29° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

رحيل الياسمين

كتبت يوم 23- 7 من العام الماضي 2006، أي قبل نحو الثمانية أشهر، قصة وضعت لها عنوانا هو" بقاء الياسمين" ولم انشرها، أسوة بمجموعة من قصص أخرى، كتبتها وما زلت اكتبها حتى اللحظة.تدور القصة حول واقعة أردت أن أجسد فيها مشاعري نحو أمي، الإنسان الأغلى على روحي الأقرب إلى وجداني و قلبي، في لحظة عصيبة.افتتحت القصة بموقف إنساني، يمكن لأي إنسان مهجر فلسطيني أن يمر فيه وان يعايشه،  بل أن يعاني أبعاده المتعبة للروح الممزقة لنياط القلب.هذا الموقف تمثل في أم هدمها الكبر والمرض، هي أم راوي القصة، ابن الخمسين، الذي قد يكون الكاتب ذاته. تطلب من ابنها، ذات صباح، أن يستمع إليها، فيصغي بحوسه كلها، لشعوره برنة لم يستمع إلى مثلها، إلا في حالة واحدة في السابق، كانت يوم إخبارها له، قبل أكثر من ثلاثين عاما، بان والده قد مات، ورحل عن عالمنا.يخفق قلب الابن ويتحول إلى إذن كلها إصغاء، ربما ترقبا لمفاجأة لا تبقي ولا تذر، وتخبر ألام ابنها بعد لحظات من الصمت الرهيب، أو نحو هذا أنها، ستعرج يوم الخميس القريب، على مكتب الشؤون الاجتماعية، كي ينقلها إلى ملجأ للعجزة، كي تموت هناك بأمن وسلام، بعد أن هدمها المرض، كونها عاشت عمرها كله لم تحتج أحدا ولم تشكل عبئا على أي من الناس مهما كان قريبا.يفاجأ الابن في أواسط القصة، بحديث والدته، ويبقى صامتا لهول الموقف، إلا انه يفضل التغابي في مثل هكذا موقف، ويخبرها أن كل ما في الأمر أنها مريضة وأنها ستشفى منه، فتعود الأم إلى موقفها لتقول لابنها، انه لا علاج لعلة الموت، فيطلب منها ابنها أن تمهله يوما أو ثلاثة أيام، كي يفحص ما بإمكانه أن يفعله، ويغادر بيت والدته، وهي تتساءل لمن ستتركه بعد رحيلها.يخرج الابن المكدود جراء ما أحدثه الموقف من الم وحزن، وتتقاذفه الأفكار والهواجس، ويأخذ في التساؤل الجدي، عن سبب اختيارها له لتسر ما أسرته إليه، ويتوصل إلى نتيجة مفادها أنها أرادت أن تمتحن قدرته على  البعد عنها، وان إجابته ستحدد مدى قدرته على العيش بدونها.في تلك اللحظة يكتشف راوي القصة ما رمت إليه والدته المسنة المريضة، فيقرر أن يعود إليها، هناك في بيتها، حيث يقيم معها، لان عالمه لفظه، وتنتهي القصة على النحو التالي: "في تلك اللحظة فقط، عرفت إلى أين سأذهب، الآن الآن وليس غدا سأذهب إليها، إلى أمي. سأذهب إليها هناك في بيتها، وسأقول لها، أنت لن تتحركي من هذا البيت، ستبقين هنا ما بقي الياسمين، وأنا وليس سواي من سيساعدك، أنا من سيكون إلى جانبك يا أحب الناس إلى روحي ويا أقربهم إلى قلبي".كتبت هذه القصة، قبل أكثر من ثمانية أشهر، وبعد ثمانية أشهر، يوم الثلاثاء الماضي، في العشرين من شباط الجاري تحديدا، رحلت أمي. رحل الياسمين، تاركا وراءه رائحة ذكية، لا تنسى ولا يمكن أن تنسيني إياها الأيام، الأسابيع الأشهر والسنين، وسوف تفوح هذه الرائحة مع مضي الوقت حتى تملا العالم.