وسنبقى عَدَدْ عَدَدْ/ بقلم: محمد كناعنة
اخرُج من غرفتي صَوب ساحة السجن، اتلَمس بعض الدفء، انظر الى الافق البعيد، الشهب تتثاءب فوق جبال الجَلبوع، تُزاحِم بَقايا غيومٍ وسحبٍ كانت قد افرَغَت قَبْل بُرهةٍ ما في جُعبتها من خيرِ الله على عبادهِ الصالحين وغير الصالحين، اقف متشائما انا الاخر، عند مرمى اشِعتها الدافِئَة عِنْد اسْلاكٍ تَظُنُ انّها قادرةً على حجبِها، امَتِعُ عَيْنَيَّ بالمشهدِ، تبتسم لي من علّوِها اظُنُها تَقْرَا بنات افكاري وَمن بابِ استغلال الفرصةِ على قاعدةِ انّ "الحياة فُرَص" بحسبِ ما يذهب اطباءُ السياسةِ. امارس رياضة العيون وهذه قد تعلمتها من احد رفاق الجبهة الشعبية في ذات السجن قبل ربع قرن من الزمان كانه الامس، مما يساعد في الحفاظ على سلامة البَصر من خلال النظر يوميا لِعدة دقائق الى نقطةٍ بعيدةٍ، ابعد مِنْ جدران السجن – وابعد من النظر بين القدمين – للحفاظ على الشعيرات الدموية في موضع العين حية، حتى لا تتلف وتموت بفعل قصر النظر – تماما كما يحدث مع قصيري النظر سياسيا، فكم من هؤلاء تعثروا وسقطوا وان كان السجن هناك "فوق" – هذا ما احاول دائما ان انقله من تجربتي لرفاقي واصدقائي، تحديدا الشباب اذ كان ذلك داخل السجن او خارجه.. بُعْد النَظر يُقوَي البصيرة ويحمي خطواتنا من عثرات الزمان، وتبقى الرؤيا بالاتجاه الصحيح . غبار الذاكرة بعد ان اخذ جسدي قِسطا من لهب شمس كانون نَفَضْت عني بعضا من غبار الذاكرة اتناول سماعة الهاتف المنتصب في جنبات ساحة السجن كالمنارة عند كلّ مرفأ طَلَبْتُ رقمَ صديقتي ومساعدتي في شؤون الفيس بوك والانترنت واشياء اخرى فداء ابنتي الوسطى ذات السبعة عشر ربيعا ناشطة في العمل الوطني ساهمت في مشروع مقاطعة الانتخابات صوتها كان وما زال عاليا ، رغم انّها ليست مِن اصحاب حق التصويت تقرأ لي عبر الهاتف طبعا ، اخبار الانتخابات وخاصةً حَرب داحِسْ والغبراء الفيسبوكيَة بين شباب الجبهة والتجمع كان الاستياء لديها عاليا مما يحصل واخبرتني عن تدخلها لصالح صديقتها التجمعية بعد أن امطرها بعضهم بتعليقات غير لائقة، وطلبها من هؤلاء ان يكفوا عن مضايقة ابنة بلدهم وشعبهم، وان يحترموا آراءها وفعلا كان لها ما ارادت، وكانت سعيدة بهذا الانجاز وقد حدّثتني انّها كانت تضطر لفعل ذلك مع كلا الطرفين. قلت: "ما رأيك يا فداء انْ اكتب رسالةً موجهةً الى شبابنا، موجهة الى مختلف الاحزاب والانتماءات، تحمل دعوة للعمل المشترك في القضايا الوطنية الجامعة ونبذ الاحتراب الشبابي الحزبي غير المبرر"، فقاطعتني: "يا ابي هؤلاء يكرهون بعضهم البعض اكثر مما يكرهون اسرائيل"، فقلتُ بسرّي: "وهل يدري بالامر شعبان عبد الرحمن وعمر موسى"... واخبرتها انّ هذه الرسالة ستكون بين يديها قريبا، وافقتني الرأي والحماس بادٍ في نبرة صوتها متغلبا على الجانب المظلم من مشاهدتها للواقع، وعاجلتني بسؤال: "هل علمت بحجم التزوير وسرقة الاصوات؟"، عاجلتها بالرد بتلقائية ساخرة: "ما حدا بسرق غير المحتاج!!" فقالت: "شوف، صديقتي فلانة بتعرفها صح؟" قلت: "طبعا"، قالت: "شو رأيك انّها اقسمت لي يمين بانها صوتت اكثر من عشرين مرّة وهي ما الها صوت اصلا"، قلت: "قولي لها الّي بسرق بروح عَ النار"، قالت وهي تشدّ على اسنانها سخريةً وغضبا: "بسْ عند الكرسي ما بعود حدا يعرف جنة ولا نار".
اخرُج من غرفتي صَوب ساحة السجن، اتلَمس بعض الدفء، انظر الى الافق البعيد، الشهب تتثاءب فوق جبال الجَلبوع، تُزاحِم بَقايا غيومٍ وسحبٍ كانت قد افرَغَت قَبْل بُرهةٍ ما في جُعبتها من خيرِ الله على عبادهِ الصالحين وغير الصالحين، اقف متشائما انا الاخر، عند مرمى اشِعتها الدافِئَة عِنْد اسْلاكٍ تَظُنُ انّها قادرةً على حجبِها، امَتِعُ عَيْنَيَّ بالمشهدِ، تبتسم لي من علّوِها اظُنُها تَقْرَا بنات افكاري وَمن بابِ استغلال الفرصةِ على قاعدةِ انّ "الحياة فُرَص" بحسبِ ما يذهب اطباءُ السياسةِ. امارس رياضة العيون وهذه قد تعلمتها من احد رفاق الجبهة الشعبية في ذات السجن قبل ربع قرن من الزمان كانه الامس، مما يساعد في الحفاظ على سلامة البَصر من خلال النظر يوميا لِعدة دقائق الى نقطةٍ بعيدةٍ، ابعد مِنْ جدران السجن – وابعد من النظر بين القدمين – للحفاظ على الشعيرات الدموية في موضع العين حية، حتى لا تتلف وتموت بفعل قصر النظر – تماما كما يحدث مع قصيري النظر سياسيا، فكم من هؤلاء تعثروا وسقطوا وان كان السجن هناك "فوق" – هذا ما احاول دائما ان انقله من تجربتي لرفاقي واصدقائي، تحديدا الشباب اذ كان ذلك داخل السجن او خارجه.. بُعْد النَظر يُقوَي البصيرة ويحمي خطواتنا من عثرات الزمان، وتبقى الرؤيا بالاتجاه الصحيح . غبار الذاكرة بعد ان اخذ جسدي قِسطا من لهب شمس كانون نَفَضْت عني بعضا من غبار الذاكرة اتناول سماعة الهاتف المنتصب في جنبات ساحة السجن كالمنارة عند كلّ مرفأ طَلَبْتُ رقمَ صديقتي ومساعدتي في شؤون الفيس بوك والانترنت واشياء اخرى فداء ابنتي الوسطى ذات السبعة عشر ربيعا ناشطة في العمل الوطني ساهمت في مشروع مقاطعة الانتخابات صوتها كان وما زال عاليا ، رغم انّها ليست مِن اصحاب حق التصويت تقرأ لي عبر الهاتف طبعا ، اخبار الانتخابات وخاصةً حَرب داحِسْ والغبراء الفيسبوكيَة بين شباب الجبهة والتجمع كان الاستياء لديها عاليا مما يحصل واخبرتني عن تدخلها لصالح صديقتها التجمعية بعد أن امطرها بعضهم بتعليقات غير لائقة، وطلبها من هؤلاء ان يكفوا عن مضايقة ابنة بلدهم وشعبهم، وان يحترموا آراءها وفعلا كان لها ما ارادت، وكانت سعيدة بهذا الانجاز وقد حدّثتني انّها كانت تضطر لفعل ذلك مع كلا الطرفين. قلت: "ما رأيك يا فداء انْ اكتب رسالةً موجهةً الى شبابنا، موجهة الى مختلف الاحزاب والانتماءات، تحمل دعوة للعمل المشترك في القضايا الوطنية الجامعة ونبذ الاحتراب الشبابي الحزبي غير المبرر"، فقاطعتني: "يا ابي هؤلاء يكرهون بعضهم البعض اكثر مما يكرهون اسرائيل"، فقلتُ بسرّي: "وهل يدري بالامر شعبان عبد الرحمن وعمر موسى"... واخبرتها انّ هذه الرسالة ستكون بين يديها قريبا، وافقتني الرأي والحماس بادٍ في نبرة صوتها متغلبا على الجانب المظلم من مشاهدتها للواقع، وعاجلتني بسؤال: "هل علمت بحجم التزوير وسرقة الاصوات؟"، عاجلتها بالرد بتلقائية ساخرة: "ما حدا بسرق غير المحتاج!!" فقالت: "شوف، صديقتي فلانة بتعرفها صح؟" قلت: "طبعا"، قالت: "شو رأيك انّها اقسمت لي يمين بانها صوتت اكثر من عشرين مرّة وهي ما الها صوت اصلا"، قلت: "قولي لها الّي بسرق بروح عَ النار"، قالت وهي تشدّ على اسنانها سخريةً وغضبا: "بسْ عند الكرسي ما بعود حدا يعرف جنة ولا نار".
مكالمات الاسرى
انقطع الاتصال، ولا ادري لماذا ؟! اهو بفعل ضعف الارسال ام بفعل تدخل من يتنصت على مكالمات الاسرى ؟ ، لكن بقي صدى كلمتها الاخيرة يتردد بيني وبين جهاز التسجيل الاستخباراتي.. نار نار نار...، غاب صوتها عني وما زالت زفرات الشوق في انفاسها تلفَحُ جدران قلبي، وها انا اقف حيث انا متسمرا اقاوم لَسعات برد خفيفة، يشدّني مشهد تكرر في الايام الاخيرة فوق سياج ساحتنا الشائك، اسراب طيور مهاجرة من وليس الى الشمال تجوب فضاء مرج بن عامر كانّي بها تبحث عن عين جالوت لترمي هناك دمعتها حزنا على التاريخ ، فالارض هي الارض والمكان اقوى من الصابِرين في صفحات الزمان اذْهَب في شرودي حدّ الهَذيان وَالهلوسة بصوت قطار يمرّ من هنا الى الحجاز على سكة حديد دُشنَّت هنا عام 1905 وما زال حجر الاساس قائما حتى الآن في الزاوية الشرقية من سجن شطة، صوت زامور سيارة يقطع عليَّ سفري في اسفار التاريخ، الزامور يتقطع ويتواصل على الشارع المحاذي للمكان باتجاه الشرق انصتُ للصوت القادم من هناك، واتسائل: "من هذا يا ترى الذي يبعث لنا بتحياته ؟ اهو اخي مسافرا الى الاردن ام صديقا عابرا باتجاه ارض الحجاز مُعْتَمِرا، ام رفيقا زائرا القدس او عمان، ام احدهم هائما على الدرب يَسْتَفِزُ حُراس الجُدْران، ام اسيرا سابقا يعلمُ معنى هذا الزامور من الجهة الاخرى. وَمع تتابع جوقة الزامور قلت لنفسي، لا بد انّ هذه قافلة نائب عربي في الكنيست الاسرائيلي بعد الانتصار العظيم هناك اتية لتحقيق نصر آخر هنا ، "تحرير الاسرى من سجونِ الاحتلال .. واذ بصوتِ السجان ينقذني من هَلْوَساتي وَيُعْلن باعلى صَوتِهِ عَدَدْ عَدَدْ..، اعود الى زِنزانَتي وانا اعلم ان هذا الزامور قد يكون لا احدْ ...لا احدْ.
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.net