عمرو موسى يتجنب الحقيقة
السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية لخص حال العجز العربي بشكل بليغ في تعليق له علي المباحثات الايرانية ـ الامريكية التي جرت في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية يوم امس الاول عندما قال: استبعدونا كعــرب من المشاركة فــي الحديث عن مستقبل العراق، في اشارة الى استياء النظام الرسمي العربي من التصرف الامريكي المذكور.استغراب السيد موسي ليس في مكانه، لان العرب، ونحن نتحدث عن الحكومات وليس الشعوب، ليس لهم أي دور علي الاطلاق في حاضر العراق، ويقفون موقف المراقب المتفرج، وتركوا الساحة تماما للاعبين الاساسيين، ايران والولايات المتحدة الامريكية، ولذلك لا تحق لهم الشكوي من هذا الاستبعاد المذل والمهين في الوقت نفسه، فهم استبعدوا انفسهم، وتخلوا عن واجباتهم تجاه العراق.الادارة الامريكية تتعامل مع الأنظمة العربية كأدوات حرب، وليسوا كشركاء في عملية السلام. والعرف السياسي يفيد بان الادوات ينتهي دورها بانتهاء المهمة التي استخدمت لإنجازها.فالمسؤولون الامريكيون استخدموا الانظمة العربية المجاورة للعراق كمنصة انطلاق لقوات الغزو والاحتلال وتغيير النظام الحاكم في العراق بالتالي، وأقدم العرب على تقديم هذه الخدمة المجانية، وغير الاخلاقية، في الوقت نفسه، دون ان ينخرطوا في اي حوار مع البيت الابيض حول مخططاته في العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال وتغيير النظام، وشكل العملية السياسية التي يمكن ان تنشأ في المستقبل، وايدوا كل الخطوات الامريكية اللاحقة دون تفكير.الايرانيون كانوا اكثر دهاء، فقد تركوا الامريكيين يتورطون في العراق وافغانستان، ويطيحون بأخطر نظامين يهددان استقرار بلادهم، وأوعزوا لحلفائهم، وخاصة حزبي الدعوة و المجلس الاعلي للثورة الايرانية بمسايرة المشاريع الامريكية وتوفير الغطاء الواقي الديني لها، حتي يكونا رأس حربة لنفوذها اللاحق في العراق وهذا ما حدث.الرئيس الامريكي جورج بوش ذهب الي الايرانيين زاحفا علي ركبتيه، طالبا النجدة، ومعترفا بنفوذهم في العراق ـ وهو الذي اقسم اعظم الايمان بانه لن يتفاوض مع اعضاء محور الشر ـ ومستعدا لعقد صفقة معهم تسهل تهدئة الاوضاع حتي ايلول (سبتمبر) المقبل موعد المهلة التي حددها في هذا الاطار لانقاذ ماء وجهه، وتسهيل انسحاب قـــواته او الجزء الاكبر منها.ايران لن تنقذ الرئيس بوش، ليس لانها لا تريد ذلك، وانما لانها لا تستطيع. فالذي افشل مشروع الاحتلال الامريكي للعراق وكل ما رشح عنه من ترتيبات سياسية، وانتخابات تشريعية، هو المقاومة العراقية، والشق السني منها علي وجه الخصوص، وبعض فصائل هذه المقاومة تكره ايران اكثر من كرهها للولايات المتحدة الامريكية.حلفاء ايران هم الذين يحكمون العراق نظريا، ويسيطرون علي قوات الامن والحرس الوطني، ويجدون كل الدعم والمساندة من قبل 170 الف جندي امريكي، واكثر من خمسة وعشرين الفا من القوات المتعددة الجنسيات، ومع ذلك فشلوا في تحقيق الامن والاستقرار، فماذا تستطيع ايران ان تفعل لواشنطن اكثر من توظيف هؤلاء الحلفاء الذين يشكلون الاغلبية العددية في العراق الي جانب الاكراد، في خدمة مشروع احتلالهم وتوفير الغطاء الشرعي لهم؟ادارة الرئيس بوش تكشف عن كم هائل من السذاجة عندما تسرب انباء تفيد بان ايران تدعم فصائل المقاومة العراقية السنية بالمال والسلاح، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص. فهذه التنظيمات ليس لها اي علاقة بايران، وهي ليست بحاجة الى مالها او سلاحها، ففي العراق اكثر من خمسين مليون قطعة سلاح، وخمسة ملايين طن من الذخيرة، تركها النظام السابق متعمدا في اطار تخطيطاته المسبقة لشن حرب استنزاف ضد قوات الاحتلال والمتعاملين معها.فلم يكن من قبيل الصدفة ان ينفذ رجال المقاومة العراقية عمليات ناجحة تمثلت في مقتل عشرة جنود امريكيين عشية لقاء السفيرين الايراني والامريكي في بغداد، في رسالة واضحة العبارات، تؤكد هوية الجهة التي تملك اليد العليا في العراق.الدبلوماسية الايرانية اثبتت نجاحها حتي هذه اللحظـة، في مقابل غياب كامل لنظيرتها العربية، لانها دبلوماسية تضعها مؤسسات ومراكز ابحاث ودراسات، ورئاسة شابة منتخبة تحتكم الي تراتبية قيادية دينية محبوكة بعناية، وتحظي بالاحترام والالتزام المنضبط، علي عكس السياسات الارتجالية والمزاجية العربية التي هي غالبا تنفيذ لاملاءات امريكية.القيادة الايرانية لا يمكن ان تقدم خدمات مجانية للادارة الامريكية تخرجها من مأزقها في العراق، فهي تريد المضي قدما في تخصيب اليورانيوم، والاستئثار بالعراق، ومقاسمة النفوذ الامريكي في الساحل الغربي للخليج الذي تصر علي انه فارسي.المفاوض الايراني صبور بطبعه، يملك اعصابا حديدية، ويعرف كيف يساوم ويناور من اجل الوصول الي اعلي ثمن لبضاعته، وهو يدرك ان الادارة الامريكية، هي التي تحترق اصابعها واقدامها في العراق، وتتعاظم خسائرها البشرية والمادية بصورة غير مسبوقة، ولذلك ينتظر حصاد صبره وهو يفرك يديه فرحا.وربما يجادل البعض بان ادارة الرئيس بوش تملك اجندة مختلفة من خلال فتحها هذه المفاوضات مع العدو الايراني، من موقع الضعيف في العراق، القوي خارجه، بمعني ان الرئيس بوش يريد الاستجابة لمطالب الديمقراطيين الذين يلحون علي تطبيق ما جاء في تقرير بيكر ـ هاملتون حول العراق اي التفاوض مع ايران وسورية، حتي يقول بعد ذلك انه جرب وفشل، وليس هناك من مناص لاستخدام الخيار العسكري ضد ايران لتحييد برنامجها النووي.وجهة نظر من الصعب استبعادها، ولكن ما هو مؤكد ان ادارة بوش مرتبكة في قراراتها، لانها باتت مقتنعة داخليا بانها خسرت الحرب في العراق، و الغريق يتعلق بقشة مثلما يقول المثل العربي. ولكن القشة الايرانية ستؤدي الى اغراقها اكثر فأكثر، واعادة السيد مقتدى الصدر الي العراق لاعلان الحرب على امريكا وخطف خمسة جنود بريطانيين هي ورقة ضغط جديدة وغير متوقعة.زميل عراقي كان من اشد المتحمسين للغزو واطاحة النظام، وعمل في اعلام المعارضة الممول امريكيا، عاد من بغداد قبل ايام الي لندن، سألناه كيف حال العراق والعراقيين، اجاب بعد تنهيدة عميقة، العراق تحول الى مزبلة، والعراقيون لا يترحمون على ايام صدام حسين فقط وانما على ايام ابنه عدي. ولعل حال الامريكيين وحلفائهم العرب كذلك.
السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية لخص حال العجز العربي بشكل بليغ في تعليق له علي المباحثات الايرانية ـ الامريكية التي جرت في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية يوم امس الاول عندما قال: استبعدونا كعــرب من المشاركة فــي الحديث عن مستقبل العراق، في اشارة الى استياء النظام الرسمي العربي من التصرف الامريكي المذكور.استغراب السيد موسي ليس في مكانه، لان العرب، ونحن نتحدث عن الحكومات وليس الشعوب، ليس لهم أي دور علي الاطلاق في حاضر العراق، ويقفون موقف المراقب المتفرج، وتركوا الساحة تماما للاعبين الاساسيين، ايران والولايات المتحدة الامريكية، ولذلك لا تحق لهم الشكوي من هذا الاستبعاد المذل والمهين في الوقت نفسه، فهم استبعدوا انفسهم، وتخلوا عن واجباتهم تجاه العراق.الادارة الامريكية تتعامل مع الأنظمة العربية كأدوات حرب، وليسوا كشركاء في عملية السلام. والعرف السياسي يفيد بان الادوات ينتهي دورها بانتهاء المهمة التي استخدمت لإنجازها.فالمسؤولون الامريكيون استخدموا الانظمة العربية المجاورة للعراق كمنصة انطلاق لقوات الغزو والاحتلال وتغيير النظام الحاكم في العراق بالتالي، وأقدم العرب على تقديم هذه الخدمة المجانية، وغير الاخلاقية، في الوقت نفسه، دون ان ينخرطوا في اي حوار مع البيت الابيض حول مخططاته في العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال وتغيير النظام، وشكل العملية السياسية التي يمكن ان تنشأ في المستقبل، وايدوا كل الخطوات الامريكية اللاحقة دون تفكير.الايرانيون كانوا اكثر دهاء، فقد تركوا الامريكيين يتورطون في العراق وافغانستان، ويطيحون بأخطر نظامين يهددان استقرار بلادهم، وأوعزوا لحلفائهم، وخاصة حزبي الدعوة و المجلس الاعلي للثورة الايرانية بمسايرة المشاريع الامريكية وتوفير الغطاء الواقي الديني لها، حتي يكونا رأس حربة لنفوذها اللاحق في العراق وهذا ما حدث.الرئيس الامريكي جورج بوش ذهب الي الايرانيين زاحفا علي ركبتيه، طالبا النجدة، ومعترفا بنفوذهم في العراق ـ وهو الذي اقسم اعظم الايمان بانه لن يتفاوض مع اعضاء محور الشر ـ ومستعدا لعقد صفقة معهم تسهل تهدئة الاوضاع حتي ايلول (سبتمبر) المقبل موعد المهلة التي حددها في هذا الاطار لانقاذ ماء وجهه، وتسهيل انسحاب قـــواته او الجزء الاكبر منها.ايران لن تنقذ الرئيس بوش، ليس لانها لا تريد ذلك، وانما لانها لا تستطيع. فالذي افشل مشروع الاحتلال الامريكي للعراق وكل ما رشح عنه من ترتيبات سياسية، وانتخابات تشريعية، هو المقاومة العراقية، والشق السني منها علي وجه الخصوص، وبعض فصائل هذه المقاومة تكره ايران اكثر من كرهها للولايات المتحدة الامريكية.حلفاء ايران هم الذين يحكمون العراق نظريا، ويسيطرون علي قوات الامن والحرس الوطني، ويجدون كل الدعم والمساندة من قبل 170 الف جندي امريكي، واكثر من خمسة وعشرين الفا من القوات المتعددة الجنسيات، ومع ذلك فشلوا في تحقيق الامن والاستقرار، فماذا تستطيع ايران ان تفعل لواشنطن اكثر من توظيف هؤلاء الحلفاء الذين يشكلون الاغلبية العددية في العراق الي جانب الاكراد، في خدمة مشروع احتلالهم وتوفير الغطاء الشرعي لهم؟ادارة الرئيس بوش تكشف عن كم هائل من السذاجة عندما تسرب انباء تفيد بان ايران تدعم فصائل المقاومة العراقية السنية بالمال والسلاح، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص. فهذه التنظيمات ليس لها اي علاقة بايران، وهي ليست بحاجة الى مالها او سلاحها، ففي العراق اكثر من خمسين مليون قطعة سلاح، وخمسة ملايين طن من الذخيرة، تركها النظام السابق متعمدا في اطار تخطيطاته المسبقة لشن حرب استنزاف ضد قوات الاحتلال والمتعاملين معها.فلم يكن من قبيل الصدفة ان ينفذ رجال المقاومة العراقية عمليات ناجحة تمثلت في مقتل عشرة جنود امريكيين عشية لقاء السفيرين الايراني والامريكي في بغداد، في رسالة واضحة العبارات، تؤكد هوية الجهة التي تملك اليد العليا في العراق.الدبلوماسية الايرانية اثبتت نجاحها حتي هذه اللحظـة، في مقابل غياب كامل لنظيرتها العربية، لانها دبلوماسية تضعها مؤسسات ومراكز ابحاث ودراسات، ورئاسة شابة منتخبة تحتكم الي تراتبية قيادية دينية محبوكة بعناية، وتحظي بالاحترام والالتزام المنضبط، علي عكس السياسات الارتجالية والمزاجية العربية التي هي غالبا تنفيذ لاملاءات امريكية.القيادة الايرانية لا يمكن ان تقدم خدمات مجانية للادارة الامريكية تخرجها من مأزقها في العراق، فهي تريد المضي قدما في تخصيب اليورانيوم، والاستئثار بالعراق، ومقاسمة النفوذ الامريكي في الساحل الغربي للخليج الذي تصر علي انه فارسي.المفاوض الايراني صبور بطبعه، يملك اعصابا حديدية، ويعرف كيف يساوم ويناور من اجل الوصول الي اعلي ثمن لبضاعته، وهو يدرك ان الادارة الامريكية، هي التي تحترق اصابعها واقدامها في العراق، وتتعاظم خسائرها البشرية والمادية بصورة غير مسبوقة، ولذلك ينتظر حصاد صبره وهو يفرك يديه فرحا.وربما يجادل البعض بان ادارة الرئيس بوش تملك اجندة مختلفة من خلال فتحها هذه المفاوضات مع العدو الايراني، من موقع الضعيف في العراق، القوي خارجه، بمعني ان الرئيس بوش يريد الاستجابة لمطالب الديمقراطيين الذين يلحون علي تطبيق ما جاء في تقرير بيكر ـ هاملتون حول العراق اي التفاوض مع ايران وسورية، حتي يقول بعد ذلك انه جرب وفشل، وليس هناك من مناص لاستخدام الخيار العسكري ضد ايران لتحييد برنامجها النووي.وجهة نظر من الصعب استبعادها، ولكن ما هو مؤكد ان ادارة بوش مرتبكة في قراراتها، لانها باتت مقتنعة داخليا بانها خسرت الحرب في العراق، و الغريق يتعلق بقشة مثلما يقول المثل العربي. ولكن القشة الايرانية ستؤدي الى اغراقها اكثر فأكثر، واعادة السيد مقتدى الصدر الي العراق لاعلان الحرب على امريكا وخطف خمسة جنود بريطانيين هي ورقة ضغط جديدة وغير متوقعة.زميل عراقي كان من اشد المتحمسين للغزو واطاحة النظام، وعمل في اعلام المعارضة الممول امريكيا، عاد من بغداد قبل ايام الي لندن، سألناه كيف حال العراق والعراقيين، اجاب بعد تنهيدة عميقة، العراق تحول الى مزبلة، والعراقيون لا يترحمون على ايام صدام حسين فقط وانما على ايام ابنه عدي. ولعل حال الامريكيين وحلفائهم العرب كذلك.