الموقف الفلسطيني من مشروع تقرير غولدستون! بقلم المحامي:سامي ابويونس
تداولت الأخبار حول قرار السلطة الوطنية الفلسطينية من مشروع تقرير ريتشارد غولدستون الذي وصل في تحقيقاته ونتائجه, أن حكومة إسرائيل السابقة قامت بجرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني في غزة. وهذه النتائج قد تؤدي إلى وقف عدد من المسؤولين الإسرائيليين أمام العدالة. وما أن كل فلسطيني قد رأى النور في آخر الخندق الذي يبشر في ضوء العدالة, إلا وقد سمعنا أن الجانب الفلسطيني يحاول إطفاء هذا النور. الأخبار تتأرجح بين سحب الاعتراف الفلسطيني في التقرير وبين تأجيل البحث في التقرير. وهنا يسأل الفلسطيني نفسه عن عواقب الحالتين.
الحكومة الإسرائيلية قامت بإعلان حرب على غزة والقطاع في كانون أول وكانون ثاني 20082009 . هذه الحكومة وجيشها القوي وصاحب " الضمير" "والأخلاق" , الذي يعيش على الأعلام المنتقى والرأي العام ألمتصهيين. لقد قيد حرية التحرك لوسائل الأعلام بحجة الحفاظ على سلامتهم, وكما فرض عليهم المراقبة وعدم نشر الحقيقة بحجة المس في أمن إسرائيل. ولذلك منع من وسائل الإعلام الدخول إلى غزه في زمن الحرب وفرض عليهم المراقبة أي "السنزوره". وهنا وصلت الرسالة التي أرادت حكومة إسرائيل إيصالها. ألهدف من ذلك كان أعطاء الجيش الإسرائيلي كامل الحرية في التصرف دون مراقبه. كما أن الرسالة كانت لكل مواطن واضحة مثل نور الشمس, هكذا وصلت نفس الرسالة إلى قيادة الجيش. وفعل الجيش ما فعل في غزة, ولم يسلم منه لا بشر ولا شجر ولا حجر. لقد رأى كل مواطن على هذه الأرض عبر الفضائيات العربية أبشع مناظر الحروب. العالم كله رأى الجرائم التي كانت تستبيح الشعب الفلسطيني في غزه. وهذا بعيدا عن أعين الشعب الإسرائيلي, الذي يؤمن بجيشه" الأخلاقي جيش الدفاع" الذي ذهب إلى غزه لكي يحمي دولة إسرائيل. انتهت الحرب ألبشعة تحت أنظار العالم ألديموقراطي المتنور والمتحضر. وهنا ارتفعت الأصوات عاليا التي طالبت بتقصي الحقائق حول هذه الحرب البشعة. وعارضت إسرائيل وحلفاؤها. ولكن أصوات ضحايا هذه الحرب كان أعلى. لذلك شكلت لجنة تحقيق مجلس حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة برئاسة القاضي اليهودي ريتشارد جي. غولدستون. رغم أن إسرائيل لم تتعاون مع لجنة تقصي الحقائق, إلا أنها ضغطت على اللجنة ورئيسها ليس مرة حتى تؤثر على نتائج اللجنة لصالحها.
التقرير الذي يحتوي ما يقارب 575 صفحة جاء يوم 15 سبتمبر 2009 ليوثق الانتهاكات ألإسرائيلية للقوانين الدولية والجرائم الحربية ضد الشعب الفلسطيني التي قام بها الجيش الإسرائيلي. رغم أن التقرير لم يميز بين القاتل والضحية وقام باتهام حماس في إطلاق صواريخ متعمده ضد المواطنين الإسرائيليين, متجاهلا إغلاق غزة بشكل محكم, ومتجاهلا احتياجات 1.5 مليون فلسطيني من غذاء ودواء وماء وكهرباء. إلا انه أتى ليعطي بصيص أمل للشعب الفلسطيني أن يحال الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية, ربما ليقدم المسؤولين الإسرائيليين للقضاء وهكذا تتخذ الخطوات الملموسة لمعاقبة الجناة وأخيرا لضمان العدالة بحق شعب ضعيف لم يستطع الدفاع عن نفسه. إن محكمة الجنايات الدولية هي المحفل الطبيعي لمقاضاة مجرمي الحرب رغم أن إسرائيل لم تنضم إلى هذه المحكمة وهي ليست طرفا. وإنما إذا أحال مجلس الأمن الملف إلى المحكمة وإذا تحرك المدعي العام بالشكل الايجابي عندما يتم إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية بطلب منها باختصاص المحكمة في الجرائم المرتكبة في غزه. في هذا الوقت الذي ننتظر فيه تقديم طلب السلطة الوطنية الفلسطينية إلى إدانة إسرائيل وتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية, تتضارب فيه الأخبار عن سعي إسرائيل لإجهاض تقرير غولدستون, ومن ناحية أخري عن عزم ألسلطة الوطنية الفلسطينية سحب اعترافها وإقرارها في تقرير غولدستون.
واضح للعيان أن إسرائيل سعت لإجهاض التقرير قبل ولادته. وما زال نتينياهو وحكومته يهاجمون التقرير ومن يقف وراءه, ومن ناحية أخري يمارسوا الضغوطات لعدم تبنيه بمزاعم أنه "سوف يوجهه ضربة قاسية لعملية السلام في الشرق الاوسط". وأضاف نتنياهو بهذا الشأن أنه " لن يكون بمقدور إسرائيل اتخاذ خطوات تقدم بشأن مخاطر من أجل السلام إذا حرمت من حق الدفاع عن ألنفس ". بلا شك تعاني السلطة الوطنية الفلسطينية من ضغوطات هائلة في هذه الأيام. هذه الضغوطات قد تكون من الاتجاه الإسرائيلي وقد تكون من الاتجاه الأمريكي ولا أهمية لنوع الضغوطات إذا كانت سياسية أو اقتصاديه, كما أشار إليها الوزير المتطرف ليبرمان عندما هدد السلطة الفلسطينية حين قال: لا نسمح لشركات إتصالات فلسطينيه جديدة بالعمل إذا ما لم تسحب السلطة الفلسطينية موافقتها على التقرير الذي يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
ولكن لتسأل السلطة الوطنية نفسها هل تصرف حكومة إسرائيل وحربها على الشعب الفلسطيني هو مخاطرة من أجل السلام وحق الدفاع عن النفس !؟ مهما كانت التساؤلات حول ما إذا كانت الضغوطات بشأن تأجيل البث في التقرير أو سحب اعترافها بالتقرير. النتائج في كلا الحالتين سوف تكون سيئة. ولا يحق لأي إنسان أن يأخذ القرار دون استشارة الشعب الفلسطيني. وهنا وللأسف الشديد لم يؤخذ هذا بعين الاعتبار, واتى القرار كصفعة في وجه كل فلسطيني, وإسرائيل تفعل ما تشاء دون أي حساب. وهنا يأتي في ذهننا السؤال التلقائي: إلى أين تتجه القيادة الفلسطينية ؟
عندما وصل ريتشارد غولدستون اليهودي إلى نتائج اقتراف لجرائم حرب في غزه, ويوصي بمحاكمة ألمسؤولين.
وحين كتب الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في موقع هآرتس في يوم 17.9.2009 ويقول: أن على مجرمي الحرب الذين ما زالوا يتجولون أحرارا عليهم أن يتحملون المسؤولية وأن ينالوا عقابهم . هل تنتظر السلطة الوطنية الفلسطينية من طرف آخر أن يقوم بواجبها اتجاه شعبها؟
لذلك آن الأوان أن نتحرر من أنفسنا ورهبة الضغوطات الوهمية, وعلينا ان نسمع إلى صوت شعبنا. لأنه هو صاحب ألحق وهو صاحب القرار وهو الذي يسامح أو لا يسامح قيادته على أفعالها. والشعب اليوم يقول نعم لمحاكمة المجرمين.