29° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

سراب الأماني/ بقلم: رافي مصالحة

رافي مصالحة: قساوة شعور المرء بأنه مغفل مخدوع بسراب الطّهر ووهم النقاء

م ا موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة قصة نُشر: 02/02/2013 الساعة 09:54 آخر تحديث: الساعة 14:07
حجم الخط
سراب الأماني/ بقلم: رافي مصالحة
سراب الأماني/ بقلم: رافي مصالحة · تصوير: كل العرب

رافي مصالحة: قساوة شعور المرء بأنه مغفل مخدوع بسراب الطّهر ووهم النقاء


التقى عقربا الساعة على منتصف الليل التقاء شقي المقراض ليجهزا يوما آخرا من أيام حياته. كانت الساعة العتيقة تطلق دقاتها في تراخٍ وهو في غمرة أفكارها الحائرة كأوراق الخريف في مهب الريح بينما غصون الشجر تتهامس فيما بينها في ثرثرة لا تنقطع وسعي الغيوم اللا متناهي وهي تحبس نور البدر الساهر في الاعالي، تنزلق كوشاح حريري ناعم على اكتاف مدينته الوادعه والعصافير جادة في محاولتها أن تحث النهار على الاستيقاظ والبرق يطعن الارض بنصل لامع بين لحظة وأخرى بنحو يوحي بوقع رمح اخيلس الاسطوري وهو يهوي على صدر هكتور بن بريام المنكوب أزاء ناظري هيكوبا الملكة الثكلى، وصرخات الرعد كأنها تسترجع صيحات كاسندرا الفاتنة والمحارب البطل يهوي على مرأى من عينيها الدامعتين فوق اسوار طروادة.
بدأ اليوم وضيئا مصقول الحواشي كثمرة شُقت لساعتها. وعادت الحيرة تشاطره سهاده، فمضى يسامر وحدته والأفكار تتصارع في أعماقه كموجات متلاطمة في بحرعاصف ساعة غضب بوسيدون اله البحار الزاخره. وفي غمرة هواجسه، تسلل طيفها خلسةً الى مخيلته ليعلن الهدنة في عراك طال امده وعلا غباره بين أفكاره المتلاحمة حتى تهاوى للسقوط من فرط وهنه وضعف حيلته وشدو العصافير الذي امتزج بجلبة الشارع ينعى فناء الليل الذي بدأ السّحَرُ يشقه وحبال نور الفجر القانية كأنها دماؤه التي اراقتها مديات اليوم الجديد. لن ينسى اليوم الذي صادفها به وهو يقصد قلب المدينة المزدحم بالمارّة في نهارٍ خالَ فيه للحظة أنه عثر لا محالة على ضالته.

أما هي...
فيذكر أنها كانت تمشي الهوينا كأنها تتقي جمارا تناثرت في دربها رآها في قلب نهار ذلك اليوم وهي ترتدي ثوبا يبعث الحرارة في كل امرىء ما عداها ممشوقة القوام واثقة الخطى تمشي بأنفةٍ كأنها العلم, تلف نفسها في ثوب محبوك من الرضى عن النفس لا ينفذ منه شيء عدا الايحاء بهالة القدسية، لها وجه رقيق كضوء الشموع تتراقص ابتسامتها بخوف مثل مصباح كهربائي مخلخل وشعرها المتهدل المنساب كجدول محفوف بالايك وبالسنديان يتغنّى خريره بدفء نسمات الربيع التي تراقصت لها الازاهير وسبّحت لها اليمامات على الأغصان, يلوّح له مودّعا وهو يطلق للريح كل الحرية في أن تداعبه في دلال غير ذي خجل ينمّ عن نبلٍ وأصالةٍ وفي عينيها الرائعتين الموروثتين من أفروديتا بريق سحري يخلب اللب تماما مثل الذي يظهر في بحيرة يسبح في لياليها القمر أو كعيني اللبؤة المنتصرة التي ظفرت بفريستها وهصرتها دون اشفاق, وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة كأنها قصيدة غزلية تبوح بأبلغ معاني الرقة والحنوّ. شفتان اصطبغتا بلون أحمر شفاهٍ يجدر أن تخطّ به يدها على مرآته: "أحبك" فبل أن تفارقه وهو غارق في لجّ رؤاه الصباحية. والعطر الذي انبعث من خلالها بث في فضاء الناس لغز الورود الكامن في بتلاته الرقيقة. لقد انطلق الفؤاد مبتهجا بالسرور وبالاهازيج, فلقد وقعت عيناه على شبيهة اندروميدا الفاتنة التي هام بجمالها بروسيوس المحارب الذي أهلك ميدوزا البشعه.

خفق القلب يومها...
بدأ يستجمع شظايا شجاعته المزعومة المتناثرة على الارصفة التي ارتشفت بهدوءٍ خيوط الضوء من المصابيح الهزيلة العاطفة على الطرقات الحالمة، كي ينطق ويعبر، دون أن يزلّ (كعادته) ويقول... ماذا عساه يقول ؟! كم سيبدو غبيأً عندما يخبرها بانها جميلة !!. الموقف يحتم قدراً من اللباقة والشاعرية، فلربما قال لها (مثلا) أنها البدرُ يسعى فوق الاسفلت. ما أسخفه !!. من الارجح أن نصف سكان الكون قد استنفذوا مثل هذا الكلام المبتذل، بحيث سيبدو مثل الفاكهانيّ الذي يغازل بضاعته أمام زبائنه. ماذا لو أخبرها ببساطه أنه مبهور بسحرهان بأنه سيرضى أن يكون سرجاً لفرس صاهلةٍ في مربط قلبها، بأن سهام لحاظها ستفتك به قبل أن يبلغ شفتيها، بأنه سيقتفي أثر غمام وجنتيها كي يشد الرحال حيث تهطل, وأنه منذ صادفها اعترته رعشة حب كبير... عاد الى وكر وحدته وطيفها يلح بأصرار أن يكبل خيالاته في وجوم ليل قد أوغل فيه صمت عميق تنادمه نافذة أرقة ومصابيح الطريق. وقضى أن يعيد الكرّة، عل القدر يقوده إليها في ذات الحيّ العتيق، وطفق يخصف على أشواقه من ورق الأمل فلربما يلقاها ويصارحها حباً قد براه وسهده، وشاء القدر أن يراها ثانية ....! تشابك الفكر، وزاغ البصر وتجمد الوقت عند وقع خطاها. وبينما هو في حيص وبيص من أمره، تتراماه أكف الحيرة وهو ينتقي التعابير بشغفٍ ليعبر عن وقع سحرها على كيانه، وإذ بها ترسل سهم عينيها صوبه لتصوغ ذات الابتسامة الناعمة، وإلى مسامعه تواردت كلماتها: "إقترب، لا تخجل، سأسعدك بل وسأراعيك في الثمن..."!!.

وهم النقاء...
هوت الآمال على إيقاع الشفاه العارية، في هاوية!. كل وجوه الشوق تمزق عنها النقاب وغاصت في سراب. ود لحظتها لو لم يرها. ما أقسى شعور المرء بأنه مغفل مخدوع. كان وقع الصدمة كالصاعقة. لملم أشلاء ما تسنّى من ارادته وحيلته وخيبته، وعاد أدراجه يتسكع بحثا ً عن سراب الطّهر ووهم النقاء في شوارع المدينة الصاخبة. وعندما تلاشى سحر اساطير الاغريق، وتبخرت الشاعرية، بدأ ساعتها يحتسّ رائحة الماء الآسن وأوعية القمامة التي تنبعث منها النتانة على الارصفة العفنة في تلك الجادة الحقيرة، وطفق يسبح في بحر وجوهٍ جامدةٍ من قطعان البشر... 

موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.net
 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد