المسألة اليهودية..تعود
يُطلب من الفلسطينيين الاعتراف بـ يهودية الدولة الاسرائيلية، وتُرفض حماس لأنها قد تقيم دولة اسلامية في فلسطين. لم يعرف التاريخ شيئا يسمى المسألة الاسلامية ولا المسألة المسيحية ولا المسألة البوذية ، لكنه عرف نقاشا مسهبا استمر نصف قرن يسمي المسألة اليهودية .لم تُطرح المسألة اليهودية مع طلب الاسرائيليين الاعتراف بـ يهودية دولتهم. تلك مسألة قديمة، عمرها، في الأقل، قرن ونصف. ففي أواسط القرن التاسع عشر كانت المسألة اليهودية مطروحة بقوة في أوروبا. كانت تلك فترة الأفكار الأوروبية الكبيرة المتحدرة من عصر الأنوار ، والثورات العمالية التي طبعت بعض البلدان الأوروبية (المانيا خصوصا) في منتصف القرن التاسع عشر، والآثار الحاسمة التي تركتها الثورتان الفرنسية والامريكية على مجرى النضال الأوروبي من أجل العدالة الاجتماعية والديموقراطية وحقوق الانسان. كان ماركس أبرز من تصدى لـ المسألة اليهودية في كراسه الشهير الذي دحض فيه، على نحو جذري، تمايز اليهودي الألماني القومي عن المسيحي الألماني، ورأى مسألة التحرر في الاطار الاجتماعي والسياسي وليس الديني، داعيا يهود ألمانيا إلى ربط عملهم من أجل المساواة بمجرى نضال المواطنين الألمان العام على هذا الصعيد. لم تتحول المسألة اليهودية إلى طابع قومي إلاَّ مع نهايات القرن التاسع عشر، حيث تبلورت الدولة القومية في عدد من بلدان أوروبا، وتصاعد التنافس الغربي على اقتسام امبراطورية رجل أوروبا المريض . أي ان التسليم الاوروبي بـ القومية اليهودية لم يتحقق إلاَّ في إطار المسعى الإمبريالي الأوروبي وتمدده في المشرق العربي والاسلامي.لكن المسألة اليهودية لم تنته. لم تتحقق، على ما يبدو، بقيام اسرائيل.فالعرب لم يسلموا تماما بـ يهودية دولة اسرائيل. هناك انهيار في الموقف العربي حيال القضية الفلسطينية صحيح، لكن اسرائيل تطالب العرب، وخصوصا الفلسطينيين، بما هو أكثر من الاستسلام السياسي: الاعتراف بأن اسرائيل دولة قومية يهودية لكل يهود العالم.ولكن لنعد إلى معني أن يكون الدين قومية، أو عرقا.***نكاد لا نعرف دينا في العالم صار قومية إلاَّ اليهودية.ذلك، على ما أظن، هو الاستثناء الوحيد.فالدين السماوي، وغير السماوي، عابر، بطبيعته، القومية واللغة والحدود. الدين دين والقومية قومية. الدين المسيحي نشأ في محيط يهودي وغير يهودي لكنه عبر البحر والنهر والصحراء فصار دين روما مثلما هو دين قبائل ربيعة وبني تغلب وغسان وطي. كما كانت اليهودية دين بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير قبل أن تكون دينا معزولا في بولندا واوكرانيا والمانيا. عبر الاسلام أرض الجزيرة العربية الى ممالك روما الشرقية وبلاد فارس ووصل الى حدود الصين وجبال البرانس ولم يسم الذين دخلوا في حياضه عربا. فالاسلام شيء والعرب شيء آخر، كما أن المسيحية شيء والروم والقوط وبلاد الغال شيء مختلف. تلك بداهة معروفة. ولا أحد يناقش هذه البداهة، إلا اليهود. القومية أصلا فكرة حديثة. هي فكرة أيديولوجية أروروبية لم تكن مطروحة قبل القرن الثامن عشر. انها، تحديدا، فكرة فرنسية. نتاج طبيعي للثورة الفرنسية وتحول \المجتمعات الاوروبية من الاقطاع الى البرجوازية. السبب قرأناه على مقاعد الدراسة: توحيد الدوقيات والاقطاعيات الصغيرة في كيان قومي كبير يجمعه المحيط الجغرافي واللغة والمصالح المشتركة. حتى عندما جاءت الفكرة القومية الى البلاد العربية لم يكن الذين جاءوا بها مسلمين، بل بعضهم ينتمي الى عائلة مسيحية كميشيل عفلق مؤسس البعث . رائد حركة القوميين العرب هو الدكتور جورج حبش وليس سيد قطب.هذا نقاش ابتدائي . معروف. لا جديد فيه. استعادته، هنا، تتعلق بالشرط الذي طرحه الاسرائيليون على الفلسطينيين قبيل مؤتمر أنابوليس: الاعتراف بيهودية اسرائيل قبل التفاوض.لا يختلف المتدينون اليهود الذين يقيمون في اسرائيل عن العلمانيين الاسرائيليين في الإيمان بـ يهودية الدولة. المتدينون يعودون الى التوراة والعلمانيون الي الصهيونية. وفي اطار هذا النقاش المتجدد حول يهودية اسرائيل استضافت احدى القنوات الفضائية العربية عزمي بشارة وايتمار رابينوفيتش سفير اسرائيل السابق في واشنطن. بشارة قال ان طلب الاسرائيليين من الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل يعكس صراعا قديما في اسرائيل حول الدين والقومية. قال أيضا ان هذا الطلب هو محاولة مسبقة لنفي حق العودة. رابينوفيتش عرَّف نفسه كعلماني اسرائيلي ولكن اسرائيل، بالنسبة له، هي دولة يهودية. أي دولة قومية!أما كيف يكون الدين هو العامل البنيوي الذي تنهض عليه الفكرة القومية فتلك هرطقة أيديولوجية لا قِبَل لاحد بها إلا اليهود. تلك هرطقة لا تُقبل سوى من اليهود، رغم أنها تتنافي، تماما، مع الفكرة القومية التي لا تعتبر الدين أساسا في تكوينها. ***ليقل الاسرائيليون ما يريدون قبل الذهاب إلى أنابوليس. فلن يحصل شيء في أنابوليس. ولا بعد أنابوليس. إنه مجرد مؤتمر آخر. تضييع جديد للوقت. تمديد للأزمة التي تمسك بخناق الجميع. أما يهودية اسرائيل فقد تكفل بها قول مأثور لإميل حبيبي: باقون في حيفا. يكفي أن يكون هناك نحو مليون عربي فلسطيني في اسرائيل كي يجعل فكرة يهودية الدولة غصة في حلق المؤسسة الاسرائيلية. شوكة في الخاصرة. فلا يمكن لدولة أن تتحدث عن صفاء ديني أو عرقي وأكثر من ثلث سكانها ينتمون إلي دين آخر، أو قومية أخرى. حتى عراق صدام حسين البعثي لم يغير اسم العراق من الجمهورية العراقية الي الجمهورية العربية العراقية لأن نحو عشرين في المئة من سكان العراق ينتمون إلي القوميتين الكردية والتركية.الباقون في حيفا ويافا والجليل والمثلث هم الذين يلقون ظلالا مبرحة من الشك على قومية اسرائيل ويجعل من صفائها الديني والاثني محض خرافة.
يُطلب من الفلسطينيين الاعتراف بـ يهودية الدولة الاسرائيلية، وتُرفض حماس لأنها قد تقيم دولة اسلامية في فلسطين. لم يعرف التاريخ شيئا يسمى المسألة الاسلامية ولا المسألة المسيحية ولا المسألة البوذية ، لكنه عرف نقاشا مسهبا استمر نصف قرن يسمي المسألة اليهودية .لم تُطرح المسألة اليهودية مع طلب الاسرائيليين الاعتراف بـ يهودية دولتهم. تلك مسألة قديمة، عمرها، في الأقل، قرن ونصف. ففي أواسط القرن التاسع عشر كانت المسألة اليهودية مطروحة بقوة في أوروبا. كانت تلك فترة الأفكار الأوروبية الكبيرة المتحدرة من عصر الأنوار ، والثورات العمالية التي طبعت بعض البلدان الأوروبية (المانيا خصوصا) في منتصف القرن التاسع عشر، والآثار الحاسمة التي تركتها الثورتان الفرنسية والامريكية على مجرى النضال الأوروبي من أجل العدالة الاجتماعية والديموقراطية وحقوق الانسان. كان ماركس أبرز من تصدى لـ المسألة اليهودية في كراسه الشهير الذي دحض فيه، على نحو جذري، تمايز اليهودي الألماني القومي عن المسيحي الألماني، ورأى مسألة التحرر في الاطار الاجتماعي والسياسي وليس الديني، داعيا يهود ألمانيا إلى ربط عملهم من أجل المساواة بمجرى نضال المواطنين الألمان العام على هذا الصعيد. لم تتحول المسألة اليهودية إلى طابع قومي إلاَّ مع نهايات القرن التاسع عشر، حيث تبلورت الدولة القومية في عدد من بلدان أوروبا، وتصاعد التنافس الغربي على اقتسام امبراطورية رجل أوروبا المريض . أي ان التسليم الاوروبي بـ القومية اليهودية لم يتحقق إلاَّ في إطار المسعى الإمبريالي الأوروبي وتمدده في المشرق العربي والاسلامي.لكن المسألة اليهودية لم تنته. لم تتحقق، على ما يبدو، بقيام اسرائيل.فالعرب لم يسلموا تماما بـ يهودية دولة اسرائيل. هناك انهيار في الموقف العربي حيال القضية الفلسطينية صحيح، لكن اسرائيل تطالب العرب، وخصوصا الفلسطينيين، بما هو أكثر من الاستسلام السياسي: الاعتراف بأن اسرائيل دولة قومية يهودية لكل يهود العالم.ولكن لنعد إلى معني أن يكون الدين قومية، أو عرقا.***نكاد لا نعرف دينا في العالم صار قومية إلاَّ اليهودية.ذلك، على ما أظن، هو الاستثناء الوحيد.فالدين السماوي، وغير السماوي، عابر، بطبيعته، القومية واللغة والحدود. الدين دين والقومية قومية. الدين المسيحي نشأ في محيط يهودي وغير يهودي لكنه عبر البحر والنهر والصحراء فصار دين روما مثلما هو دين قبائل ربيعة وبني تغلب وغسان وطي. كما كانت اليهودية دين بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير قبل أن تكون دينا معزولا في بولندا واوكرانيا والمانيا. عبر الاسلام أرض الجزيرة العربية الى ممالك روما الشرقية وبلاد فارس ووصل الى حدود الصين وجبال البرانس ولم يسم الذين دخلوا في حياضه عربا. فالاسلام شيء والعرب شيء آخر، كما أن المسيحية شيء والروم والقوط وبلاد الغال شيء مختلف. تلك بداهة معروفة. ولا أحد يناقش هذه البداهة، إلا اليهود. القومية أصلا فكرة حديثة. هي فكرة أيديولوجية أروروبية لم تكن مطروحة قبل القرن الثامن عشر. انها، تحديدا، فكرة فرنسية. نتاج طبيعي للثورة الفرنسية وتحول \المجتمعات الاوروبية من الاقطاع الى البرجوازية. السبب قرأناه على مقاعد الدراسة: توحيد الدوقيات والاقطاعيات الصغيرة في كيان قومي كبير يجمعه المحيط الجغرافي واللغة والمصالح المشتركة. حتى عندما جاءت الفكرة القومية الى البلاد العربية لم يكن الذين جاءوا بها مسلمين، بل بعضهم ينتمي الى عائلة مسيحية كميشيل عفلق مؤسس البعث . رائد حركة القوميين العرب هو الدكتور جورج حبش وليس سيد قطب.هذا نقاش ابتدائي . معروف. لا جديد فيه. استعادته، هنا، تتعلق بالشرط الذي طرحه الاسرائيليون على الفلسطينيين قبيل مؤتمر أنابوليس: الاعتراف بيهودية اسرائيل قبل التفاوض.لا يختلف المتدينون اليهود الذين يقيمون في اسرائيل عن العلمانيين الاسرائيليين في الإيمان بـ يهودية الدولة. المتدينون يعودون الى التوراة والعلمانيون الي الصهيونية. وفي اطار هذا النقاش المتجدد حول يهودية اسرائيل استضافت احدى القنوات الفضائية العربية عزمي بشارة وايتمار رابينوفيتش سفير اسرائيل السابق في واشنطن. بشارة قال ان طلب الاسرائيليين من الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل يعكس صراعا قديما في اسرائيل حول الدين والقومية. قال أيضا ان هذا الطلب هو محاولة مسبقة لنفي حق العودة. رابينوفيتش عرَّف نفسه كعلماني اسرائيلي ولكن اسرائيل، بالنسبة له، هي دولة يهودية. أي دولة قومية!أما كيف يكون الدين هو العامل البنيوي الذي تنهض عليه الفكرة القومية فتلك هرطقة أيديولوجية لا قِبَل لاحد بها إلا اليهود. تلك هرطقة لا تُقبل سوى من اليهود، رغم أنها تتنافي، تماما، مع الفكرة القومية التي لا تعتبر الدين أساسا في تكوينها. ***ليقل الاسرائيليون ما يريدون قبل الذهاب إلى أنابوليس. فلن يحصل شيء في أنابوليس. ولا بعد أنابوليس. إنه مجرد مؤتمر آخر. تضييع جديد للوقت. تمديد للأزمة التي تمسك بخناق الجميع. أما يهودية اسرائيل فقد تكفل بها قول مأثور لإميل حبيبي: باقون في حيفا. يكفي أن يكون هناك نحو مليون عربي فلسطيني في اسرائيل كي يجعل فكرة يهودية الدولة غصة في حلق المؤسسة الاسرائيلية. شوكة في الخاصرة. فلا يمكن لدولة أن تتحدث عن صفاء ديني أو عرقي وأكثر من ثلث سكانها ينتمون إلي دين آخر، أو قومية أخرى. حتى عراق صدام حسين البعثي لم يغير اسم العراق من الجمهورية العراقية الي الجمهورية العربية العراقية لأن نحو عشرين في المئة من سكان العراق ينتمون إلي القوميتين الكردية والتركية.الباقون في حيفا ويافا والجليل والمثلث هم الذين يلقون ظلالا مبرحة من الشك على قومية اسرائيل ويجعل من صفائها الديني والاثني محض خرافة.