في العشرين من شباط الجاري، آه من شباط وكم خشيناه جميعا، رحلت أمي وهي واقفة بين يدي أختي ليلى، في بيتها، الكائن في مدينة حيفا، رحلت وهي واقفة مثل سنديانة في سفوح جبالنا، نال منها الزمن والكبر، رحلت مثلما يرحل أهلنا الفلسطينيون وهم واقفون. لم يقعدها المرض، وان اخذ منها مأخذا ليس بسيطا، ولم تسترخ على سريرها، اثر إلمام المرض بها، كما حصل ويحصل للكثيرين ممن بقوا في بيوتهم، في عام النكبة ولم يغادروها، ليتشردوا هم وأبناء عائلاتهم، في بلدات الوطن وربوعه، كما حصل لها، ولأهلي بصورة عامة، وبقيت ماشية على قدميها المتعبتين حتى اللحظة الأخيرة من عمرها المديد.أتذكر الآن، وأنا اكتب هذه الكلمات عنها، ذلك النضال التي خاضته بقلب امرأة جريئة، كما يقال، من اجل الحياة، ومن اجلنا جميعا، فهي لم تستسلم لآلام التهجير والبعد عن بلدتنا المهجرة حاليا من أحبائها سيرين الواقعة في منطقة مدينة بيسان، وإنما انتصبت إلى جانب والدي رحمهما الله، وراح الاثنان يخوضان معركة الوجود والدفاع عن البقاء معا وجنبا إلى جنب حتى رحل والدي عام 1976، قبل واحد وثلاثين عاما، تاركا إياها تواجه تكاليف الحياة، برأس مرفوعة وهمة لا تلين، وكانت في حياة والدي وبعد رحيله امرأة مكافحة تسعى في مناكب الحياة ولسان حالها يقول:" قوم يا عبدي تعينك ونام يا عبدي تهينك" وهو ما رددته أمامي وأمام آخرين عشرات وربما مئات وآلاف المرات.في حياة والدي وقفت والدتي إلى جانبه، وقوف امرأة شجاعة، فراحت تعمل وتعمل دون كلل أو ملل، عملت في بيوت المقتدرين، كما عملت في الزراعة، وما زلت أتذكر تلك السنوات البعيدة، أيام كنت فتى غرا، في الخامسة عشرة من العمر، أو دونها بقليل، كيف كانت تنهض في أواخر الليالي، فتعد "زوادة" على عجل من أمرها، وما أن تستمع إلى صفارة سيارة العمل، حتى تبادر إلى انتعال "جزمة" سوداء مصنوعة من المطاط، فأحس بحفيف انتعالها لها، يمزق قلبي، فاخفي راسي تحت غطائي، وابكي لأنني لا استطيع مساعدتها، وكانت تمضي راكضة حتى لا تفوتها سيارة العمل.بقيت أمي تكافح وتكافح، تساعد والدي، الشيخ المسن، ويساعدهما أخي جوهر رحمه الله(توفي يوم 30-12- 2007) أي قبل رحيلها بنحو الخمسين يوما، وأختاي نجية وليلى، أمد الله في عمريهما، ولم يهدا لها بال حتى يومها الأخير.لم تتلق أمي، شانها في ذلك شان والدي وأخي جوهر، تعلما في أي من المدارس، بسبب الاحتلال والتهجير القسري، من بلدتنا سيرين، لهذا كان هؤلاء أميين، لا يقرؤون أو يكتبون، علما أنني علمتهم كيف يكتبون أسماءهم، وكان يلفت انتباههم اهتمامي الشديد بالكتاب وعالمه الرحيب.أتذكر الان أنني جلست في الرابعة من مساء احد الأيام، وكنت فتى في مقتبل العمر، غض الإهاب، أقرا في كتاب/ رواية" الأم" للكاتب الروسي ذائع الصيت مكسيم جوركي، فجاءت أمي إلي، تقترح علي أن أتناول الطعام، فاقترحت عليها أن تنتظر قليلا ريثما افرغ من القراءة، فذهبت وعادت بعد نحو الساعتين، لتعيد السؤال ذاته، ولتتلقى بالتالي الإجابة ذاتها، وتكرر هذا مرة ومرة، حتى الثانية عشرة ليلا، عندها أوت إلى فراشها، وبقيت أنا في صحبة جوركي وأمه، حتى بزغ الصباح وقاربت الساعة السابعة.في تلك اللحظة جاءت أمي إلى حيث كنت، لتجدني اقرأ في الكتاب ذاته، ففوجئت ووجهت إلي سؤالا مفاده لماذا ابذل كل ما ابذله من مجهود؟ وماذا أريد من وراء هذا كله؟ فأجبتها إنني أريد أن أكون كاتبا، فأرسلت نظرة مستريبة نحوي، وهي تتساءل عما إذا كنت أريد أن أكون كاتب عرض حال، وهو ذاك الذي كان يكتب لمن لا يتقنون الكتابة من المهجرين خاصة، الرسائل ليرسلوا بها إلى المؤسسات الخاصة لعلها تخفف من كربهم، وأضافت متسائلة، عما إذا كنت سأجلس ذات يوم إلى طاولة في باب" المسكوبية" في الناصرة، لأكتب الرسائل لمن يحتاج؟ فأجبتها بالنفي وقلت لها إنني أريد أن أكون كاتبا قاصا، فسألتني عما اقصد بهذا فأجبتها إنني أريد أن اكتب القصص عنها وعن عذاباتها وعذابات المتبقين من أبناء الأسرة، فأرسلت ابتسامة نحوي وهي تقول إنها لا تفهم ما ارمي إليه وان كانت تقدره، ورددت قائلة: "والله ما انا عارفة شو بتقصد، بس على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر".مضت السنوات، وعرفت رويدا رويدا ما أردت أن أكونه، وكانت كلما تستمع إلى اسمي يتردد في هذا البرنامج الإذاعي أو ذاك، أو يرسل إلي احد المعارف التحيات والسلامات، مشيرا إلى ما كتبته في هذه الصحيفة أو تلك المجلة، حتى ترفع رأسها مزهوة وتنقل إلي التحية وكأنما هي شريكة فيها، وهكذا كان.الذكريات في هذا المجال بيني وبينها، لا تعد ولا تحصى، ولا أنسى يوم عملت في إحدى الصحف المحلية المشهورة وأخذت انشر فيها ما اكتبه، كيف رفعت رأسها حتى وصل السماء أو كاد زهوا، وهي تستمع، على مسمع مني أيضا، إحدى جاراتنا توجه، عبر نافذة بيتها، سؤالا إلى جارة أخرى عما إذا كانت قرأت المقالة التي كتبها ناجي ابن أم جوهر، في العدد الأخير من الصحيفة الذي يعمل فيها. بل إنني أكاد أرى لمعة الفرح في عينيها، وهي تخبرني بفخر لا حدود له، عن رضا أصدقائها من أبناء عائلة المربي المرحوم الأستاذ فيصل زعبي، عما كتبته عنه في صحيفة" الأخبار" بعد رحيله قبل نحو السنتين.شغلت أمي مساحة واسعة من كتاباتي القصصية، فكتبت عنها العديد من القصص، واذكر أنني كتبت عن هذه القصص مقالة، بناء على طلب من إدارة مدرسة "الحرش" الابتدائية، في الناصرة، ضمنتها بعضا من المشاعر النبيلة نحو أمي، تلك الإنسانة النبيلة، واستعرضت فيها عددا مما كتبته عنها من قصص، واعتقد انه بإمكان القارئ المهتم أن يعود لقراءة هذه المقالة، علما أنها نشرت في نشرة خاصة، أصدرتها المدرسة المذكورة، وأعيد نشرُها في احد أعداد صحيفة" الأخبار".في هذا السياق اذكر أن القصة الأولى التي كتبتها بعد تلمس طريقي الأدبي، في بدايتها الأولى، دارت حول حبي لامي ومدينتي، وكانت حافلة بالمشاعر والأحاسيس، وأعربت فيها بالإضافة إلى هذا عن تخوفي على أمي وعن خشيتي من أن تغادر هذه الدنيا. أتذكر أنني أشرت فيها إلى أي خراب سيحصل إذا ما أصابها مكروه، ولم تعد بيننا. هذه القصة حملت عنوان " الكلمة الأخيرة" ونشرت في احد أعداد مجلة" الجديد" الصادرة في عام 1968. لقد عبرت في هذه القصة عن معظم ما أردت أن أقوله عن والدتي، وضمنتها بعضا من تعبيري عما سيحل بمدينتي إذا ما رحلت. كان ذلك قبل نحو الأربعة عقود من الزمن، وكان لا بد لهذه العقود من الانقضاء، حتى ترحل والدتي مخلفة وراءها ألما تراكم عبر العشرات من السنين، فهل رحلت أم أننا نحن الراحلون، كما أوحى شاعرنا العربي القديم أبو الطيب المتنبي طيب الله ذكراه؟للفنان المطرب العربي المصري محمد عبد الوهاب، مقولة مشهورة مفادها أن الإنسان لا يشيخ، أو لا يشعر بالشيخوخة، إلا بعد أن يفقد والديه، فهل ابتدأت الشيخوخة الحقيقية تطرق أبوابي، بعد رحيل والدي أيها الفنان؟ وماذا سأفعل وقد انضممت إلى أولئك الذين فقدوا إباءهم وأمهاتهم، خاصة حينما سيحتفل العالم كله في الواحد والعشرين من آذار القريب، بعيد الأم؟ ماذا سأفعل أيها الفنان؟ حقا.. ماذا سأفعل؟

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 02/03/2007 الساعة 07:58
حجم الخط
رحيل الياسمين
رحيل الياسمين · تصوير: كل العرب

كتبت يوم 23- 7 من العام الماضي 2006، أي قبل نحو الثمانية أشهر، قصة وضعت لها عنوانا هو" بقاء الياسمين" ولم انشرها، أسوة بمجموعة من قصص أخرى، كتبتها وما زلت اكتبها حتى اللحظة.تدور القصة حول واقعة أردت أن أجسد فيها مشاعري نحو أمي، الإنسان الأغلى على روحي الأقرب إلى وجداني و قلبي، في لحظة عصيبة.افتتحت القصة بموقف إنساني، يمكن لأي إنسان مهجر فلسطيني أن يمر فيه وان يعايشه،  بل أن يعاني أبعاده المتعبة للروح الممزقة لنياط القلب.هذا الموقف تمثل في أم هدمها الكبر والمرض، هي أم راوي القصة، ابن الخمسين، الذي قد يكون الكاتب ذاته. تطلب من ابنها، ذات صباح، أن يستمع إليها، فيصغي بحوسه كلها، لشعوره برنة لم يستمع إلى مثلها، إلا في حالة واحدة في السابق، كانت يوم إخبارها له، قبل أكثر من ثلاثين عاما، بان والده قد مات، ورحل عن عالمنا.يخفق قلب الابن ويتحول إلى إذن كلها إصغاء، ربما ترقبا لمفاجأة لا تبقي ولا تذر، وتخبر ألام ابنها بعد لحظات من الصمت الرهيب، أو نحو هذا أنها، ستعرج يوم الخميس القريب، على مكتب الشؤون الاجتماعية، كي ينقلها إلى ملجأ للعجزة، كي تموت هناك بأمن وسلام، بعد أن هدمها المرض، كونها عاشت عمرها كله لم تحتج أحدا ولم تشكل عبئا على أي من الناس مهما كان قريبا.يفاجأ الابن في أواسط القصة، بحديث والدته، ويبقى صامتا لهول الموقف، إلا انه يفضل التغابي في مثل هكذا موقف، ويخبرها أن كل ما في الأمر أنها مريضة وأنها ستشفى منه، فتعود الأم إلى موقفها لتقول لابنها، انه لا علاج لعلة الموت، فيطلب منها ابنها أن تمهله يوما أو ثلاثة أيام، كي يفحص ما بإمكانه أن يفعله، ويغادر بيت والدته، وهي تتساءل لمن ستتركه بعد رحيلها.يخرج الابن المكدود جراء ما أحدثه الموقف من الم وحزن، وتتقاذفه الأفكار والهواجس، ويأخذ في التساؤل الجدي، عن سبب اختيارها له لتسر ما أسرته إليه، ويتوصل إلى نتيجة مفادها أنها أرادت أن تمتحن قدرته على  البعد عنها، وان إجابته ستحدد مدى قدرته على العيش بدونها.في تلك اللحظة يكتشف راوي القصة ما رمت إليه والدته المسنة المريضة، فيقرر أن يعود إليها، هناك في بيتها، حيث يقيم معها، لان عالمه لفظه، وتنتهي القصة على النحو التالي: "في تلك اللحظة فقط، عرفت إلى أين سأذهب، الآن الآن وليس غدا سأذهب إليها، إلى أمي. سأذهب إليها هناك في بيتها، وسأقول لها، أنت لن تتحركي من هذا البيت، ستبقين هنا ما بقي الياسمين، وأنا وليس سواي من سيساعدك، أنا من سيكون إلى جانبك يا أحب الناس إلى روحي ويا أقربهم إلى قلبي".كتبت هذه القصة، قبل أكثر من ثمانية أشهر، وبعد ثمانية أشهر، يوم الثلاثاء الماضي، في العشرين من شباط الجاري تحديدا، رحلت أمي. رحل الياسمين، تاركا وراءه رائحة ذكية، لا تنسى ولا يمكن أن تنسيني إياها الأيام، الأسابيع الأشهر والسنين، وسوف تفوح هذه الرائحة مع مضي الوقت حتى تملا العالم.في العشرين من شباط الجاري، آه من شباط وكم خشيناه جميعا، رحلت أمي وهي واقفة بين يدي أختي ليلى، في بيتها، الكائن في مدينة حيفا، رحلت وهي واقفة مثل سنديانة في سفوح جبالنا، نال منها الزمن والكبر، رحلت مثلما يرحل أهلنا الفلسطينيون وهم واقفون. لم يقعدها المرض، وان اخذ منها مأخذا ليس بسيطا، ولم تسترخ على سريرها، اثر إلمام المرض بها، كما حصل ويحصل للكثيرين ممن بقوا في بيوتهم، في عام النكبة ولم يغادروها، ليتشردوا هم وأبناء عائلاتهم، في بلدات الوطن وربوعه، كما حصل لها، ولأهلي بصورة عامة، وبقيت ماشية على قدميها المتعبتين حتى اللحظة الأخيرة من عمرها المديد.أتذكر الآن، وأنا اكتب هذه الكلمات عنها، ذلك النضال التي خاضته بقلب امرأة جريئة، كما يقال، من اجل الحياة، ومن اجلنا جميعا، فهي لم تستسلم لآلام التهجير والبعد عن بلدتنا المهجرة حاليا من أحبائها سيرين الواقعة في منطقة مدينة بيسان، وإنما انتصبت إلى جانب والدي رحمهما الله، وراح الاثنان يخوضان معركة الوجود والدفاع عن البقاء معا وجنبا إلى جنب حتى رحل والدي عام 1976، قبل واحد وثلاثين عاما، تاركا إياها تواجه تكاليف الحياة، برأس مرفوعة وهمة لا تلين، وكانت في حياة والدي وبعد رحيله امرأة مكافحة تسعى في مناكب الحياة ولسان حالها يقول:" قوم يا عبدي تعينك ونام يا عبدي تهينك" وهو ما رددته أمامي وأمام آخرين عشرات وربما مئات وآلاف المرات.