24° الناصرة $دولار أمريكي 3.01 ₪يورو 3.50 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور

الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويلية في رواية شريف إبراهيم أحمد عن يحيى السنوار بقلم رانية مرجية

ر م رانية مرجية خاطرة نُشر: 05/09/2026 الساعة 21:24
حجم الخط
الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور
الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور · تصوير: كل العرب

الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويلية في رواية شريف إبراهيم أحمد عن يحيى السنوار بقلم رانية مرجية

ثمة فرق بين أن نكتب سيرة إنسان، وأن نكتب الأثر الذي تركته سيرته في المكان والذاكرة. وبين الاثنين تتحرك «الحرية الحمراء» لشريف إبراهيم أحمد؛ فهي لا تبدو معنية باستعادة حياة يحيى السنوار بوصفها سلسلة من الوقائع فحسب، وإنما بمحاولة الإمساك بالإنسان وهو يتشكل داخل زمن مضطرب، ومكان محاصر، وذاكرة لا تكف عن استدعاء ما غاب.

منذ البداية، يضع الكاتب عمله في منطقة متداخلة بين الوثيقة والتخييل؛ فهو يعلن أن ما غاب من التفاصيل تملؤه المخيلة، وبذلك لا يقدم السيرة بوصفها سجلًا تاريخيًا مكتملًا، وإنما بوصفها مادة لإعادة بناء الإنسان داخل الرواية.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم في قراءة العمل ليس: من هو يحيى السنوار؟ وإنما: كيف تصنع التجربة إنسانها، وكيف تعيد الكتابة تشكيل هذه التجربة بعد أن تتحول إلى ذاكرة؟

هذا السؤال، في تقديري، هو المدخل الأكثر ملاءمة إلى الرواية؛ لأنه ينقل القراءة من الشخصية بوصفها موضوعًا تاريخيًا إلى الشخصية بوصفها بناءً سرديًا.

فالطفولة ليست مقدمة عابرة، والسجن ليس مجرد مرحلة، والنفق ليس مجرد حدث، وغزة ليست مجرد جغرافيا. إنها جميعًا عناصر تتداخل في بناء تصور للحرية بوصفها وعيًا يتشكل قبل أن تصبح فعلًا، وذاكرة تستمر بعد أن يتحول الفعل إلى تاريخ.

تستعيد الرواية الشخصية في طفولتها ومدرستها، وتلتقط تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تؤدي وظيفة تأسيسية في رسم مسارها: التعلم، والصبر، والإصرار على تجاوز الفشل. وحين تعود الشخصية إلى مدرستها القديمة، لا تعود إلى بناء من الحجر فقط؛ إنها تعود إلى نسخة سابقة من ذاتها، إلى طفل ما زال حاضرًا في المكان.

وهنا تكتسب استعادة الطفولة أهميتها السردية؛ فهي تنزع عن الشخصية صورتها النهائية وتعيدها إلى لحظة التكوين.

فالرمز، قبل أن يصبح رمزًا، كان طفلًا.

والقائد، قبل أن يصبح قائدًا، كان إنسانًا يتعلم كيف يصبر، وكيف يحاول مرة أخرى.

بهذا المعنى تجعل الرواية التكوين سابقًا على البطولة. غير أن هذا المسار لا يخلو من ملاحظة نقدية؛ ففي بعض المواضع تبدو الشخصية محكومة بصورة بطولية مكتملة، بما يقلل من مساحة التناقض والالتباس التي تمنح الشخصية الروائية عمقها الإنساني.

وهنا تظهر المسافة بين بناء الشخصية وبناء صورتها الرمزية. فكلما اكتملت صورة البطل مسبقًا، ضاقت إمكانات الشخصية في أن تفاجئ قارئها أو تكشف عن مناطقها المتعارضة.

وربما كان السجن أكثر فضاءات الرواية إنتاجًا للمفارقة. فالمكان الذي يفترض أن يختزل الإنسان إلى جسد محاصر يتحول إلى فضاء لإعادة بناء العقل. الكتب تتنقل خفية، والصفحات تُنسخ على أوراق صغيرة، والنقاشات تجعل الزنزانة أقرب إلى فضاء للتعلم منها إلى مكان احتجاز.

ويأتي تشبيه السجن بالجامعة، ثم العبارة: «الحرية تبدأ من هنا، من عقولنا»، ليكشف عن تصور أساسي في الرواية: الحرية ليست حدثًا يبدأ عند فتح الباب، بل وعيًا يبدأ قبل ذلك.

