يوم الحب- بقلم: فؤاد جورج خوري
ظمأ القلب فارتوى من نداء الحبيب، فيا حبُ أين أنت الآن من الفؤاد، من نسمات العليل العذبة، من قبلةٍ نزرعها على الشفاه فتستحيل مشاعر جياشة، وآمال تكاد تغمرها لفحات الحبيب.
ظمأ القلب فارتوى من نداء الحبيب، فيا حبُ أين أنت الآن من الفؤاد، من نسمات العليل العذبة، من قبلةٍ نزرعها على الشفاه فتستحيل مشاعر جياشة، وآمال تكاد تغمرها لفحات الحبيب.

ناديتك وأنت بعيدٌ عنّي، وددت لو يُرسل إليك الهوى صدى دموعي، صدى العشق المغمور في داخلي، صدى تنهداتٍ أبثها لك، وآمل أن تصل عبر رسائل الزمن، يكفيني أن تصل واحدة، أن تقرأها وتمعن فيما كتبت لك، وتتأمل في الأشواق المكنونة في داخلي، جعلتها في قفصٍ وحجبت عنها ضوء الشمس طيلة زمن طويل، وها الآن في هذا اليوم أتيح لها المجال في أن تتحرر، اكسر القيد الذي أنا مقيدها به، مدركٌ أنا أنَّها لن تستطيع الغرق في بحرٍ سقيناه بدمع العيون، التي كلّما كانت تنسال أكثر، يزادد هيامي وحبي أكثر.
أنتقي الحروف والكلمات بدرايةٍ، لأمتع النفس من ثكنات القلب، وآهات الحبيب، حلمت مطولاً وكم ازددت رغبةً يومًا بعد يومٍ في أن أضمَّ قلبين فنصير واحدًا، في أن أرسم بسمتين على وجهٍ واحدٍ، في أن أكون أنت وتكون أنا كما أنَّ الاثنين واحد، فلتزقزق عصافير السماء، وتطربنا بما تشاء، فيطيب لنا سماع شدوها، وهي تلحن سيمفونية، كنَّا أيام الصبا نرددها دومًا، واليوم ونحن مع بعضنا سوف لن نسمح للملل بأن ينزع منّا أجمل اللحظات، فعندما نكون سويةً سينتظر القمر بشوقٍ أن نردَّ عليه السلام، سوف تسهر النجوم علينا، وتضفي على ليلتنا نورًا لئلاّ يدلهّم الليل علينا، ونحن ساهدين في العيون وفي أنامل اليدين.
والبحر من حولنا يحيطنا، وتتصاعد أمواجه شيئًا فشيئا، ونحن نقترب من بعضنا أكثر فأكثر، فتداعب خدّينا موجةٌ، ولكنّها لن تقوى على إبعادنا، ومهما حاولت سيكون مصيرها الفشل، حبنا لا يرضخ لقوانين الطبيعة، لا تؤثر عليه عواصف الكون، حبنا وإن تجرَّد من معناه، فليس للطبيعة دخلٌ في ذلك، ولا العواصف، نحن نزرع المشاعر، وعندما تهرب الأحاسيس، حينها سيبتعد هذا الحب، إلا أن يجد نفسه غريبًا.
لكنَّ القلب لن يستسلم بسهولة، ولا يهون عليه أن تُمحى الذكريات بسرعةٍ، يجب أن يكون هنالك سببٌ، سببٌ وجيهٌ جراءّه يبدل القلب مساره، ويغير مجراه.
حبًا بكل اللحظات التي اكتست بألوان السعادة، ورفقًا بدقات الفؤاد، وآملاً في أن يبقى الإخلاص كما سبق أن عُهِدَ، لأجل كلِّ هذا علينا أن نُناضل، أن نتحّدى، وأبدًا لن نتنازل، ونرسم من الضعف لوحةً نسير بموجبها، هذا ليس من شِيمنا، اعتدنا دومًا أن نبوح كلٌ للآخر، دون خوفٍ أو حاجزٍ يعيق ذلك، فإن كان حبًا متينًا، فلا يهمه ذلك، وله ما هو اهمم ليكون سببًا وجيهًا.
لن نتسمّر كالحجارة، بل سنحارب لأجل ألاّ يموت هذا الحب، لأجل أن يولد كلَّ يومٍ ولادةً جديدةً، هكذا نعطي طعمًا لأيامنا، ولونًا لأحلامنا، وشكلاً لحياتنا.
إن كان أحدنا في مأزقٍ، سيكون الحب حينها المنقذ، ولكنه إن كان مجرَّد حروفٍ، سوف لن يسعف في الأمر شيئًا، إن لم نبادر ونضحي من أجل الحبيب، سيبقى الحب لوحده، دخيلاً على أصحابه.
أيُّ معنىً للحب، إن تعب واحدٌ منّا ولم يجد بجانبه من يخفف عنه الألم، إنَّ الحب لِيكون يجب أن يحظى بالمشاعر والأحاسيس، لكنها إن بقيت وحدها ستذوب مع الأيام والسنين، وستصبح روتينًا يتكرر يوميًا، ومتعةً ترافقنا كلَّ الوقت، لكنَّ الحياة كما أنّها تحمل المتع والسعادة، فإنّها أيضًا تخبئ في جانبها الآخر ما هو محزن ومعذّب، إن لم يكن الحبيب المنقذ، من حينها سيكون؟ ولمن سيشكي القلب وجعه؟
ستغرق حينها البسمات في بحرٍ من الدموع، وينخفض صوت الحب، ويتلاشى الشعور شيئًا فشيئا، لنجد أنفسنا وحيدين، بعيدين، رغم قرب المسافة، ذلك أنَّ ما وحدّنا يومًا، ها إنّه قد غاب عنّا، لا بمحض إرادته، بل نحن من سمحنا بذلك، حين أردناه أن يكون في كلِّ الأوقات السعيدة، حين تمسكنا به فقط عندما تلقينا خبرًا سارًا وأردنا أن نبوح به، ونخبر الحبيب عنه.
حبٌ وُلد ويبقى في الأوقات الجميلة، حبٌ لا يعرف الحزن الذي قد يصيب القلب، أيُّ حبٍ هذا؟ هذا هراء ومجرّد قصرٍ من السعادة بنيناه لأنفسنا، سنحظى بالسعادة أيضًا مع ألآمنا، ولكن إن كانت السعادة هي المبتغى الوحيد، حينها سنفقدها ونحن في أمّس الحاجة لها، لأنه ما ن شيءٍ في الوجود إلاّ ويقابله نقيضه، فنحن حين نشعر بالراحة، هذا يعني أننا لا نشعر بالتعب، الشعور بالراحة لم يأتِ من فراغ، فكان بعد كِدٍ، والسعادة لا نحصل عليها ونشعر بقيمتها إلاّ إذا كانت بعد ألمٍ وحزنٍ، ليس لجميعنا، ولكن لِمن يودون نيل السعادة الأبدية، لا السعادة التي تظهر وبعد فترةٍ قصيرةٍ تختفي.
والحب هو السعادة، ولكي نعيشه، سوف لن تُفرش الطريق بالورود، فإن لم نلبي رغبات الحبيب، بحلاوتها ومرارتها، سوف يكون الحب حروفًا على ورق، فلنجّمل هذا الحب، ونرش عليه الطيب والمسك، في يومه هذا من كلِّ سنة، لأنَّ به سننال ما تمنينا من جذلٍ وسرور.