ألم ينتشر من بين كلمات فؤاد جورج خوري على صفحات منبر العرب
مرَّ قطار التاسعة وتلاه قطار الحادية عشرة وآمال لم تأتِ بعد، حتى قرّر تيسير أن يكفّ عن الانتظار، فآمال لن تأتي، فطفق تيسير يقول لو أنَّها كانت تنوي المجيء، لجاءت، فأيُّ ظروفٍ تلك التي عرقلت طريق وصولها وهي على حسب ما قالت له أنّها متلهفة لرؤيته، وأيضًا لرؤية ابنها سني الذي لم تره منذ عامان، فهي قد سافرت في مؤتمرٍ مهني يختصّ بدورها كصحافية، وباعتبارها أيضًا محرّرة في جريدة محلية رائدة أضحت هي من المسئولات المهمات فيها، وخلال عامي سفرها لم تأتِ مطلقًا إلى بيروت ولم ترَ زوجها ولا ابنها أيضًا، وكانت قد مرّت أيامٌ قليلة على اتصالها بزوجها تيسير وأخبرته أنّها تنوي المجيء، يوم الأحد، وقالت له أيضًا أنّه بإمكانه انتظارها في محطة القطار فهي ستركب القطار بعد أن تهبط طائرتها، وها هو تيسير منذ صبيحة يوم الأحد هرع مسرعًا نحو محطة القطار لئلاّ يفوته أيُّ قطارٍ قادمٍ وهو متشوّق لرؤيتها فهي زوجته، حبيبته، ورغم أنْ مرَّ عامان لم يريا فيه أحدهما الآخر، إلاّ أنّ الشوق في قلبِ كلِّ منهما ازداد تجاه الآخر، سألته آمال عندما تحدّث معها على الهاتف عن حال صغيرهما سني الذي قد بلغ الآن عشر سنوات، فأخبرها أنّه طيلة عامي سفرها لم ينفكّ عن السؤال عن أمّه وأين هي فيقول له تيسير أنّها ستعود وها هو الأمل قريبٌ فهي ستعود.... شعر تيسير بالسأم من الانتظار في محطة القطار، فآمال لم تأتِ، وأن تقول له أنّها آتية ولن تأتي فذلك يستحيل على تيسير أن يُقنعه، ذلك أنّه ليس من عادة آمال أن تقول شيئًا ولا تنفّذه، حتمًا حصل معها أمرٌ منعها من القدوم كما قالت، في ذلك الوقت بدأت الافكار السوداء تُراود تيسير، تُرى هل حصل معها مكروه، هل تعرّضت لأذى، فرغم أنّه يعرف تمامًا قوة شخصيتها ومِراسها الصلب، أخذ يفكر أنّه ربما قد تعرّضت لهجومٍ أقوى منها، ولم تقوَ عليه، وهكذا أفكارٌ تأتي وأخرى تمضي وتيسير لا يدري ماذا يفعل إلى أن قرّر النوم، وخلال كل هذه الفترة التي كان بها تيسير حائرًا لا يدري ماذا يفعل، كان سني ابنه في المدرسة، فعندما رجع رأى والده نائم فلم يُرد أن يزعجه، فانكبّ على دروسه يحلّها وبعد مرور نصف ساعة وإذ بالهاتف يرنّ، فردَّ سني وإذ بأحدٍ يقول له على الهاتف: أمك في خطرٍ وهي في مستشفى الورود وانقطع الخط قبل أن يقول سني أيَّ كلمة، لم يفهم سني ماذا يجري، فقام من فوره مذعورًا وذهب ليوقظ أباه، فأيقظه وقال له: أمي في خطر هي في المستشفى، فقام تيسير كالمذعور لا يعرف من أين حلّت عليه هذه المصيبة، فغسل وجهه سريعًا وأخذ ابنه وركبا السيارة متجّهًا إلى مستشفى الورود، كانت لحظات صعبة على تيسير وقلبه يكاد ينفجر لشدة قلقه على زوجته، فساق السيارة بسرعة عالية، وحمد الله أنّه لم يحصل أيّ مكروه، يودّ لو يُقصَّر الطريق ويصل سريعًا إلى المستشفى ويطمأن على آمال زوجته، كان قلبه ينبئه أنَّ مكروهًا حصل لزوجته ولكنّه لشدة ما فكّر بالسوء قرّر النوم، إلى أن أيقظه ابنه قائلاً له أنَّ أمّه في المستشفى، كان سني بجانبه راكبًا ولكنّ مندهش أيّما اندهاش لِما يجري، وكأنّ به لا يُدرك حقيقة ما يجري وفي نفس الوقت يشعر أنَّ مكروهًا قد ألمّ بوالدته فسال أباه ماذا بها أمي، فأجابه تيسير غنّها بخير لا تقلق، كل ذلك ليُطمأن صغيره، فهو ما زال صغيرًا لأن يُخبره حقيقة ما يجري.... وصل تيسير إلى المستشفى، وهو في قلقٍ وخوفٍ لا يُوصفان، فسأل هنالك عن زوجته أين هي فاخبروه أنّه لا يستطيع رؤيتها فهي في حالةٍ خطرة جدًا وهي في غرفة العناية المشدّدة، عندما سمع الطبيبة تقول ذلك كاد أن يُغمى عليه لولا أنَّ الله ألهمه الصبر ليتشدّد فضبط أعصابه، ولكنّه أصرّ على أن يرى زوجته ولو أنّه غير مسموحٍ بذلك، فأسرع يركض في المستشفى ذاهبًا إلى غرفة العناية المشدّدة، وابنه وراءه يلحق به، فوصل تيسير الغرفة فدفع الباب ورآها، رأى آمال زوجته في حالة صعبة للغاية، شاحبة الوجه ليس بها حولٌ ولا قوة، عندما رأته قالت له " تيسير " وصمتت، وابنه يلحق به إلى أن رأى الباب مفتوحًا فدخلن وعندما رأى أمّه على السرير أسرع ليقبّلها قائلاً: أمي، أنتِ هنا وأنا أنتظرك، كم احبك يا امي، لم يسمع الولد أي كلمة، لأنّ آمال لم تسمعه، لأنّها كانت قد فارقت الحياة.
مرَّ قطار التاسعة وتلاه قطار الحادية عشرة وآمال لم تأتِ بعد، حتى قرّر تيسير أن يكفّ عن الانتظار، فآمال لن تأتي، فطفق تيسير يقول لو أنَّها كانت تنوي المجيء، لجاءت، فأيُّ ظروفٍ تلك التي عرقلت طريق وصولها وهي على حسب ما قالت له أنّها متلهفة لرؤيته، وأيضًا لرؤية ابنها سني الذي لم تره منذ عامان، فهي قد سافرت في مؤتمرٍ مهني يختصّ بدورها كصحافية، وباعتبارها أيضًا محرّرة في جريدة محلية رائدة أضحت هي من المسئولات المهمات فيها، وخلال عامي سفرها لم تأتِ مطلقًا إلى بيروت ولم ترَ زوجها ولا ابنها أيضًا، وكانت قد مرّت أيامٌ قليلة على اتصالها بزوجها تيسير وأخبرته أنّها تنوي المجيء، يوم الأحد، وقالت له أيضًا أنّه بإمكانه انتظارها في محطة القطار فهي ستركب القطار بعد أن تهبط طائرتها، وها هو تيسير منذ صبيحة يوم الأحد هرع مسرعًا نحو محطة القطار لئلاّ يفوته أيُّ قطارٍ قادمٍ وهو متشوّق لرؤيتها فهي زوجته، حبيبته، ورغم أنْ مرَّ عامان لم يريا فيه أحدهما الآخر، إلاّ أنّ الشوق في قلبِ كلِّ منهما ازداد تجاه الآخر، سألته آمال عندما تحدّث معها على الهاتف عن حال صغيرهما سني الذي قد بلغ الآن عشر سنوات، فأخبرها أنّه طيلة عامي سفرها لم ينفكّ عن السؤال عن أمّه وأين هي فيقول له تيسير أنّها ستعود وها هو الأمل قريبٌ فهي ستعود.... شعر تيسير بالسأم من الانتظار في محطة القطار، فآمال لم تأتِ، وأن تقول له أنّها آتية ولن تأتي فذلك يستحيل على تيسير أن يُقنعه، ذلك أنّه ليس من عادة آمال أن تقول شيئًا ولا تنفّذه، حتمًا حصل معها أمرٌ منعها من القدوم كما قالت، في ذلك الوقت بدأت الافكار السوداء تُراود تيسير، تُرى هل حصل معها مكروه، هل تعرّضت لأذى، فرغم أنّه يعرف تمامًا قوة شخصيتها ومِراسها الصلب، أخذ يفكر أنّه ربما قد تعرّضت لهجومٍ أقوى منها، ولم تقوَ عليه، وهكذا أفكارٌ تأتي وأخرى تمضي وتيسير لا يدري ماذا يفعل إلى أن قرّر النوم، وخلال كل هذه الفترة التي كان بها تيسير حائرًا لا يدري ماذا يفعل، كان سني ابنه في المدرسة، فعندما رجع رأى والده نائم فلم يُرد أن يزعجه، فانكبّ على دروسه يحلّها وبعد مرور نصف ساعة وإذ بالهاتف يرنّ، فردَّ سني وإذ بأحدٍ يقول له على الهاتف: أمك في خطرٍ وهي في مستشفى الورود وانقطع الخط قبل أن يقول سني أيَّ كلمة، لم يفهم سني ماذا يجري، فقام من فوره مذعورًا وذهب ليوقظ أباه، فأيقظه وقال له: أمي في خطر هي في المستشفى، فقام تيسير كالمذعور لا يعرف من أين حلّت عليه هذه المصيبة، فغسل وجهه سريعًا وأخذ ابنه وركبا السيارة متجّهًا إلى مستشفى الورود، كانت لحظات صعبة على تيسير وقلبه يكاد ينفجر لشدة قلقه على زوجته، فساق السيارة بسرعة عالية، وحمد الله أنّه لم يحصل أيّ مكروه، يودّ لو يُقصَّر الطريق ويصل سريعًا إلى المستشفى ويطمأن على آمال زوجته، كان قلبه ينبئه أنَّ مكروهًا حصل لزوجته ولكنّه لشدة ما فكّر بالسوء قرّر النوم، إلى أن أيقظه ابنه قائلاً له أنَّ أمّه في المستشفى، كان سني بجانبه راكبًا ولكنّ مندهش أيّما اندهاش لِما يجري، وكأنّ به لا يُدرك حقيقة ما يجري وفي نفس الوقت يشعر أنَّ مكروهًا قد ألمّ بوالدته فسال أباه ماذا بها أمي، فأجابه تيسير غنّها بخير لا تقلق، كل ذلك ليُطمأن صغيره، فهو ما زال صغيرًا لأن يُخبره حقيقة ما يجري.... وصل تيسير إلى المستشفى، وهو في قلقٍ وخوفٍ لا يُوصفان، فسأل هنالك عن زوجته أين هي فاخبروه أنّه لا يستطيع رؤيتها فهي في حالةٍ خطرة جدًا وهي في غرفة العناية المشدّدة، عندما سمع الطبيبة تقول ذلك كاد أن يُغمى عليه لولا أنَّ الله ألهمه الصبر ليتشدّد فضبط أعصابه، ولكنّه أصرّ على أن يرى زوجته ولو أنّه غير مسموحٍ بذلك، فأسرع يركض في المستشفى ذاهبًا إلى غرفة العناية المشدّدة، وابنه وراءه يلحق به، فوصل تيسير الغرفة فدفع الباب ورآها، رأى آمال زوجته في حالة صعبة للغاية، شاحبة الوجه ليس بها حولٌ ولا قوة، عندما رأته قالت له " تيسير " وصمتت، وابنه يلحق به إلى أن رأى الباب مفتوحًا فدخلن وعندما رأى أمّه على السرير أسرع ليقبّلها قائلاً: أمي، أنتِ هنا وأنا أنتظرك، كم احبك يا امي، لم يسمع الولد أي كلمة، لأنّ آمال لم تسمعه، لأنّها كانت قد فارقت الحياة.