تنجح الرواية هنا في نقل القيد من مستواه المادي إلى مستواه الفكري؛ فالجدار لا يعود مجرد حاجز، وإنما يصبح اختبارًا لمعنى الحرية ذاتها.

لكن هذا الجانب يكشف في الوقت نفسه إحدى ملاحظات الرواية الأسلوبية: فهي تميل أحيانًا إلى تسمية المعنى بعد بنائه. فحين ينجح المشهد في إيصال دلالته، لا يحتاج دائمًا إلى جملة تفسيرية تؤكد ما فهمه القارئ بالفعل.

وهذه ليست مشكلة في الفكرة، بل في درجة الثقة التي تمنحها الرواية لقارئها.

وإذا كان السجن يمثل القيد الظاهر، فإن النفق يقدم صورة مختلفة للحرية: حرية تعمل في الخفاء.

النفق الذي يُحفر في الظلام لا يؤدي وظيفة حدثية فحسب؛ إنه يجسد فكرة أن ما يبدو ساكنًا فوق الأرض قد يكون في الأسفل منهمكًا في صناعة احتمال جديد. وحين تصفه الرواية بوصفه كائنًا يكاد يتنفس، فإنها تنقل المكان من وظيفته الواقعية إلى وظيفته الرمزية.

هنا تصبح الأشياء علامات:

الجدار ذاكرة، والسجن وعي، والنفق احتمال.

لكن أهمية النفق لا تأتي من رمزيته وحدها، بل من علاقته بالزمن. فهو فعل يحدث في الظلام، لكنه موجّه إلى المستقبل؛ أي إنه يجمع بين غياب الرؤية وحضور الاحتمال.

لهذا لا يبدو النفق مجرد طريق في الأرض، بل طريقًا في المعنى أيضًا: حرية تتشكل قبل أن تعلن عن نفسها.

ومن هنا نصل إلى العنوان: ماذا تضيف كلمة «الحمراء» إلى الحرية؟

لو كان المقصود هو الحرية في معناها المجرد، لكان العنوان قد اكتفى بها. لكن اللون يفتح المفهوم على دلالات أكثر التباسًا. فالأحمر يستدعي الدم والألم والكلفة، لكنه في الوقت نفسه لون الحياة والنبض.

ومن هذه الازدواجية يستمد العنوان قوته.

فالحرية في الرواية ليست فكرة مجردة ولا هدية مجانية؛ إنها مرتبطة بذاكرة الأسر والصراع والمكان المثقل بآثاره.

لكن قوة اللون لا تكمن في فرض معنى واحد عليه. قيمته الفنية في أنه يبقى مفتوحًا بين الحياة والكلفة، الولادة والفقد، الأمل والألم.

وهنا يصبح العنوان نفسه سؤالًا جماليًا:

كيف يمكن أن نكتب الحرية من داخل ذاكرة مثقلة بثمنها؟

ولا تبدو غزة في «الحرية الحمراء» خلفية محايدة للأحداث. إنها تدخل في تكوين الشخصية، وتظهر بوصفها مكانًا يُستعاد كما تُستعاد الذاكرة.

ولهذا تكتسب الأمكنة الصغيرة أهميتها: المدرسة، الزنزانة، الأزقة، والفضاءات التي تعبرها الشخصية في مراحل مختلفة من حياتها.

حين تمر الشخصية أمام المدرسة القديمة، لا يستعيد المكان الماضي فحسب؛ بل يعيد إنتاجه. تصبح العودة إلى المكان عودة إلى ذات سابقة.

وهنا تقدم الرواية واحدة من أكثر أفكارها دلالة: الزمن لا يتحرك دائمًا إلى الأمام؛ أحيانًا يعود عبر المكان.

كل مكان يحمل طبقة زمنية، وكل عودة إليه تستدعي نسخة من الذات كانت تسكنه.

وبذلك لا تكتب الرواية سيرة الإنسان منفصلًا عن جغرافيته، بل تكتب جغرافيا الإنسان أيضًا.

أما المسافة بين السيرة والرواية فتبدو أكثر أهمية من السؤال عن مطابقة كل تفصيل للواقع. فحين يفتح الكاتب باب التخييل لسد ما غاب من الوثائق، فإنه يختار بوضوح ألا يكون العمل سجلًا تاريخيًا باردًا.

وهذا خيار مشروع فنيًا، لكنه يضع الرواية أمام مسؤولية إضافية: كلما اتسعت مساحة التخييل، ازدادت الحاجة إلى إقناع القارئ بالشخصية من الداخل، لا بالأحداث من الخارج فقط.

وفي أفضل لحظات الرواية يتحقق ذلك حين تتكلم التفاصيل الشخصية والمكانية من تلقاء نفسها.

أما حين تتحول اللغة إلى إعلان متكرر عن البطولة والحرية والصمود، فإن الشخصية تخسر شيئًا من تعقيدها لصالح صورتها الرمزية.

وهنا ينبغي التمييز بين صناعة الرمز وتقديس الرمز.

صناعة الرمز فعل روائي؛ أما تقديسه فقد يحول دون رؤية الإنسان الذي يقف خلفه.

وهذه، في تقديري، إحدى أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على العمل: كان يمكن للشخصية أن تُترك في منطقة أكثر إنسانية، حيث تتجاور البطولة مع الضعف، واليقين مع التردد، والرمز مع الإنسان.

وتملك الرواية، في المقابل، لغة ذات نزوع شعري واضح، وهذا من عناصر جاذبيتها. فالنفق يتنفس، والجدران تحفظ، والمدينة تبدو كأنها تشارك أبناءها ذاكرتهم.

غير أن هذه الشعرية تحمل معها خطرًا ملازمًا للكتابة ذات الحس الملحمي: أن تتحول الصورة من إيحاء إلى خطاب.

حين تتكرر مفردات الدم والحرية والفجر والصمود والذاكرة من دون أن تضيف كل مرة طبقة جديدة من الدلالة، قد يشعر القارئ بأن الرواية تشرح موقفها العاطفي بدل أن تتركه يستنتجه.

المشكلة إذن ليست في حضور هذه المفردات، وإنما في كثافتها.

فالرواية تكون أكثر قوة حين تثق بالمشهد، وبالصمت، وبالتفصيل الصغير. أحيانًا تكفي نافذة مدرسة قديمة كي تقول عن الذاكرة ما لا تستطيع صفحة كاملة من التأملات أن تقوله.

ولعل هذه إحدى المساحات التي كان يمكن للرواية أن تمنحها ثقة أكبر: أن تقول أقل، لكي يتسع المعنى أكثر.

في النهاية، لا تبدو «الحرية الحمراء» معنية بإغلاق سيرة شخصية بقدر ما تبدو راغبة في تحويلها إلى أثر.

وتتحرك الرواية، في مسارها العام، من الطفل إلى الرجل، ومن الرجل إلى السجين، ومن السجين إلى الرمز، ومن الرمز إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتابة.

لكن القيمة الأدبية لا تكمن في هذا المسار وحده، بل في السؤال الذي يظل مفتوحًا تحته:

هل تستطيع الكتابة أن تستعيد الإنسان، أم أنها لا تستعيد إلا صورته؟

ربما لا تقدم الرواية جوابًا نهائيًا، وربما لا ينبغي لها أن تفعل.

فالأدب لا يعيد الغائب كما كان؛ إنه يمنحه حضورًا جديدًا مصنوعًا من اللغة والذاكرة والتخييل.

ومن هنا يصبح الغياب في «الحرية الحمراء» ليس نهاية، وإنما شكلًا آخر للحضور.

أقرأ «الحرية الحمراء» إذن بوصفها رواية تحاول أن تنقل الحرية من كونها فكرة إلى كونها مسارًا في الوعي؛ من الجدار إلى العقل، ومن العقل إلى المكان، ومن المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتابة.

السجن ليس مجرد مكان يُغلق على الإنسان، والنفق ليس مجرد ممر تحت الأرض، وغزة ليست مجرد مسرح للأحداث. إنها صور مختلفة لرغبة الإنسان في ألا يتحول إلى أثر صامت داخل التاريخ.

ولهذا تبدو الرواية، في جوهرها، مشغولة بسؤال الغياب بقدر انشغالها بسؤال الحضور.

فالذي يغيب لا يختفي بالضرورة؛ قد ينتقل إلى المكان، ثم إلى الذاكرة، ثم إلى اللغة.

وربما هنا تكمن دلالة «الحرية الحمراء» الأعمق:

أن الحرية ليست لحظة نصل إليها ثم تنتهي، بل ذاكرة تظل مفتوحة على ثمنها، وكتابة تواصل البحث عن الإنسان بعد أن يبتعد الإنسان عن المشهد.

إن التاريخ يسجل ما حدث، أما الرواية فتحاول أن تنصت إلى ما لم يستطع الحدث أن يقوله عن نفسه.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد