بيرس : صنع السلام ليس في أعالي السموات والذي يريد إحلال السلام سيحله بنا
حين كنت وزيرا للخارجية طلبت من سفرائنا أن يبعثوا لي بقصائد أكثر مما يبعثون لي به من برقيات، إيمانا مني بأنه يمكن من خلال الشعر الوقوف على طبيعة الأرض والإنسان أكثر من التقارير الدبلوماسية والصحفية. وقد قال في ذلك الشاعر روني سومك: "عند بركان فيزوف أحسد أول شاعر جمع في سطر واحد بين كلمتي "حمم" و"حب". (روني سومك، "ألجير"). ومن حسن حظي أن أحد موظفي الوزارة، وهو السيد تسفي غباي، خبير في الشعر العربي، وعرفني بعدد غير قليل من الشعراء العرب. كان هو الذي تعلمت منه الإعجاب بأكبر الشعراء العرب، نزار قباني. وقد قرأت بإعجاب قصائد حبه وشعره السياسي وما نشر له من شعر فلسفي. وفاجأتني إحدى أقوى قصائده الحديثة التأملية وعنوانها "الشعر هو الاستعمار الجميل"، حيث يقول: "خضع العرب لاستعمار الشعر أكثر من خمسة عشر قرنا، فلم يقاوموه ولم يرفعوا في وجهه السلاح، ولم يشتكوه إلى مجلس الأمن، أو إلى محكمة العدل الدولية. كان استعمارا جميلا، ومهذبا، وراقيا، وحضاريا"، وفي قصيدته "متى تصمت العصافير" يقول: "الشعب العربي ليس بحاجة إلى مهدئات شعرية، ولا إلى مسكنات لغوية... ولا إلى حبوب فاليوم يبلعها مع القصائد. فقد بلع هذا الشعب من قصائد الفخر، والمديح الكاذب، والعنتريات الفارغة... والنفاق الموزون والمقفّى... ما يكفي لتخديره ألف سنة. لذلك فهو بحاجة إلى شعراء من قماش آخر، تكون مهمتهم الأساسية إخراجه من حالة الشلل النصفي التي عطلته عن الحركة، والرؤية، واستشراف آفاق القرن الواحد والعشرين." وقد فكرت مليا في هذه الكلمات، مع أن ما تعلمته من اللغة العربية قد نسيته، لأننا جميعا نتكلم الإنكليزية. وبدأت أفكر فيما بعد في أن مصدر النزاع القائم بيننا وبين جيراننا العرب يكمن في النزاع الشعري القائم بيننا. إن اللغة رؤية، وليست مجرد وسيلة تعبيرية، وقد تكون إمبراطورية الكلام العربية أقوى من جمهورية الأشياء العبرية، ورغم كون العبرية والعربية تجمعهما صلة رحم وجيرة لغوية، إلا أنهما، على ما يبدو، في خضم تناقض عميق، فالعربية أمْيَل إلى الجماليات وحسن العبارة، وتأبى أن تستبد بها التزامات عابرة، فيما العبرية أميل إلى الالتزام والحقيقة الحقّة والكلام الفصل. والعربية تميل للكرم، فيما العبرية مخلصة للدقة، والعربية لغة ملَكية، فيما العبرية لغة نبوية. وتنهل كلاهما من ذات النحو والصرف، ولكنهما تنفصلان في مغزى المناظر. والقول بالعربية يبدو وكأنه مغازلة ما قبل الزواج، حيث لا يُلزم بالنفقة، أما القول بالعبرية فيبدو وكأنه قضاء وحكم، وهو المرحلة النهائية بكل ما تعكسه على المستقبل. إن القاموس العربي لا يحوي مثلا كلمة "بْشاراه" (الحل الوسط)، ولكن لكون العرب يحتاجون هم أيضا للحل الوسط، فإنهم يصفونه بتبادل بوادر حسن النية. كان أنور السادات يقول لي: "يا شمعون، يا شمعون، كن أكثر كرما في عباراتك، لأرد على كل بادرة تصدر عنك بعشر من عندي". أعرف أن بعض الأصدقاء العرب يغضبون حين يقال لهم إنهم لا يلتزمون بتعهداتهم، حيث يتساءلون لماذا لا ندرك نحن مسبقا أن الكلام لم يخلق ليكون معاهدة، وأن مثله كمثل اللياقة أو العناق أو لون من ألوان الضيافة، لذلك أعجبت كثيرا بما بيّنه نعيم عرايدي في قصيدته "حول التساؤل عن كتابتي بالعبرية"، حيث كتب يقول: "...لخلق العالم من جديد، لتكون الأشياء مختلفة، مختلفة فعلا، وللرضا عما نراه، ولتقديم العالم للإنسان على طبق من ذهب أو من فضة، ولبذل كل مستطاع لإحلال السعادة والبحبوحة، كي لا يأكل الآباء الحصرم، بل يأكلوا الثمرة الناضجة". إن العبرية تَعتبر بعامل الزمن، وفي الفعل تستعين بزمنين لا غير، هما الماضي والمضارع. أما الحاضر فبالكاد يعيش بينهما كضيف لليلة واحدة، فيما العربية تعتبر بعامل المكان، أي التجول في بقعة من الأرض أو التنزه في الحديقة والاستمتاع بثمارها، وهذا ليس مستحيلا. إنني أؤمن بأننا سنتوصل إلى السلام حين يفهم أحدنا شعر الآخر، لذلك أعجبني كثيرا أيضا ما يحويه من فكاهة كتاب عودة بشارات "ساحات زيتونيا" الذي يصف فيه بطريقة تحرك القلوب، شبيهة جدا بطريقة الكاتب اليهودي "شالوم عاليخم"، ما يجري في قرية صغيرة نائية في مكان ما من إسرائيل، حيث يشير إلى أنه حين تلتقي القرية الصغيرة بالكلمات الكبرى "تصاب جميع النظريات بالاعوجاج والتشوه لتتعطل عند مدخل القرية".
حين كنت وزيرا للخارجية طلبت من سفرائنا أن يبعثوا لي بقصائد أكثر مما يبعثون لي به من برقيات، إيمانا مني بأنه يمكن من خلال الشعر الوقوف على طبيعة الأرض والإنسان أكثر من التقارير الدبلوماسية والصحفية. وقد قال في ذلك الشاعر روني سومك: "عند بركان فيزوف أحسد أول شاعر جمع في سطر واحد بين كلمتي "حمم" و"حب". (روني سومك، "ألجير"). ومن حسن حظي أن أحد موظفي الوزارة، وهو السيد تسفي غباي، خبير في الشعر العربي، وعرفني بعدد غير قليل من الشعراء العرب. كان هو الذي تعلمت منه الإعجاب بأكبر الشعراء العرب، نزار قباني. وقد قرأت بإعجاب قصائد حبه وشعره السياسي وما نشر له من شعر فلسفي. وفاجأتني إحدى أقوى قصائده الحديثة التأملية وعنوانها "الشعر هو الاستعمار الجميل"، حيث يقول: "خضع العرب لاستعمار الشعر أكثر من خمسة عشر قرنا، فلم يقاوموه ولم يرفعوا في وجهه السلاح، ولم يشتكوه إلى مجلس الأمن، أو إلى محكمة العدل الدولية. كان استعمارا جميلا، ومهذبا، وراقيا، وحضاريا"، وفي قصيدته "متى تصمت العصافير" يقول: "الشعب العربي ليس بحاجة إلى مهدئات شعرية، ولا إلى مسكنات لغوية... ولا إلى حبوب فاليوم يبلعها مع القصائد. فقد بلع هذا الشعب من قصائد الفخر، والمديح الكاذب، والعنتريات الفارغة... والنفاق الموزون والمقفّى... ما يكفي لتخديره ألف سنة. لذلك فهو بحاجة إلى شعراء من قماش آخر، تكون مهمتهم الأساسية إخراجه من حالة الشلل النصفي التي عطلته عن الحركة، والرؤية، واستشراف آفاق القرن الواحد والعشرين." وقد فكرت مليا في هذه الكلمات، مع أن ما تعلمته من اللغة العربية قد نسيته، لأننا جميعا نتكلم الإنكليزية. وبدأت أفكر فيما بعد في أن مصدر النزاع القائم بيننا وبين جيراننا العرب يكمن في النزاع الشعري القائم بيننا. إن اللغة رؤية، وليست مجرد وسيلة تعبيرية، وقد تكون إمبراطورية الكلام العربية أقوى من جمهورية الأشياء العبرية، ورغم كون العبرية والعربية تجمعهما صلة رحم وجيرة لغوية، إلا أنهما، على ما يبدو، في خضم تناقض عميق، فالعربية أمْيَل إلى الجماليات وحسن العبارة، وتأبى أن تستبد بها التزامات عابرة، فيما العبرية أميل إلى الالتزام والحقيقة الحقّة والكلام الفصل. والعربية تميل للكرم، فيما العبرية مخلصة للدقة، والعربية لغة ملَكية، فيما العبرية لغة نبوية. وتنهل كلاهما من ذات النحو والصرف، ولكنهما تنفصلان في مغزى المناظر. والقول بالعربية يبدو وكأنه مغازلة ما قبل الزواج، حيث لا يُلزم بالنفقة، أما القول بالعبرية فيبدو وكأنه قضاء وحكم، وهو المرحلة النهائية بكل ما تعكسه على المستقبل. إن القاموس العربي لا يحوي مثلا كلمة "بْشاراه" (الحل الوسط)، ولكن لكون العرب يحتاجون هم أيضا للحل الوسط، فإنهم يصفونه بتبادل بوادر حسن النية. كان أنور السادات يقول لي: "يا شمعون، يا شمعون، كن أكثر كرما في عباراتك، لأرد على كل بادرة تصدر عنك بعشر من عندي". أعرف أن بعض الأصدقاء العرب يغضبون حين يقال لهم إنهم لا يلتزمون بتعهداتهم، حيث يتساءلون لماذا لا ندرك نحن مسبقا أن الكلام لم يخلق ليكون معاهدة، وأن مثله كمثل اللياقة أو العناق أو لون من ألوان الضيافة، لذلك أعجبت كثيرا بما بيّنه نعيم عرايدي في قصيدته "حول التساؤل عن كتابتي بالعبرية"، حيث كتب يقول: "...لخلق العالم من جديد، لتكون الأشياء مختلفة، مختلفة فعلا، وللرضا عما نراه، ولتقديم العالم للإنسان على طبق من ذهب أو من فضة، ولبذل كل مستطاع لإحلال السعادة والبحبوحة، كي لا يأكل الآباء الحصرم، بل يأكلوا الثمرة الناضجة". إن العبرية تَعتبر بعامل الزمن، وفي الفعل تستعين بزمنين لا غير، هما الماضي والمضارع. أما الحاضر فبالكاد يعيش بينهما كضيف لليلة واحدة، فيما العربية تعتبر بعامل المكان، أي التجول في بقعة من الأرض أو التنزه في الحديقة والاستمتاع بثمارها، وهذا ليس مستحيلا. إنني أؤمن بأننا سنتوصل إلى السلام حين يفهم أحدنا شعر الآخر، لذلك أعجبني كثيرا أيضا ما يحويه من فكاهة كتاب عودة بشارات "ساحات زيتونيا" الذي يصف فيه بطريقة تحرك القلوب، شبيهة جدا بطريقة الكاتب اليهودي "شالوم عاليخم"، ما يجري في قرية صغيرة نائية في مكان ما من إسرائيل، حيث يشير إلى أنه حين تلتقي القرية الصغيرة بالكلمات الكبرى "تصاب جميع النظريات بالاعوجاج والتشوه لتتعطل عند مدخل القرية".

لقد لمح أحدهم لمعلم القرية الساذج بأنه من الجدير به أن يترشح لمنصب رئيس القرية، والمرشح يحمل الكلام على محمل الجد ويستعين بأشد العبارات ملاءمة لدوره الجديد، مثل "الأوضاع الاجتماعية" في مكان لم يكن قد نما فيه مجتمع، و"موقف الجمهور"، في قرية تكاد تخلو من جمهور، و"الطاقات الهائلة الكامنة في زيتونيا" في قرية لا رزق فيه لأحد. ويشرح لزوجته الطموحة التي تزداد شهيتها لتكون سيدة القرية الأولى يوما بعد يوم، أن حلمه المذهل يجب ترجمته إلى "برنامج تنفيذي عملي يعتمد على النظرة العلمية الحديثة"، أي برنامج فيه من الإستراتيجية والتكتيك في آن معا، مع أنه يعترف لها بأنه يخيّل إليه بأن "التكتيك يتعارض أحيانا مع الإستراتيجية"، لذلك يعود إلى الأرض القروية ويشير لزوجته بأنه يجب "النظر إلى الغابة بمجملها لا إلى كل شجرة على حدة"، بل "يجب العناية بالشجر بين الحين والآخر".
والسياسة هي السياسة، فيتوصل إلى أنه "طالما أن رئاسة القرية مضمونة لأحد أبناء الحمولة، فلا ضير في التهجم على مفهوم الحمولة".
يبدو أن ثمة ضرورة للتعايش بين الدخول القروي على رؤوس الأصابع وبين الخروج على أجنحة الكلام السحري.
لذلك لا أنفعل إذا وجدت تناقضا في مفاوضات السلام التي نجريها قولا ونقيضه في آن. أما من يقول بأن الحياة والموت في اللسان، فإنني أقول له إنه لا لزوم لتعريض اللسان لخطر الموت الكامن في الحرب. والاختلاف بين اللغتين لا وجوب في تحويله إلى معركة بين الشعبين.
إنني أشك في إمكان التوفيق بين الزمان والمكان، اللهم إلا في نظرية النسبية لألبرت آينشتاين.
وإني مؤمن بأننا لكي نتوصل إلى السلام، علينا أن نجهد لكي يفهم واحدنا شعر الآخر.
إن صنع السلام ليس في أعالي السموات، والذي يريد إحلال السلام، سيحله بنا وأيضا فيما بيننا.