في حياة والدي وقفت والدتي إلى جانبه، وقوف امرأة شجاعة، فراحت تعمل وتعمل دون كلل أو ملل، عملت في بيوت المقتدرين، كما عملت في الزراعة، وما زلت أتذكر تلك السنوات البعيدة، أيام كنت فتى غرا، في الخامسة عشرة من العمر، أو دونها بقليل، كيف كانت تنهض في أواخر الليالي، فتعد "زوادة" على عجل من أمرها، وما أن تستمع إلى صفارة سيارة العمل، حتى تبادر إلى انتعال "جزمة" سوداء مصنوعة من المطاط، فأحس بحفيف انتعالها لها، يمزق قلبي، فاخفي راسي تحت غطائي، وابكي لأنني لا استطيع مساعدتها، وكانت تمضي راكضة حتى لا تفوتها سيارة العمل.بقيت أمي تكافح وتكافح، تساعد والدي، الشيخ المسن، ويساعدهما أخي جوهر رحمه الله(توفي يوم 30-12- 2007) أي قبل رحيلها بنحو الخمسين يوما، وأختاي نجية وليلى، أمد الله في عمريهما، ولم يهدا لها بال حتى يومها الأخير.لم تتلق أمي، شانها في ذلك شان والدي وأخي جوهر، تعلما في أي من المدارس، بسبب الاحتلال والتهجير القسري، من بلدتنا سيرين، لهذا كان هؤلاء أميين، لا يقرؤون أو يكتبون، علما أنني علمتهم كيف يكتبون أسماءهم، وكان يلفت انتباههم اهتمامي الشديد بالكتاب وعالمه الرحيب.أتذكر الان أنني جلست في الرابعة من مساء احد الأيام، وكنت فتى في مقتبل العمر، غض الإهاب، أقرا في كتاب/ رواية" الأم" للكاتب الروسي ذائع الصيت مكسيم جوركي، فجاءت أمي إلي، تقترح علي أن أتناول الطعام، فاقترحت عليها أن تنتظر قليلا ريثما افرغ من القراءة، فذهبت وعادت بعد نحو الساعتين، لتعيد السؤال ذاته، ولتتلقى بالتالي الإجابة ذاتها، وتكرر هذا مرة ومرة، حتى الثانية عشرة ليلا، عندها أوت إلى فراشها، وبقيت أنا في صحبة جوركي وأمه، حتى بزغ الصباح وقاربت الساعة السابعة.في تلك اللحظة جاءت أمي إلى حيث كنت، لتجدني اقرأ في الكتاب ذاته، ففوجئت ووجهت إلي سؤالا مفاده لماذا ابذل كل ما ابذله من مجهود؟ وماذا أريد من وراء هذا كله؟ فأجبتها إنني أريد أن أكون كاتبا، فأرسلت نظرة مستريبة نحوي، وهي تتساءل عما إذا كنت أريد أن أكون كاتب عرض حال، وهو ذاك الذي كان يكتب لمن لا يتقنون الكتابة من المهجرين خاصة، الرسائل ليرسلوا بها إلى المؤسسات الخاصة لعلها تخفف من كربهم، وأضافت متسائلة، عما إذا كنت سأجلس ذات يوم إلى طاولة في باب" المسكوبية" في الناصرة، لأكتب الرسائل لمن يحتاج؟ فأجبتها بالنفي وقلت لها إنني أريد أن أكون كاتبا قاصا، فسألتني عما اقصد بهذا فأجبتها إنني أريد أن اكتب القصص عنها وعن عذاباتها وعذابات المتبقين من أبناء الأسرة، فأرسلت ابتسامة نحوي وهي تقول إنها لا تفهم ما ارمي إليه وان كانت تقدره، ورددت قائلة: "والله ما انا عارفة شو بتقصد، بس على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر".مضت السنوات، وعرفت رويدا رويدا ما أردت أن أكونه، وكانت كلما تستمع إلى اسمي يتردد في هذا البرنامج الإذاعي أو ذاك، أو يرسل إلي احد المعارف التحيات والسلامات، مشيرا إلى ما كتبته في هذه الصحيفة أو تلك المجلة، حتى ترفع رأسها مزهوة وتنقل إلي التحية وكأنما هي شريكة فيها، وهكذا كان.الذكريات في هذا المجال بيني وبينها، لا تعد ولا تحصى، ولا أنسى يوم عملت في إحدى الصحف المحلية المشهورة وأخذت انشر فيها ما اكتبه، كيف رفعت رأسها حتى وصل السماء أو كاد زهوا، وهي تستمع، على مسمع مني أيضا، إحدى جاراتنا توجه، عبر نافذة بيتها، سؤالا إلى جارة أخرى عما إذا كانت قرأت المقالة التي كتبها ناجي ابن أم جوهر، في العدد الأخير من الصحيفة الذي يعمل فيها. بل إنني أكاد أرى لمعة الفرح في عينيها، وهي تخبرني بفخر لا حدود له، عن رضا أصدقائها من أبناء عائلة المربي المرحوم الأستاذ فيصل زعبي، عما كتبته عنه في صحيفة" الأخبار" بعد رحيله قبل نحو السنتين.شغلت أمي مساحة واسعة من كتاباتي القصصية، فكتبت عنها العديد من القصص، واذكر أنني كتبت عن هذه القصص مقالة، بناء على طلب من إدارة مدرسة "الحرش" الابتدائية، في الناصرة، ضمنتها بعضا من المشاعر النبيلة نحو أمي، تلك الإنسانة النبيلة، واستعرضت فيها عددا مما كتبته عنها من قصص، واعتقد انه بإمكان القارئ المهتم أن يعود لقراءة هذه المقالة، علما أنها نشرت في نشرة خاصة، أصدرتها المدرسة المذكورة، وأعيد نشرُها في احد أعداد صحيفة" الأخبار".في هذا السياق اذكر أن القصة الأولى التي كتبتها بعد تلمس طريقي الأدبي، في بدايتها الأولى، دارت حول حبي لامي ومدينتي، وكانت حافلة بالمشاعر والأحاسيس، وأعربت فيها بالإضافة إلى هذا عن تخوفي على أمي وعن خشيتي من أن تغادر هذه الدنيا. أتذكر أنني أشرت فيها إلى أي خراب سيحصل إذا ما أصابها مكروه، ولم تعد بيننا. هذه القصة حملت عنوان " الكلمة الأخيرة" ونشرت في احد أعداد مجلة" الجديد" الصادرة في عام 1968. لقد عبرت في هذه القصة عن معظم ما أردت أن أقوله عن والدتي، وضمنتها بعضا من تعبيري عما سيحل بمدينتي إذا ما رحلت. كان ذلك قبل نحو الأربعة عقود من الزمن، وكان لا بد لهذه العقود من الانقضاء، حتى ترحل والدتي مخلفة وراءها ألما تراكم عبر العشرات من السنين، فهل رحلت أم أننا نحن الراحلون، كما أوحى شاعرنا العربي القديم أبو الطيب المتنبي طيب الله ذكراه؟للفنان المطرب العربي المصري محمد عبد الوهاب، مقولة مشهورة مفادها أن الإنسان لا يشيخ، أو لا يشعر بالشيخوخة، إلا بعد أن يفقد والديه، فهل ابتدأت الشيخوخة الحقيقية تطرق أبوابي، بعد رحيل والدي أيها الفنان؟ وماذا سأفعل وقد انضممت إلى أولئك الذين فقدوا إباءهم وأمهاتهم، خاصة حينما سيحتفل العالم كله في الواحد والعشرين من آذار القريب، بعيد الأم؟ ماذا سأفعل أيها الفنان؟ حقا.. ماذا سأفعل؟

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد