ما بين تحمُل المسؤولية وتحميل..
ما بين تحمُل المسؤولية وتحميل المسؤولية
ما بين تحمُل المسؤولية وتحميل المسؤولية
خلال سنوات عملي في سلك التعليم لفتت نظري سلوكيات عديدة ينتهجها طلابنا ، بقصد أو بدونه . إحدى تلك السلوكيات هي ردود فعل الطلاب المتباينة عند تلقيهم نتائج امتحاناتهم . فعندما تكون علامة الطالب عالية ويُحقق النجاح المطلوب يكون رد فعله التلقائي :" حصلتُ على علامة خمسة وتسعون !" أمّا عندما يحصل على علامة لا تعجبهُ ، فإن رد فعله التلقائي يكون :" المعلم أعطاني فقط خمسون!"...
يتجهُ ذاك الطالب-الشاب بعد ذلك إلى المجتمع الأكبر ويحاول اجتياز امتحان السواقة العملية ، على سبيل المثال، فيحمل معه نفس ردود الفعل المتباينة التي ميّزته كطالب ، مُتهماً الممتحن عند رسوبه ، مُكيلاً المدح والتهليل والإطراء لنفسه عند نجاحه...
هذا هو حال طلابنا في المدارس ، ولا يختلف الوضع عندما نُمعن النظر في المجتمع العربي الذي نعيش فيه – سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى العام .فحين يقع حادث طرق نُوجّه أصابع الاتهام إلى الشارع الضيق أو غير المضاء وإلى الإشارة الضوئية وإلى السائق الآخر وإلى المطر وإلى..، وآخر من نحمّله المسؤولية عمّا حدث هو أنفسنا...
وعند التطرق إلى حالات العنف المقيتة ، التي أضحت وللأسف الشديد من سِمات مجتمعنا العربي ، فإننا نُحمّل المسؤولية دائماً للغير، فنُحمّل الشرطة مسؤولية التقاعس وعدم فض الخلاف في الوقت الملائم ، ونُوجّه أصابع الاتهام للطرف الآخر ، وننسى أن السبب الأول والأساسي في مشاكل العنف التي تجتاحنا يكمن في عقولنا وتصرفاتنا وانجرارنا وراء نزواتنا الذاتية والحمائلية والطائفية ، التي تقودنا إلى كُره الغير وبُغضه ومقته...
ولا يختلف الحال عندما نُناقش فيما بيننا مشاكل سُلطاتنا المحلية والعجز المالي الخانق الذي تُعاني منه تلك السُلطات المحلية العربية ، فإننا نُحمّل دائماً المسؤولية لوزارة الداخلية ولوزارة المالية التي لا تُحوّل الميزانيات الملائمة والكافية لمجالسنا وننسى أو بالأحرى نتناسى مسؤوليتنا كمواطنين اتجاه قريتنا وبلدتنا وتقصيرنا في دفع ثمن المياه والضرائب المستحقة ، الأمر الذي يُؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمان أولادنا وشيوخنا من المياه ، بسبب عدم تحمّل قسم من المواطنين المسؤولية اتجاه قريته ...
إن إحدى الميزات والسمات الهامة الدالة على قوة شخصية الإنسان هي قدرته ومقدرته على تحمّل المسؤولية ، وخاصة عند الفشل والإخفاق ،لأن "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " – فالأب مسؤول عن تربية أولاده وتعليمهم وتهذيبهم ، وعليه تحمّل مسؤولية هذه الأمانة ، ومدير المصنع مسؤول عن مصنعه وعن الإنتاج والنجاح والأرباح وسلامة العمال ، ومدرب فريق كرة القدم مسؤول عن فريقه وعن نجاحه وعن تحقيق الفوز تلو الآخر ، والمعلم مسؤول عن طلابه ونجاحهم ... وكما نفتخر ونتفاخر ونتباهى أمام الملأ عندما نفوز وننتصر وننجح ونحقق الأهداف المنشودة ، علينا أيضاً أن نتحمّل المسؤولية الكاملة عند الفشل وأن نفحص الأمور التي أخطأنا فيها وأن نفحص نقاط الضعف وكيفية التغلب على هذه النقاط ، لكي نعود من جديد إلى مسار النجاح ونقود سفينتنا بسلام إلى بر الأمان...
من السهل جداً توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين واتهامهم بفشلنا وعدم نجاحنا ، لأننا سنشعر حينها براحة مؤقتة ، وكأننا غير مذنبين بما حصل ، ولكن كما ذكرتُ فإن هذه الراحة مؤقتة وهي لا تعفينا ولا بأي شكل من الأشكال من المسؤولية ...
تذكر دائماً بأنك عندما تُوجّه أصبع ألاتهام للغير ، فإنك تمدُ فقط أصبعاً واحدا" ، أما الأصابع المتبقية فإنك وبدون قصد وبدون أن تشعر توجهها وبشكل مُبطن باتجاه نفسك ، وهذه هي عملياً المعادلة الحقيقية في التعامل مع ما يواجهنا من مشاكل ومتاعب...
ختاماً: أؤكد ثانية بأن تحمّل المسؤولية هي من أهم مُركبات وعناصر القيادة ومن أهم الدلالات على قوة الشخصية ، لأن الإنسان القادر على تحمّل المسؤولية سيستخلص وبسرعة العِبر من فشله وإخفاقاته وأخطائه في المرات القادمة ، أمّا تحميل المسؤولية للآخرين والتنصل منها ما هو إلا سلاح يتسلح فيه ضعفاء النفوس ، لكي يحموا أنفسهم ، فتكون عواقب هذا التنصُل وخيمة عليهم ، وأحياناُ أيضاً على الآخرين...