على الرصيف/ بقلم: رافي مصالحة
رافي مصالحة في مقاله:
رافي مصالحة في مقاله:
في بلادي في بلاد الرجولة المتقهقرة الهائمة الضاجة بالسعال وبدخان البنادق التي تنطلق في كل اتجاه عدا اسرائيل اهتدى البشر منذ قرونٍ للسجود لإلهٍ واحدٍ لكنهم ما زالوا يبتكرون كلّ يوم الف وسيلةٍ لقتل الطفولة
أتحرّق شوقاً لذلك الحلم الفتيّ المشرّد الذي يتسامى مع غبار الطرق ويتجسد في كل زفير محمّل بجمر التعاسة الهاطل من خريف القلب. يداهمني في ذروة غفوتي طيف ذلك الطفل الذي عاهد الفقر ألا يفترقا، وحالف الشقاء الذي انتهك كلّ الأنظمة ومواثيق الحقوق، وتربّص لبهاء الطفولة فقتله في مهده.
في بلادي، في بلاد الرجولة المتقهقرة، الهائمة الضاجة بالسعال وبدخان البنادق التي تنطلق في كل اتجاه عدا اسرائيل، اهتدى البشر منذ قرونٍ للسجود لإلهٍ واحدٍ، لكنهم ما زالوا يبتكرون كلّ يوم الف وسيلةٍ لقتل الطفولة !.
سبات أزليّ
وأصحو متثاقلا من سباتي الأزليّ وأنظر في المرآة كي أرى فيها ذات الطفل الذي ارتسمت على جبينه خطوط قذارة شوارع نتنة بعدما سكن الرصيف ونام على وقع أقدام العابرين اللاهثين في خضم العتمة وراء الرذيلة، وعويل القطط وأنين القطارات المتباعدة نحو العدم. لقد عشق التسكّع بمنتهى البلادة عند مقاهي الرصيف وشجيراته العارية التي لم تزهر يوماً، لكنه عشق وحل الرصيف أكثر. كان اسمه يوماً "ابن الشهيد"، وما الشهيد في خياله إلا جثة نفقت جائعة على مرأىً من أعينٍ تفيض ارتخاءً وبروداً، يعلوها الذباب، وعظام كفاح وبطولة مدفونة في القش والحصى ذوت كورقة غار ذابل تتقاذفها الرياح وتلاشى بين طيات خطابات ناريّة يتلوها جبناء لا يعرفون شيئاً عن الصبر والكفاح والنضال.
الهاجس الخفيّ
هذا هو الطفل الذي دقّ بتكاسلٍ نواقيس الحزن في هواجسي الليلية. الهاجس الخفيّ يهمس لي في قلب العتمة الشاحبة: "قم ولملم حطام براءة الصغار من الشوارع قبل أن تبعثرها الريح أو يتلقفها القراصنة ذوو القلوب المشوهة الجذور إلى زوارق الضياع". ثمّ أستفيق لأجد الوطن الهزيل قد زاد نحولا، لكن الهوّة بين الطفل الذي غزا خلدي وبين رغيف السغب امتدت أميالا، وتعاظمت قائمة الشهداء، ومعها قائمة ساكني الأرصفة الباهتة المعالم، ويتبعها قائمة السماسرة ذوي العيون الصفراء الذميمة، وسيل البيانات ورسائل التأبين، والناعين والخطباء، وقد علت إزاء كل هذا نبرة زعاماتنا، زعامات فنون الثرثرة.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net