31° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

مقطع من رِوايّة (السَّعادة والصَّمت هما الجَريمة) بِقَلم: رَوان إرشيد

كانت عَقارِب الساعة تُشير إلى الواحِده بعد مُنتصف اللَّيل .. تَركني في حالة يُرثي لَها، حينَما ضاقَت الأشعار وانتحرت القوافي، وماتَ الحَمام على شُرفة الوَطن .. وتِهنا في خَنادِقنا .. وَسُلبت أغانينا .. وَتَوجعَت أمانينا .. وَتَرتبت شَكلُ خَيبتِنا .. وَأَصبَحتُ صَمّاء باكِيّة ..كَكُحل الحُزن في عَيني .. وأصبَح الأمسُ مُزيفًا .. والكلِمات حَمقاء .. والنفيُّ صَريحٌ لا بدَّ أن يُقتَدى بِهِ ..

م ا موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة قصة نُشر: 06/11/2010 الساعة 21:40 آخر تحديث: الساعة 08:24
حجم الخط
مقطع من رِوايّة (السَّعادة والصَّمت هما الجَريمة) بِقَلم: رَوان إرشيد
مقطع من رِوايّة (السَّعادة والصَّمت هما الجَريمة) بِقَلم: رَوان إرشيد · تصوير: كل العرب

كانت عَقارِب الساعة تُشير إلى الواحِده بعد مُنتصف اللَّيل .. تَركني في حالة يُرثي لَها، حينَما ضاقَت الأشعار وانتحرت القوافي، وماتَ الحَمام على شُرفة الوَطن .. وتِهنا في خَنادِقنا .. وَسُلبت أغانينا .. وَتَوجعَت أمانينا .. وَتَرتبت شَكلُ خَيبتِنا .. وَأَصبَحتُ صَمّاء باكِيّة ..كَكُحل الحُزن في عَيني .. وأصبَح الأمسُ مُزيفًا .. والكلِمات حَمقاء .. والنفيُّ صَريحٌ لا بدَّ أن يُقتَدى بِهِ ..

- بَدأتُ أتَساءل إن كان هناك من منطّق أن أتصّل به في مساءً يَكاد يُشبه هذا المساء لعلَّ مسارات التأويل ترجِع صاخِبةً من جديد، فَرأيتُ بأنَّ أجواء كَهذهِ من الطبيعي أن تَختفي الكلمة وتنتفي لُغة المنطّق والعقل والحوار، وَيأتي السؤال القديم جديد وما بينَنا سَكرة من نار، وشهوةً، ودُّخان.

وضعتُ أجواء الصَّمت تحتَ مهجر تفسير هواجِسي ليبقى شِريان دَمي في خطرٍ مُتدّفق لِيرضَعهُ موتًا تعانيهِ الذّات كما كان يقول افلاطون: (انَّ النصوص في خطر دائم من سوء التفسير، لأنه لا يوجد قارئ كامل، كما لا يوجد كاتب في حالة تحكُّم كاملة). هكذا ليسَ بمقدوري التحكّم في ذاتي وكلماتي لأجلهِ وَلأجل وطني الّذي كواني بِنار الآه حتّى لم يَتبقى لنا أرضًا نَعشقها كعاشِقة لِفارسٍ نَبيل عِند قُبلة أولى.

تَركت الوقت ينثني ويتَقارع لِوحده بين الأعاصير والأزمِنّة والغَموض، وَبقيتُ في حالة صِراع مع الرِّواية، أقرأ بها وأتذكر وصف الناقد الأدبي جيفري هارتمان حينما قال بأنَّ القِراءة هي (صراع من أجل النّص) ثم استدرك وقال بل هي (صراع مع النّص). هكذا تَمامًا كنتُ أتصارع مع النّص بعيدةً عنهُ، أجمعُ أجزاءهُ وأُكوِّن مُفردات على ظِلال جِفنيهِ البَعيدين، حاولت الإبتِعاد عن المنطّق قليلاً إلاّ أنَّ جمرات النّص إشتعلت وخاضت حربًا الى حين لم أجد مَفرًا سِوى أن أُعذّب نفسي بِصمت الكلام.

أحرقتني وَزادتني إنفِعالاً تِلكَ العُيون الّتي رجِعت الى حينَ احترقت مَطرًا وَأمطرت نارًا .. فتَغيّرت ملامِح وجه مدينة الناصِرة .. وتعطّلت أجهزة المَباني .. وبكت شَوارعها ومَمراتها وأزّقتها، وشَرِبنا حتى غَرقنا من خَمر غِيابنا الّذي لم يَكُن لهُ حُضور، واستَفقنا من نُعاس السّكره .. كنّا في جوعنا كافرين الى أن صُلبنا كَالمَسيح حينما حمى ثَورة المُستضعِفين الّذين على جُروحهم ثائرين ..

رَمتنا الدّنيا بلا حبّ .. بلا وَطن، وَعانقتنا في غبّ انثيال التّعب، وانسكب فُنجان شايي في رحم المدينة، وَتأجلت قوافِل المطر، وحارَبتنا طواحين الهَواء، وَأصبَح تاريخ شعبنا هو تاريخ الكلمة بحدّ ذاتها .. وأصبحت نصف حياتنا نار ونصفها الآخر نور يرتبط بالبِقاع والأمكنة ...

لم أكن أعلم حينها كيفَ لكُلُّ لاءاتِ اللُّغاتِ أن تجتمع في هذا السُكون؟

وكيف لي أن أسأل الشّمس في الصَّباح كيف للصُّبح أن ينبلج ليَعتِق الأضواء عَبرَ الأُفق؟ وكيف للصحراء أن تحترق؟ وكيف للعُيون أن تُعمى؟

الغريب هو بأن هاتِفي بدا يرّن في هذه الساعة المُتأخِرة، وإذ به هُو يطلب مني أن نلتقي بِموعد في اليوم الّذي يليه لنجلِس في صفحات لَيلِنا المائِج على شواطِئ العتمة ..

أيا تُرى سيرجِع نبض الحياة من قديمٍ جديد؟

إنّهُ اليوم التالي .. يوم اللّقاء ..

بَدأتُ بهِ عَملي كالعادة، ثم أتلهّى بِقراءة قَصائِد لِلشُّعَراء الروس منهم (بوشكين، ماياكوفسكي، يسينين، آنا أخماتوفا، رسول حمزاتوف وألكسندر بلوك) إنّهم عَمالِقة الشِّعر ذات الأحاسيس الشّعبيّه المُغرقه بالثّورة الشعريّة والّتي تتجاوز التقاليد الباليّة، لهم طريقتهم في التزّمت والتّسلط والتّصنع، فكان وما زال الشِّعر الروسي رازحاً تحت أعباء الكلاسيكية الثقيلة، حينَما أقرأ كلِماتهم فَأرى تأثيرهُم واضِحًا على الموروث العَربي حيثُ ظهر في شِعرهُم (القرآن وألف ليلة وليلة وقصة ليلة القدر وسواها من هذا الموروث) .. كان فُنجان النَعناع لا يُفارِقني أبدًا، أرى لِذة الشِّعر في فُنجاني .. وحينَما انتَهي أرجِع الى البيت، أخبئ حُزني في شَجرة الطرفاء، وَأصعد الأدراج لأجلِس إلى مَكتَبي كَعُصفورة في قَفص من حديدٍ، صَلب ..

وحينَما اشتعل المَساء بِنور القَمر وَالنُجوم، وقارورة البحر طافية في بطنها مفتاح الحياة، ومغرب نبضي يستل شَرق بَوحي ..

لَبِست فُستانًا أسودًا، من جرسيّة الحرير، وَوَضَعتُ حِزامًا من الجِلد كانوا يُسمونهُ بالإنجليزيّة Yves Saint Laurent* لونهُ بِلون الغُموض وَوضعت أحمر الشِفاه على شَفتايَّ بالفرشاه .. وبعد اكتمال رسمهُما حددتهما (بالكونسيلر) الى حين لمعت، وَضعتُ خِمارًا شفّافًا أسودًا فوقَ وجهي حينها أضاف مزيدًا من الرقّة والغُموض والإثارة، وَأطلتُ أظافِري وَوضعتُ عليهما ألوانًا حياديّة خافتة تَكادُ تلمع، وتجعل الأظافر تبدو الأكثر طبيعيّة في الظّلام، وَوضعتُ كريم خاص باليدين المرطب والمغذي الّذي يحتوي على فلترات وقاية ومستخلصات مضادّة، ووزّعت بودرة باللّون الورديّ عند تفاحة الخدين حيثُ أنّها تضفي النضارة والحيويّة على الملامح بشفافية تامة، ثم وزعتُ الظل الدخاني فوق كامل الجفنين المتحركين ووضعتُ الظل المضيء تحت رسمة حاجبيّ وعند زاويتيّ العينين الداخليتين، ثم حددتُ الجفن الداخلي لعينايَّ م! ع خط الرُّموش السفلى بقلم الكحل أسود اللّون، وبرزتُ رموشي بطبقتين من الماسكارا السوداء. وذهبت الى حين اللّقاء ..

رأيتهُ يبحث عني في وُجوه الحاضِرين.

كُنت مُتأخره عن الموعد قَليلاً فلمّا رآني سبِقتهُ الفرحة فلم يَسألني عن سَبب تأخُري حيثُ كان يعرِف أنّني أكره اللّقاءات العامّه خاصةً بين عشيقين اثنين

أول ما قالهُ: أحُبكِ بهذا الفُستان الّذي تَحتَرِفين السَّواد بِهِ.

وما أشهى بِأن يكون طَعم الخمر طعمَ لُعابكِ‏ ..

ثم أضاف قائِلاً: أخاف أن يتوقف قلبي عن النبض، وأنتِ تعرِفين جيدًا أنّني لا أملك سِوى قلبًا واحدًا

كان يَشكُر الله ويقول آمَنتُ بالبَحر الّذي يَغفو بعَينيكِ، وَإنّي والله لم أُشرِك بربّ العالمين

ومن كان يَسألهُ عمّن يُحب فَيقول: أحبُّ سيِّدةً تُمارَس ضِدها كلُّ ممنوعاتِ الكون

سيِّدةً تخنع تحتَ أسودٍ منسوجٍ بالشُبهات

سيِّدةً لَيس لِوجهها لَون

سيِّدةً جَعلتني طائِرًا بين يَديها

لقد أحببتها وانتهى الأمر

كان في لقاءنا تواطؤ جسدي ما على أعتاب المَساء اللَّيلي الصّامِت حيثُ تَلاشت قافلة الكَلِمات في الظَّلام وَاخَتَفت جَميع النُجوم، وجُنّت رِياح الحُبّ، وَجلستُ متأملةً كَصوفيّه تَسجُد في نتوء زمنٍ آخر أذكُر الله، فَرَكعتُ رَكعةً وَسَجدتُ سَجدتين وإذ بِهِ يُعانق ورودًا بِأَناملهِ وَيَحملُ بِعطرَ كفّيهِ بَخّورًا، وَيَمسِك بيدي ليأخُذني الى مكانَ نَتحاور بِهِ بعيدًا عن جميع الوُجوه.

تمنيتُ في تلكَ اللّيلة أن أسافِر معهُ ذِئبَ السَماء وَجُنون القُرنفُلة التي تَبتَلِع مِقبَرة كَلِماتنا لاهِثَة خَلف ضَجر مَضرَج القَحط وَوِسامَة رَقمية ..

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد