23° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

عكا وصرخة الموت للعرب

رأيت من الضرورة بمكان أن أمسك بقلمي وأن أكتب عن عكا، تلك المدينة التي أحببتها والتي يحبها كل من يأتي إليها زائرا كان أم عابرا أم مقيما فيها. تلك المدينة التي يأبى التاريخ إلا أن يجعل منها محطا للأنظار ومركزا للأحداث وصخرة تتحطم عندها أحلام الطامعين وعشاق السيطرة وسالبي حريات الآخرين.وهكذا، مرة أخرى اسم عكا يتردد من جديد على كل منبر وفي كل مكان، ولم تبق فضائية من فضائيات الدنيا إلا وتحدثت عن عكا. وليس عبثا أن تأتي هذه الأحداث بعد أيام قليلة من عيد الفطر الذي أمّ المدينة خلال أيامه ما لا يقل عن 300,000 عربي من مختلف بلدات الوسط العربي في الجليل والمثلث والنقب الذين اختاروا هذه المدينة الرائعة ليحتفلوا فيها بفطرهم.لقد صرخت عكا باسم كل العرب الذين صمدوا في بيوتهم بعد نكبة 48 ونكسة 67 وباسم كل أولئك الذين لا زالوا يحملون همّ الأمة العربية والإسلامية وهم يعيشون في قلب إسرائيل ورغم أن قيادة أمتهم نسيتهم بل وتخلت عنهم، فإذا بأحداث عكا تعيد الذاكرة لكل طفل عربي ولكل امرأة وشيخ في العالم العربي أن اخوانكم العرب من أبناء فلسطين والذين يحملون الجنسيات الإسرائيلية اليوم لا زالوا متمسكين بعروبتهم وعقيدتهم ومبادئهم وعاداتهم وتقاليدهم العربية والفلسطينية والدينية.لقد تلقيت خلال هذه الأحداث اتصالات لا تعد ولا تحصى، لكنني توقفت كثيرا مع نفسي وأنا أتلقى اتصالا من "صوت العرب" في القاهرة، وصوت القاهرة، وقناة النيل، والفضائيات المصرية، وقناة البحرين ودبي، والفضائيات اللبنانية، وكل المحطات التلفزيونية الفلسطينية والإذاعات الفلسطينية، عوضا عن المحطات العراقية والإيرانية وما إلى ذلك من المحطات التي من شأنها أن تعيد الجميع بالذاكرة إلى ما قبل النكبة الفلسطينية والتغريبة الفلسطينية والتشريدة الفسلطينية.وبما أن الجميع يتوق لمعرفة ما جرى في عكا وكيف يعيش أهلها وسكانها اليوم، وماذا مع مستقبل العرب في هذه المدينة، فإنني سأخرج من عالم الحديث عما جال في خاطري وعما سأجد له مكانا آخر للحديث عنه، لأذهب إلى الأحداث وإلى الحقيقة الكاملة لما كان في عكا.عكا اليوم مدينة مختلطة، يسكن فيها حوالي 50,000 مواطن، من بينهم 38,000 يهودي و 18,000 عربي، أي أن حوالي 70% من سكان عكا هم يهود و 30% عرب. ويتمركز العرب في عكا القديمة بنسبة تصل إلى 100% ، وخارج الأسوار في حي فولفسون بنسبة حوالي 90% من الحي، ومركز عكا الجديدة بنسبة حوالي 70%. فيما يتمركز السكان اليهود في الحي الشرقي من عكا حيث موقع الأحداث الأخيرة بنسبة تصل إلى حوالي 98%، وفي شمال عكا بنسبة حوالي 75%.في ظل هذه التركيبة والتقسيم للسكان فإن من يحكم عكا كرئيس للبلدية ورؤساء للأقسام ومدراء المؤسسات هم من اليهود، ولذلك فإن المواطن العربي في عكا يعاني من التمييز العنصري مرتين: مرة من السياسة القطرية للدولة الإسرائيلية والتي يعاني منها جميع المواطنين العرب في الدولة، ومرة ثانية من السياسة المحلية للأغلبية الحاكمة في المدينة، مما ترك أثره وبصماته على اكتظاظ المدارس العربية وقلة عددها وقلة النوادي والملاعب وأماكن العمل والسكن، ومستوى المعيشة المنخفض، وما إلى غير ذلك من التمييز الذي لا يخفى على أحد.في ظل هذا الواقع وجدت في عكا قيادة عربية حكيمة تعرف كيف تسير بين النقاط من أجل تحصيل الحقوق وتقليص الهوة الشاسعة في التمييز العنصري. وتتمثل هذه القيادة في أعضاء البلدية العرب وأئمة المساجد وقيادات أخرى، ازداد حبي لها وثقتي بها خلال الأحداث الأخيرة التي عصفت بالمدينة وأنا أراها تتصرف تصرفا عقلانيا حكيما ورائعا، وأخص بالذكر منهم الاستاذ الفاضل زهير بهلول.مع كل ما ذكرت من التمييز إلا أننا في الفترة الأخيرة نشهد تقدما ملحوظا للعرب في المدينة على المستوى الاقتصادي، فمعظم المحال التجارية في عكا القديمة ومركز عكا هي للعرب، كما أننا حصلنا في السنتين الأخيرتين على معدل نتائج في امتحانات الثانوية العامة (البجروت) أعلى بـ 12% من الطلاب اليهود. كما أننا نلحظ قدوما وشراء للبيوت من قبل العرب، ونلحظ تركا وهجرة وبعدا عن المدينة من قبل اليهود، مما جعل بعض القادة اليهود يبحثون عن بدائل لليهود الذين يرحلون عن عكا ولم يجدوا إلا مجموعات من المتطرفين الذين استوطنوا الخليل ونابلس وغزة فجاءوا بهم إلى عكا وقلوبهم مليئة بالحقد والضغينة على كل ما هو عربي ومسلم، ومنذ ذلك الوقت بدأنا نشعر في ازدياد حدة التوتر والغضب والاستفزاز والعنصرية، وبالذات من قبل اليهود الذين جاءوا بنية عدم السماح للعرب بما أسموه "احتلال عكا والسيطرة عليها"، فكان منهم ما كان من منع رفع الأذان لصلاة المغرب في شهر رمضان في حي فولفسون ذي الأكثرية العربية، واقتحامهم لمدرسة دينية في نفس  الحي، وحرقهم لمسجد المنشية، ورفضهم افتتاح مسجد اللبابيدي في أحد أحياء عكا الجديدة حيث الأكثرية العربية.

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 15/10/2008 الساعة 18:46
حجم الخط
عكا وصرخة الموت للعرب
عكا وصرخة الموت للعرب · تصوير: كل العرب

رأيت من الضرورة بمكان أن أمسك بقلمي وأن أكتب عن عكا، تلك المدينة التي أحببتها والتي يحبها كل من يأتي إليها زائرا كان أم عابرا أم مقيما فيها. تلك المدينة التي يأبى التاريخ إلا أن يجعل منها محطا للأنظار ومركزا للأحداث وصخرة تتحطم عندها أحلام الطامعين وعشاق السيطرة وسالبي حريات الآخرين.وهكذا، مرة أخرى اسم عكا يتردد من جديد على كل منبر وفي كل مكان، ولم تبق فضائية من فضائيات الدنيا إلا وتحدثت عن عكا. وليس عبثا أن تأتي هذه الأحداث بعد أيام قليلة من عيد الفطر الذي أمّ المدينة خلال أيامه ما لا يقل عن 300,000 عربي من مختلف بلدات الوسط العربي في الجليل والمثلث والنقب الذين اختاروا هذه المدينة الرائعة ليحتفلوا فيها بفطرهم.لقد صرخت عكا باسم كل العرب الذين صمدوا في بيوتهم بعد نكبة 48 ونكسة 67 وباسم كل أولئك الذين لا زالوا يحملون همّ الأمة العربية والإسلامية وهم يعيشون في قلب إسرائيل ورغم أن قيادة أمتهم نسيتهم بل وتخلت عنهم، فإذا بأحداث عكا تعيد الذاكرة لكل طفل عربي ولكل امرأة وشيخ في العالم العربي أن اخوانكم العرب من أبناء فلسطين والذين يحملون الجنسيات الإسرائيلية اليوم لا زالوا متمسكين بعروبتهم وعقيدتهم ومبادئهم وعاداتهم وتقاليدهم العربية والفلسطينية والدينية.لقد تلقيت خلال هذه الأحداث اتصالات لا تعد ولا تحصى، لكنني توقفت كثيرا مع نفسي وأنا أتلقى اتصالا من "صوت العرب" في القاهرة، وصوت القاهرة، وقناة النيل، والفضائيات المصرية، وقناة البحرين ودبي، والفضائيات اللبنانية، وكل المحطات التلفزيونية الفلسطينية والإذاعات الفلسطينية، عوضا عن المحطات العراقية والإيرانية وما إلى ذلك من المحطات التي من شأنها أن تعيد الجميع بالذاكرة إلى ما قبل النكبة الفلسطينية والتغريبة الفلسطينية والتشريدة الفسلطينية.وبما أن الجميع يتوق لمعرفة ما جرى في عكا وكيف يعيش أهلها وسكانها اليوم، وماذا مع مستقبل العرب في هذه المدينة، فإنني سأخرج من عالم الحديث عما جال في خاطري وعما سأجد له مكانا آخر للحديث عنه، لأذهب إلى الأحداث وإلى الحقيقة الكاملة لما كان في عكا.عكا اليوم مدينة مختلطة، يسكن فيها حوالي 50,000 مواطن، من بينهم 38,000 يهودي و 18,000 عربي، أي أن حوالي 70% من سكان عكا هم يهود و 30% عرب. ويتمركز العرب في عكا القديمة بنسبة تصل إلى 100% ، وخارج الأسوار في حي فولفسون بنسبة حوالي 90% من الحي، ومركز عكا الجديدة بنسبة حوالي 70%. فيما يتمركز السكان اليهود في الحي الشرقي من عكا حيث موقع الأحداث الأخيرة بنسبة تصل إلى حوالي 98%، وفي شمال عكا بنسبة حوالي 75%.في ظل هذه التركيبة والتقسيم للسكان فإن من يحكم عكا كرئيس للبلدية ورؤساء للأقسام ومدراء المؤسسات هم من اليهود، ولذلك فإن المواطن العربي في عكا يعاني من التمييز العنصري مرتين: مرة من السياسة القطرية للدولة الإسرائيلية والتي يعاني منها جميع المواطنين العرب في الدولة، ومرة ثانية من السياسة المحلية للأغلبية الحاكمة في المدينة، مما ترك أثره وبصماته على اكتظاظ المدارس العربية وقلة عددها وقلة النوادي والملاعب وأماكن العمل والسكن، ومستوى المعيشة المنخفض، وما إلى غير ذلك من التمييز الذي لا يخفى على أحد.في ظل هذا الواقع وجدت في عكا قيادة عربية حكيمة تعرف كيف تسير بين النقاط من أجل تحصيل الحقوق وتقليص الهوة الشاسعة في التمييز العنصري. وتتمثل هذه القيادة في أعضاء البلدية العرب وأئمة المساجد وقيادات أخرى، ازداد حبي لها وثقتي بها خلال الأحداث الأخيرة التي عصفت بالمدينة وأنا أراها تتصرف تصرفا عقلانيا حكيما ورائعا، وأخص بالذكر منهم الاستاذ الفاضل زهير بهلول.مع كل ما ذكرت من التمييز إلا أننا في الفترة الأخيرة نشهد تقدما ملحوظا للعرب في المدينة على المستوى الاقتصادي، فمعظم المحال التجارية في عكا القديمة ومركز عكا هي للعرب، كما أننا حصلنا في السنتين الأخيرتين على معدل نتائج في امتحانات الثانوية العامة (البجروت) أعلى بـ 12% من الطلاب اليهود. كما أننا نلحظ قدوما وشراء للبيوت من قبل العرب، ونلحظ تركا وهجرة وبعدا عن المدينة من قبل اليهود، مما جعل بعض القادة اليهود يبحثون عن بدائل لليهود الذين يرحلون عن عكا ولم يجدوا إلا مجموعات من المتطرفين الذين استوطنوا الخليل ونابلس وغزة فجاءوا بهم إلى عكا وقلوبهم مليئة بالحقد والضغينة على كل ما هو عربي ومسلم، ومنذ ذلك الوقت بدأنا نشعر في ازدياد حدة التوتر والغضب والاستفزاز والعنصرية، وبالذات من قبل اليهود الذين جاءوا بنية عدم السماح للعرب بما أسموه "احتلال عكا والسيطرة عليها"، فكان منهم ما كان من منع رفع الأذان لصلاة المغرب في شهر رمضان في حي فولفسون ذي الأكثرية العربية، واقتحامهم لمدرسة دينية في نفس  الحي، وحرقهم لمسجد المنشية، ورفضهم افتتاح مسجد اللبابيدي في أحد أحياء عكا الجديدة حيث الأكثرية العربية.

أحداث يوم الغفران
هذه المشاهد من العنصرية كانت المقدمة لما رأيناه خلال أحداث "يوم الغفران" الأخيرة، والتي بدأت عندما قاد الأخ توفيق جمل سيارته هو وابنه في الحي الشرقي للمدينة ذي الأكثرية اليهودية، حيث لم يكن يقصد الاخ توفيق جمل بأي وجه من الوجوه ولا في أي حال من الأحوال أن يستفز أحدا أو أن يخترق حرمة لعيد أو ما شباه ذلك، وكل ما كان يريده هو إعادة ابنته التي كانت لدى أقاربها لبيتهم، ولكن الرد على ذلك كان اعتداء على حرمة الإنسان وقدسيته وحريته في يوم غفرانهم، فتجمهر ما لا يقل عن ألف من الشبان اليهود وانهالوا على السائق وابنه بالضرب وحطموا السيارة ثم طاردوهم إلى منزل العائلة العربية التي حاولوا اللجوء إليها وسط الهتاف "الموت للعرب" والاعتداء على كل من يمر بجانبهم من العرب، رغم وجود الشرطة التي لم تحرك ساكنا للدفاع عن البيت وعن المواطنين العرب.
وصلتُ بعد لحظات إلى المكان بعد أن تم الاتصال بي من قبل أفراد العائلة، ورأيت بأم عيني ذلك المشهد المشحون، كما رأيت الخوف في عيون أفراد العائلة العربية التي يحيط بها ما لا يقل عن ألف من اليهود الذين يصرخون "الموت للعرب".
عندها طلبت من قائد الشرطة وهو عربي باسم "مجيد" أن نعمل على إخراج العائلة من البيت لحفظ سلامتهم ولإنهاء القضية بما هي عليه، فرفض طلبي واقتراحي، بحجة أنه لا يملك القوة لحماية العائلة في حال نزولها من البيت أمام تلك الجماهير اليهودية المحتشدة. كانت الساعة تقريبا الحادية عشرة ليلا، واستمر الوضع على تلك الحال حتى الساعة الثانية قبل الفجر، ومن خلال الاتصالات بين أفراد العائلة وبين أهلهم في عكا القديمة بدأت تثار إشاعات أن أحد أفراد العائلة المحاصرة قد قتل، وبسرعة تجمعت قوات كبيرة من الشرطة لإغلاق الطرق الموصلة إلى الحي الذي تُحاصر فيه العائلة لمنع العرب من الوصول إلى هناك، بدلا من أن تحشد الشرطة قواتها للدفاع عن العائلة المحاصرة.
عندها، اضطررت للخروج من البيت المحاصر متخفيا لأصل إلى سيارتي بحثا عن طريقة يمكن من خلالها إنقاذ العائلة، خاصة وأن الشرطة التي كنت على اتصال معها طيلة الوقت لم تحرك ساكنا في هذا المجال. وعندما وصلت إلى سيارتي وجدتها محطمة، وقد استطعت برفقة ابني محمد واثنين من رفاقه أن نصل إلى منطقة "شتراوس" بالقرب من محطة القطار، وهناك شاهدت عشرات الشباب العرب يركضون في اتجاه البيت المحاصر، فسرت في نفس الاتجاه فوجدت أن ما لا يقل عن 500 شاب عربي قد وصلوا إلى منطقة البيت إلا أن قوة كبيرة من الشرطة تمنعهم من التقدم، وقد تواجد مع الشباب معظم أعضاء البلدية العرب وقيادات عربية أخرى تعمل على التهدئة من روع الشباب ويطالبونهم بالتروي والتعقل، فانضممت إليهم، وطلبنا من قائد الشرطة أن يساعدنا في إخراج العائلة وجلبها إلى موقع تجمهر الشباب العرب لنطمئنهم جميعا على سلامة العائلة وينتهي الإشكال، فوافق على ذلك. وبعد ربع ساعة تقريبا استطعنا أن نخرج العائلة بمساعدة الشرطة، وعندها تكلمت بمكبر الصوت الموجود في إحدى سيارات الشرطة وشكرت الشباب جميعا باسم العائلة وطلبت منهم أن يعودواإلى بيوتهم، فكانت الاستجابة رائعة ومسؤولة تؤكد أن الشباب ما خرجوا إلا لإنقاذ العائلة. وبعد دقيقة من توجهنا نحو عكا القديمة وإذا بمئات من اليهود يصرخون "الموت للعرب" وينهالون علينا وعلى الشرطة بوابل من الحجارة، فعاد الشباب العرب لمواجهة أولئك الزعران وردهم عن اعتدائهم، وردا على صيحات "الموت للعرب" التي أطلقها اليهود بدأ العرب يهتفون "الموت لليهود"، ومن هنا بدأت القضية تتسع وتكبر إلى سمع العالم بما جرى وكان في عكا.
مضى اليوم التالي "يوم الغفران" دون حدوث أي شيء غير طبيعي، ومع انتهاء "يوم الغفران" ودخول الليل اجتمعنا مع مئات الشباب العرب في حي فولفسون، فتحدثت أنا والشيخ محمد ماضي إلى الشباب وطلبنا منهم أن نحافظ على الهدوء وأن لا نخرج من الحي إلا إذا اعتدي علينا في داخل الحي. فتقبل الشباب منا ذلك برحابة صدر وقبول حسن. وكان يرافقنا في هذا الاجتماع شرطي يهودي يعمل في الحي باسم "عاموس". وخلال تواجدنا في الحي وصل إلى أسماعنا أن هنالك مئات الشباب اليهود يتجمعون ويحتشدون للهجوم على حي فولفسون العربي، فخرجت أنا والشرطي إلى الشارع الذي يمكن من خلاله رؤية ما يجري في الطرف الآخر، وفعلا رأينا عشرات الشباب اليهود قد وصلوا إلى الجسر المحاذي لمحطة القطار والذي لا يبعد عن حي فولفسون سوى مائة إلى  مائتي متر، فسألت الشرطي: أين الشرطة لتمنعهم؟ لكن الشرطي اختفى ولم أعد أراه. فاتصلت بقائد شرطة عكا وأخبرته بما يجري. وخلال هذه الفترة كان قد وصل إلى المكان مئات اليهود الذين يهتفون "الموت للعرب" وبدأوا يرمون الحجارة على بيوت الحي، فخرج الشبان العرب للتصدي لهم، فردوهم وطردوهم شر طردة، وهنا رأيت شهامة الشبان العرب ورجولتهم واستعدادهم للدفاع عن أنفسهم وبيوتهم وأعراضهم مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات.
وبعد ربع ساعة فقط وصلت الشرطة إلى المكان، وبدلا من أن تقوم في دورها برد المعتدين انهالت بالضرب على الشبان العرب ورميهم بالغاز المسيل للدموع، وكنت أنا بشكل شخصي وعدد من القيادات العربية من الذين لم يسلموا من ضرب وشتائم رجال الشرطة، وأدركنا عند ذلك أننا نواجه طرفين: الزعران اليهود المعتدين، والشرطة التي تعتدي علينا وعلى شبابنا بدون جريرة إلا لكوننا عربا.
واستمر الحال على ذلك حتى ساعات متأخرة من الليل، وحضر إلى عكا القائد العام للشرطة الذي دعاني لمقابلته في منطقة مصنع شتراوس، فوصلت إليه، وكانت المفاجأة في عدم قدرته على الدفاع عني مع وجود قوة كبيرة من الشرطة، وأمام عينيه وبحضوره هاجمني اليهود هناك ووجهوا لي الشتائم. عندها أدركت تماما أن الشرطة لا تستطيع السيطرة على المتجمهرين اليهود الذين وصل عددهم إلى حوالي 2000 شخص، من بينهم المئات من المتطرفين من خارج مدينة عكا.
في اليوم التالي استيقظنا على خبر إحراق مجموعة من البيوت العربية الموجودة في الحي اليهودي، وعلى تشريد كل أصحاب البيوت العربية، واعتقال بعضهم رغم أنهم هم المعتدى عليهم، مما دعانا نحن القيادة العربية في المدينة للاجتماع في صباح يوم السبت لدراسة الأوضاع والعمل بشكل سريع لإنقاذ شبابنا وحمايتهم، وبالذات أولئك الذين يعيشون في البيوت في المناطق ذات الأغلبية اليهودية وخاصة بعد اختفاء القيادة اليهودية سواء كانت السياسية أم الدينية، الأمر الذي أكد لنا أن ما يقوم به الشبان اليهود هو بدعم وتشجيع من القيادة اليهودية.
بالمقابل، وجهنا في تلك الليلة مناشدة واضحة وصريحة للقيادة من الوسط العربي من لجنة المتابعة ورؤساء بلديات ومجالس محلية للحضور إلى عكا للوقوف إلى جانبنا، لكننا وللأسف لم نجد أحدا يقف إلى جانبنا. ومع أننا لا نريد التركيز على هذه القضية تحديدا في هذه المرحلة، إلا أنه لا بد من وضعه على طاولة البحث في مرحلة متأخرة بعد الخروج من هذه الأزمة، للتغافر والتناصح وليس للمعاتبة.
مع ظهيرة يوم السبت اجتمعت القيادة العربية في المدينة، وكنت مع أعضاء البلدية العرب ومع الشيخ محمد ماضي والاستاذ زهير بهلول والدكتور أحمد بدران، وقد وجدت قيادة عربية أصيلة واعية وضعت نصب عينيها حماية الأهل والشباب، وأخذت على عاتقها أن تأخذ دورها كقيادة عربية وبنفس الوقت بديلا عن القيادة اليهودية في المدينة، فاتفقنا على مخاطبة الطرف اليهودي المستمر باعتداءاته رغم الهدوء لدى الجانب العربي، وأكدنا على أننا مع احترام المشاعر الدينية لكلا الطرفين ورأينا أن نعلن عن أسفنا عما كان، بداية من سياقة السيارة في الحي اليهودي، ورفض الاعتداء والرد العنيف الذي كان من قبل اليهود، كما رفضنا تكسير واجهات المحلات التجارية وزجاج السيارات من كلا الطرفين، وأعلنا رفضنا الصارخ للاعتداء على حرمة البيوت العربية وحرقها، ودعونا إلى ضرورة الحوار ومناقشة الأوضاع، وضرورة تجلي روح المسؤولية من كل القيادات العربية واليهودية، مما أدى إلى أن يدعونا رئيس البلدية في الساعة الثانية عشرة ليلا إلى بيته للقاء مع القيادات اليهودية، وهناك كان عضو الكنيست دافيد أزولاي، وحاخام عكا الرسمي الحاخام "يشار" الذي قال لنا أمام رئيس البلدية: "أنتم شر وأخطر من النازية"!! الأمر الذي فجّر الجلسة وخرجنا رافضين الجلوس معه.
في تلك الليلة أيضا فتحت علينا جبهة جديدة من الاعتداءات، وهذه المرة في شمال عكا، بقيادة اليهود القفقاز والروس، فتصدى لهم شبابنا العرب، وبعد تدخل الشرطة عاد الهدوء إلى المنطقة. وهنا يجب التأكيد مرة تلو الأخرى على أن المواطنين العرب طوال تلك الأحداث والأيام لم يقوموا إلا بدور الدفاع عن أنفسهم ولم يكونوا أبدا مبادرين لأي أحداث عنف، وبذلك أثبت المواطنون العرب في عكا أنهم على قدر من المسؤولية والحكمة التعقل. هذا الموقف من المواطنين العرب اضطر قائد الشرطة الإسرائيلية في منطقة الشمال إلى أن يصرح في حديثه لموقع صحيفة يديعوت احرونوت على الانترنت أن "من يقوم بالاعتداءات وأعمال الشغب في عكا هم من المواطنين اليهود فقط وأن العرب خارج الصورة".
إن عجز القيادة اليهودية المحلية عن السيطرة على الشارع اليهودي، والمواقف العنصرية التي أبداها الحاخام الرئيسي لمدينة عكا، استدعت تدخلا سريعا للقيادات اليهودية القطرية لكي تأخذ دورها، خاصة بعد أن ظهر للجميع أن المعتدين والرافضين للتهدئة هم من الجانب اليهودي، فرأينا رئيس الدولة شمعون بيرس يحضر بنفسه إلى المدينة لتهدئة الأجواء، بالإضافة إلى الحاخامين الأكبرين لدولة إسرائيل، ووزير الشرطة ووزير الإسكان، الذين ساهموا بشكل واضح في وضع حد لزعرنة الشبان اليهود ووقف اعتداءاتهم.
لقد استطاعت القيادة العربية في المدينة بحكمتها أن تحافظ على دماء المواطنين العرب في ظل الهجمة العنصرية الشرسة التي تعرضت لها من قبل المتطرفين اليهود، وأحيانا بتواطؤ من الشرطة، واستطاعت أن تربح الحرب الإعلامية بإظهار المواطنين العرب على أنهم هم الذين يمدون أيديهم للمصالحة والتهدئة في حين ظهرت القيادة اليهودية في المدينة على حقيقة ضعفها وعنصريتها ووضعت في الزاوية لتأخذ القيادة اليهودية القطرية دورها.
إن أخطر ما قد يواجهه المواطنون العرب في عكا بشكل خاص وفي المدن المختلطة بشكل عام هو امتحان صمودهم وبقائهم وثباتهم في موطنهم، وما أحداث عكا الأخيرة إلا مشهدا آخر للمحاولات المتكررة والنوايا الخفية التي تحوك في صدور العديدين من القيادات اليهودية والمواطنين اليهود الذين يتمنون لو يفيقون يوما على عكا خالية من العرب. إن معركتنا مع هؤلاء هي معركة الأقلية الضعيفة ضد الأغلبية القوية، ولذلك فنحن بحاجة إلى أن نكون على قدر من المسؤولية والوعي بخطورة هذه المرحلة، والتصرف بكل عقلانية وحكمة من أجل الحفاظ على وجودنا.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد