يوميات يحيى الفلاح في الشمال
- كنت قد ظننت أن "باضت الجاجة ذهب"!! فها قد وجدت لي عملا محترما في موطني.. (الشمال) . قال يحيى في نفسه بعد تنهيدة تنم عن مشاعر مبطنة، قد عاد إلى مسقط رأسه، ووجد له عملا "مريحا" للوهلة الأولى في الشمال، وأعتق من هم السفر الدتئب للجنوب، مرة ينسى جواربه ومرة رباط حذائه ومرة ينسى ربطة الخبز ومرة اللحمة .. ودائما حقيبته السفرية تنقص شيئا لشدة استعجاله في توضيبها للرحلة المعهودة نحو الجهاد في الجنوب!ولكن، كان آخر همه الآن الحقيبة.. على العكس، كم تمنى لو تعود له أيام "العز" حين كان يفتش عن غرض ناقص في حقيبته حين يصل لثكنته الحصينة في الجنوب.. الآن يلعن الساعة التي عرف فيها أنه "فلاح"!!!ثقافة الفلاحين مختلفة، تربية الفلاحين مختلفة!!الكل مغنج مدلل "مايع"!! أين هي الصلابة في تربية أبنائنا؟؟؟
- كنت قد ظننت أن "باضت الجاجة ذهب"!! فها قد وجدت لي عملا محترما في موطني.. (الشمال) . قال يحيى في نفسه بعد تنهيدة تنم عن مشاعر مبطنة، قد عاد إلى مسقط رأسه، ووجد له عملا "مريحا" للوهلة الأولى في الشمال، وأعتق من هم السفر الدتئب للجنوب، مرة ينسى جواربه ومرة رباط حذائه ومرة ينسى ربطة الخبز ومرة اللحمة .. ودائما حقيبته السفرية تنقص شيئا لشدة استعجاله في توضيبها للرحلة المعهودة نحو الجهاد في الجنوب!ولكن، كان آخر همه الآن الحقيبة.. على العكس، كم تمنى لو تعود له أيام "العز" حين كان يفتش عن غرض ناقص في حقيبته حين يصل لثكنته الحصينة في الجنوب.. الآن يلعن الساعة التي عرف فيها أنه "فلاح"!!!ثقافة الفلاحين مختلفة، تربية الفلاحين مختلفة!!الكل مغنج مدلل "مايع"!! أين هي الصلابة في تربية أبنائنا؟؟؟
نعم، حصل على وظيفة لا بأس بها في مدرسة لا بأس بها أيضا! ولكن.. واجه ما لم يتوقعه أبدا في هذه النقلة النوعية: من الجنوب إلى الشمال!
وكم من اختلاف واختلاف شاسع بين بلح اليمن وعنب الشام!
كانت بالنسبة له رحلة الشتاء والصيف، عندما تنقل "متشحشطا" بين الموطن ومكان العمل. الآن المكان قريب، السيارة متوفرة، وكل الظروف المريحة متوفرة لديه، المعظم يحسده والبعض يغبطه لما توصل إليه من مكانة في عمله وكيف أن الظروف المحيطة تساعده في ذلك.
ولكن.. وهذه اللكن لا بد منها دوما..
يحيى لم ينبهر بهذا الانتقال إلا للحظات وجيزة.. وبعد ذلك بدأ يستوعب الصدمة شيئا فشيئا!!
فالانتقال.. يحتم كذلك انتقالا وتغييرا سيكولوجيا وليس فقط فيزيائيا! فعلى يحيى أن ينسى أو يتناسى العادات التي تعرف عليها في الجنوب، وأن ينسى أو يتناسى تلك القيم التي رآها هناك، برغم كل الصورة السوداوية التي حلها في رأسه لفترة ما، إلا أنه الآن بات يستوعب ذاك التميز الخفي لأهل الجنوب!!
هي كلمة حق لا بد منها!!
احتار يحيى.. لماذا هذا الفرق الشاسع بين هنا وهناك؟؟ ومن هو الأفضل؟ وكيف نحدد أن هذه الطريقة في التربية هي الصحيحة؟؟وأن هذه العادات المتوارثة مقبولة؟؟؟هنا؟؟أم هناك؟؟؟!!
أهم اختلاف توصل إليه يحيى وهو اختلاف لا حاجة لذكاء فائق لتمييزه فهو أمر وواضح وفاضح!!
احترام المعلم!!
تفاجأ يحيى وقد يكون ذلك خيرا وقد يعتبر لغيره شر.. أن الاحترام المباهى فيه للمعلم كان في الجنوب!! فالبدو هم شعب يحترم صاحب العطاء، ولا يمكننا إنكار ذلك، ما زال أهل الجنوب يمتازون بكونهم يقدرون حق التقدير صاحب الرسالة.. وكاد المعلم أن يكون رسولا!
ولكن.. للأسف الشديد.. عند أهل الشمال : الفلاحين، قيمة المعلم ومقدار احترامه للأسف فقد منذ زمن.. فقدنا هذه الميزة التي كنا نحن صغارا نمتاز فيها لمعلمينا: وكم كنا نستوعب المثل القائل: من علمني حرفا صرت له عبدا..
اليوم.. نجد جيل "الجيلي" و"كاسر الأمواج" و"الكوتسيم".. و"البسيم".. جيل "العلكة".. جيل ال"بلفون" وال "مبي فور" وغير ذلك وغير ذلك...مما يتعب القلب ويوجع الضمير.. نجد للأسف هذا هو الجيل المتباهى به في الشمال..
كم تشتاق العين لرؤية طالبة محجبة.. كما كانت تألف هذا المنظر في الجنوب.. حين كانت كل الطالبات ودون مبالغة محجبات.. كم تشتاق العين لرؤية هذه الهيبة عند الطالب.. فالصراحة.. وإن أراد أن ينزعج الفلاحون من ذلك فلينزعجوا.. إننا أمام جيل لا يبشر بالخير أبدا..
فقدنا القيم، فقدنا المباديء، فقدنا الاعتبار لكل أمر.. وبات همنا وشغلنا الشاغل تدليع أبنائنا أكثر..وتوفير كل متطلباتهم لهم.. وكأن الحرمان ولو قليلا لا يعد نظرية في التربية..
الطالب وإن صحت تسميته بطالب في الشمال.. نجده يحمل "بلفون"!! أحدث من هاتف المعلم! ويرتدي ملابسا قد لا يفكر المعلم في شرائها لنفسه.. الأهل يغدقون بل "يتبطرون" على أبنائهم بتوفير كل شيء!!!ومن أغلى الأشياء.. ولا ننسى الرحل الصيفية خارج البلاد والرفاهية التي يوفرها الأهل لإبنائهم.. رحم الله عثمان بن عفان..ورضي الله عنه.. الخليفة الذي نام على الحصير اليابس..وتقشف طيلة حياته...
اليوم.. في الشمال.. عند "الفلاحين" يعيش يحيى صدمة كبرى.. لم يتوقع هذا الهول من المفارقة بين من ينتمي غليهم.. وبين من حذروه منهم سابقا!!
كيف يسير الآباء بأبنائهم إلى الهاوية؟؟؟
أيعقل؟؟؟
"الطالب" – ولي تحفظ بتسميته طالبا في الشمال- يعيش "تخما" تخما بكل شيء.. وهذا التخم ولد لديه الفراغ .. الفراغ في القيمة.. فهو لا يتمتع بميزة تقدير الأشياء وتققيم وتثمين ما يمتلكه أو ما يوفره له الأهل.. وأكثر من ذلك.. لا يدرك – وليس لأنه لا يريد ذلك، ولكن لأنه تربى على ذلك، لا يدرك المعاني الساميةة للقيم والأخلاق!!
نجد..الطالب يرد جوابا للمعلم!! والمعلم صابر..
نجد..الطالب يتعالى على المعلم!!والمعلم صابر..
نجد..الطالب لا يحقق طلبات المعلم!! والمعلم صابر..
وبعد كل شيء..
يقدم المعلم امتحان البجروت عن الطالب!! والمعلم صابر؟؟؟؟؟؟
هذا ما قد تصل إليه الأمور.. وقد تصل للأسوأ... إذا لم يتدارك الأهل مصيبة ما يفعلونه في أبنائهم بإفراطهم في التدليل!!
الكل يريد لأبنه الأفضل..
ولكن من قال إن الأفضل بتوفير كل شيء للآبن؟؟؟ أليس الحرمان يعطيه توعية بتقييم المتوفر لديه؟ أين العقاب إذا أذنب؟؟أين التعنيف عند الخطأ؟؟كيف نحيده إذا لجادة الصواب؟؟
الكثير الكثير
صرخ يحيى.. بصوت مخنوق لم يسمعه أحد سواه..
تبا للشمال!!تبا لأهل الشمال.. اللهم اجعلني من أصحاب اليمين.. وأهل الجنوب!!