باهظاً، ويقوض ثقة الجمهور بالمؤسسات الديمقراطية، ويؤدي إلى استنزاف القيادات السياسية.
وفي نهاية المطاف قد يفتح الطريق أمام عودة اليمين إلى السلطة في لحظة تعب وإحباط مجتمعي، كما حدث في محطات سابقة.
وسط هذه السيناريوهات كلها، يبقى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لنا كمواطنين عرب: ما الذي يجب أن نفعله؟ برأيي، الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نرتكبه هو التعامل مع الانتخابات وكأنها معركة تخص الآخرين فقط. فمهما كان رئيس الحكومة القادم، ومهما كان شكل الائتلاف المقبل، فإن القرارات التي ستُتخذ في الكنيست ستؤثر مباشرة على حياتنا اليومية، وعلى مدارسنا، وسلطاتنا المحلية، وأمننا الشخصي، وفرص العمل والسكن والتنمية في بلداتنا.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمع العربي ليس فقط رفع نسبة التصويت، بل بناء قوة سياسية مؤثرة تجعل من المستحيل تجاوزنا أو تجاهل مصالحنا. القوة السياسية لا تُقاس بعدد المقاعد فقط، بل أيضاً بوحدة الأولويات، وبالقدرة على بناء التحالفات، وبالاستعداد للمشاركة الفاعلة في مراكز اتخاذ القرار.
إن قطع الطريق أمام هيمنة اليمين لا يكون بالشعارات وحدها، بل ببناء شراكات حقيقية مع القوى اليهودية المؤمنة بالديمقراطية والمساواة. شراكات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على الخوف أو الحاجة المؤقتة للأصوات العربية. فالمجتمع العربي بحاجة إلى حلفاء يلتزمون بالمساواة المدنية الكاملة، كما أن المعسكر الديمقراطي اليهودي بحاجة إلى شريك عربي قوي ومنظم وفاعل.
وفي الوقت نفسه، علينا أن ننتقل من سياسة الاحتجاج فقط إلى سياسة التأثير. المطلوب أن نربط مشاركتنا السياسية بأهداف واضحة: مكافحة الجريمة والعنف، تطوير التعليم والبنية التحتية، توسيع مناطق النفوذ، تعزيز فرص العمل والاستثمار، وتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية. هذه القضايا ليست هامشية، بل تمثل جوهر حياة المواطنين العرب ومستقبلهم.
إن المشاركة السياسية الفاعلة لا تعني التخلي عن الهوية الوطنية أو عن الحقوق الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل، بل تعني استخدام الأدوات الديمقراطية المتاحة لتعزيز مكانتنا وتحسين واقعنا. ففي نظام يقوم على الائتلافات والتوازنات، تكون القوة لمن يجيد التنظيم والمبادرة وبناء الشراكات.
لهذا السبب، فإن التحدي المطروح أمام المواطنين العرب في المرحلة المقبلة ليس اختيار من سيفوز فقط، بل تحديد نوع الدور الذي نريد أن نلعبه. هل نبقى على هامش القرار نراقب الآخرين وهم يرسمون مستقبلنا؟ أم نبادر إلى بناء قوة سياسية تجعلنا شركاء حقيقيين في صياغة هذا المستقبل. الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم بكثير من هوية رئيس الحكومة القادم. فالحكومات تتغير، أما المكانة السياسية للمجتمعات فتتحدد بقدرتها على تنظيم نفسها والدفاع عن مصالحها وبناء نفوذها على المدى البعيد. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر المجتمع العربي في اليوم التالي للانتخابات.