حين تفكر الآلة ..ماذا يبقى للإنسان؟
لم تعد المسافة بين الإنسان والآلة كما كانت في الماضي كانت الآلة تنفذ ما يأمرها به الإنسان اليوم بدأت تقترح و تحلل و تتوقع و تكتب و ترسم و تترجم وتتعلم بل وتشارك الإنسان في صناعة القرار.
لم تعد المسافة بين الإنسان والآلة كما كانت في الماضي كانت الآلة تنفذ ما يأمرها به الإنسان اليوم بدأت تقترح و تحلل و تتوقع و تكتب و ترسم و تترجم وتتعلم بل وتشارك الإنسان في صناعة القرار.
وهنا تحديدا يتغير السؤال. لم يعد السؤال :إلى أي حد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتطور؟
بل أصبح :إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يحافظ على مكانته في عالم تتسع فيه قدرات الآلة كل يوم؟
منذ أن عرف الإنسان النار وهو يحاول أن يجعل الطبيعة أكثر طواعية لإرادته. اخترع العجلة ثم الآلة البخارية، ثم الكهرباء ثم الحاسوب، وفي كل مرحلة كان يضيف إلى قوته قدرة جديدة.
لكن الذكاء الاصطناعي يختلف عن معظم الاختراعات التي سبقته.
فالآلة لم تعد تساعد اليد فقط و إنما اقتربت من منطقة ظلت قرونا طويلة عنوانا للتميز البشري: العقل.
إنها تستطيع أن تقرأ في لحظات ما يحتاج الإنسان إلى سنوات لقراءته و أن تحلل كميات هائلة من البيانات، وأن تنتج نصوصا وصورا وأصواتا وأن تساعد الطبيب والمهندس والباحث والصحفي والمبرمج.
وهذا إنجاز مذهل.
لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا لا يجوز تأجيله.
ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان معتادا على أن تفكر الآلة بدلا منه؟
المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ بعض الوظائف. فقد عرف التاريخ تحولات مشابهة مع كل ثورة صناعية، واختفت مهن وظهرت أخرى.
المشكلة الأعمق هي أن الاعتماد المفرط على الآلة قد لا يسلب الإنسان عمله فقط، وإنما قد يسلبه تدريجيا بعض مهاراته العقلية.
فالطالب الذي يطلب من الآلة أن تفكر عنه، قد يتعلم كيف يحصل على الإجابة دون أن يتعلم كيف يصل إليها.
والكاتب الذي يجعل الخوارزمية تكتب كل شيء عنه قد يحصل على نص جيد لكنه قد يفقد شيئا من صوته الخاص.
و الإنسان الذي يترك للآلة اختيار ما يقرأ وما يشاهد وما يسمع، قد يكتشف يوما أنه لم يعد يختار بقدر ما أصبح يُختار له.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.
الذكاء الاصطناعي لا يهدد الإنسان فقط عندما يصبح أكثر ذكاء بل عندما يصبح الإنسان أكثر اعتمادا عليه.
إننا أمام مفارقة تاريخية: اخترع الإنسان التكنولوجيا كي تمنحه مزيدا من الحرية وقد يجد نفسه في النهاية أكثر ارتباطا بها.
فالخوارزميات تعرف عنا أكثر مما نتصور. تعرف ما نبحث عنه وما نشتريه و ما نتابعه وما يجذب انتباهنا. ومع اتساع قدرتها على تحليل السلوك يصبح السؤال عن الخصوصية سؤالا عن الحرية نفسها.
و في السياسة و الإعلام تصبح المخاطر أكبر.
لقد دخلنا زمنا يمكن فيه صناعة صورة أو صوت أو فيديو لشخصية عامة بصورة يصعب على المتلقي العادي اكتشاف زيفها. وإذا أصبح ممكنا اختراع خطاب لم يُلق أو تصريح لم يصدر، أو مشهد لم يحدث فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الحقيقة وإنما على ثقة الإنسان بالحقيقة.
وهذه أخطر بكثير.
فالمجتمع الذي لا يستطيع التمييز بين الحقيقي والمصطنع يصبح أكثر قابلية للتلاعب.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الذكاء الاصطناعي ليس عدوا للإنسان.
على العكس يمكن أن يكون واحدا من أعظم الأدوات التي امتلكتها البشرية.
يمكنه أن يساعد الطبيب على اكتشاف الأمراض و الباحث على الوصول إلى نتائج أسرع و الطالب على التعلم و المؤسسة الصغيرة على المنافسة والدولة على تحسين خدماتها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر سنوات من العمل، وأن يفتح أبوابا جديدة أمام المعرفة، وأن يمنح الإنسان وقتا أكبر للإبداع.
إذن ليست المشكلة في الآلة.
المشكلة في الطريقة التي نختار بها استخدامها.
فالتكنولوجيا لا تمتلك ضميرا من تلقاء نفسها. نحن الذين نضع لها الحدود و نحدد الغايات ونقرر أين تبدأ المنفعة وأين ينتهي العبث.
ولهذا تحتاج البشرية إلى شيء أكبر من سباق تطوير الخوارزميات.
تحتاج إلى أخلاق تسبق التكنولوجيا، وتشريعات تواكبها، وتعليم يعلّم الإنسان كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد استقلاله العقلي.
فلا معنى لأن نصنع آلة شديدة الذكاء ثم نترك مجتمعات كاملة بلا قدرة على فهم ما تفعله تلك الآلة.
إن المعركة القادمة لن تكون كما تصورها أفلام الخيال العلمي بين الإنسان والروبوت.
ستكون بين إنسان يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا و إنسان تسمح له التكنولوجيا بأن تستخدمه.
و هنا ربما علينا أن نعيد تعريف التقدم.
فليس التقدم أن تجعل الآلة قادرة على القيام بكل ما يستطيع الإنسان القيام به.
التقدم الحقيقي هو أن تجعل التكنولوجيا الإنسان أكثر إنسانية لا أقل.
أن تمنحه وقتا للتفكير لا أن تسلبه التفكير.
أن توسع قدرته على المعرفة، لا أن تلغي فضوله.
أن تساعده على اتخاذ القرار لا أن تتخذ حياته بالنيابة عنه.
لأن هناك أشياء لا ينبغي أن نقيسها بسرعة الخوارزمية ولا بدقة الحساب.
الرحمة ليست معادلة.
الضمير ليس قاعدة بيانات.
الحب ليس خوارزمية.
و الاختيار الأخلاقي لا يمكن اختزاله دائما في أفضل إجابة حسابية.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل البشرية اليوم ليس :هل ستصبح الآلة أذكى منا؟
ربما ستصبح كذلك في مجالات كثيرة.
السؤال الأهم هو:
هل سنبقى نحن أذكياء بما يكفي لنعرف متى نستخدمها ومتى نقول لها :لا؟
فالمستقبل لن تحدده الآلات وحدها.
سيحدده الإنسان الذي يقف خلفها.
وفي اللحظة التي تصبح فيها الآلة قادرة على التفكير ربما يكون أعظم ما يمكن للإنسان أن يفعله هو أن يتوقف قليلا ويفكر في نفسه.
حين تفكر الآلة... ماذا يبقى للإنسان؟
ربما يبقى له كل شيء.
إذا لم يتخل عن الشيء الأهم:
حقه في أن يفكر بنفسه.
سارة محمد مرزوڨي-